الفصل السابع عشر فضلت أبص لعبدالرحمن... مش قادرة أصدق. "أختك؟" هز رأسه ببطء. كانت أول مرة أشوف الدموع في عينه. قال: "كان عندها خمس سنين." "وكانت متعلقة بيا بشكل يخنق." "كل يوم كنت أوصلها المدرسة قبل ما أروح الجامعة." ابتسم ابتسامة حزينة. "كانت كل ما تشوفني... تجري عليا وهي تقولي: عبدالرحمن... متتأخرش النهارده." سكت. وكأن الذكرى كانت بتوجعه أكتر من الرصاصة. "وفي يوم... روحت أجيبها من المدرسة." بلع ريقه. "ملقتهاش." أنا همست: "اتخطفت؟" أغمض عينه. "قدام باب المدرسة." "ولا كاميرا سجلت حاجة." "ولا حد عرف يوصل للخاطف." سألته: "وشريف؟" فتح درج الكومودينو جنب السرير. طلع صورة قديمة. فيها هو وهو شاب صغير. وجنبه شريف. وبينهم طفلة جميلة لابسة فستان أصفر. قال: "بعدها بسنة... عرفت إن شريف كان بيدير شبكة بتخطف الأطفال." شهقت. "ليه؟" "كان بيبيعهم لعائلات بره البلد بأسماء جديدة." حسيت بقشعريرة سرت في جسمي. "لكن ماقدرتش أثبت حاجة." "كل شاهد كان يختفي." "وكل دليل كان بيتحرق." رفع الصورة. ولمس وش البنت بإصبعه. وقال بصوت مكسور: "ومن يومها... وأنا بدور عليها." ... في نفس اللحظة... الضابط دخل الأوضة. كان ماسك تقرير. وقال: "لقينا حاجة في عربية سامر." عبدالرحمن انتبه فورًا. "إيه هي؟" حط الضابط ظرف بلاستيك على السرير. كان جواه... سلسلة فضة. أول ما عبدالرحمن شافها... شهق. ومسكها بسرعة. إيده كانت بتترعش. قلت باستغراب: "إيه دي؟" رد بصوت مخنوق: "كانت في رقبة أختي." أنا اتصدمت. "يعني..." "يعني سامر كان يعرف مكانها." الضابط قال: "مش بس كده." "لقينا مع السلسلة ورقة." فتحها. كان مكتوب فيها بخط واضح: (اللي بتدور عليها... عايشة.) ساد صمت طويل. أنا بصيت لعبدالرحمن. كان لأول مرة من سنين... في عينه أمل. لكن تحت الجملة... كان في سطر تاني. قرأه الضابط بصوت عالي: (ولو عايز تشوفها... هات الدفتر بنفسك.) عبدالرحمن ابتسم ابتسامة غريبة. الضابط استغرب. "إنت بتبتسم؟" قال بهدوء: "لأن شريف غلط." "إزاي؟" "لأنه لأول مرة... أكد إنها لسه عايشة." ثم بصلي. وقال: "يبقى الحرب الحقيقية... هتبدأ دلوقتي." ... بعد ساعات... رجعنا الفيلا. دخلت أوضتي علشان أجيب هدوم أروح بيها المستشفى تاني. وأنا بفتح الدولاب... لقيت حاجة وقعت على الأرض. علبة خشب صغيرة. أنا عمري ما شوفتها قبل كده. فتحتها. كان جواها... خاتم دهب بسيط. وفيه حرف (م) محفور من الداخل. وتحته ورقة مطوية. فتحتها. ولقيت مكتوب بخط أعرفه كويس... خط كريم. "لو إنتِ بتقري الرسالة دي... يبقى شريف سبقني. فيه سر ماقدرتش أقولهولك طول السنين اللي فاتت. السر ده موجود في بيت أبوكي القديم... تحت أول بلاطة قدام أوضة النوم." وقعت الرسالة من إيدي. قلبي بدأ يدق بعنف. أنا... من يوم وفاة أبويا... البيت القديم مقفول. وماحدش دخله من سنين. وفي اللحظة دي دخل عبدالرحمن. أول ما شاف الرسالة في إيدي... خطفها بسرعة. قرأها. ثم رفع عينه ناحيتي وقال بحسم: "هنسافر دلوقتي." سألته بقلق: "ليه؟" رد وهو بيتجه ناحية الباب: "لأن لو كريم كتب الرسالة دي قبل ما يختفي..." "يبقى اللي مستخبي في بيت أبوكي..." "هو الدليل اللي شريف بيدور عليه من سبع سنين." الفصل الثامن عشر خرجنا من الفيلا قبل الفجر بساعة. عبدالرحمن كان لسه تعبان من العملية. الجرح في كتفه واضح إنه بيوجعه. قلت وأنا ببصله: "إنت لسه خارج من المستشفى... مينفعش تتحرك." ابتسم وهو بيشغل العربية. وقال: "لو اتأخرنا... هيكونوا سبقونا." ليان كانت نايمة في الكرسي الخلفي. والحاجة فاطمة أصرت تيجي معانا. قالت وهي ماسكة المصحف: "أنا مش هسيبكم لوحدكم." ... بعد ساعة ونص... وقفنا قدام بيت أبويا. البيت كان قديم. مقفول من سنين. والتراب مغطي كل حاجة. أول ما دخلت... ريحة المكان رجعتني لسنين فاتت. افتكرت أبويا وهو قاعد على الكنبة. وأمي وهي بتنادي علينا علشان الغدا. حسيت بغصة. لكن عبدالرحمن قطع شرودي. وقال: "الرسالة قالت تحت أول بلاطة قدام أوضة النوم." جبنا عتلة صغيرة من العربية. وبدأنا نرفع البلاطة. بعد كام دقيقة... البلاطة اتحركت. كان تحتها صندوق معدني صغير. عليه صدأ. وشكله قديم جدًا. عبدالرحمن شاله بحذر. وقال: "واضح إنه مدفون من سنين." فتحناه. كان جواه... دفتر صغير. وصورة. وشريط كاسيت قديم. استغربت. "كاسيت؟" ابتسم عبدالرحمن. "زمان... قبل الفلاشات." الصورة كانت لأبويا. واقف مع راجل ماعرفوش. لكن... الحاجة فاطمة أول ما شافت الصورة... شهقت. وقالت: "ده..." "ده والد شريف." كلنا بصينا لها. قالت وهي بتحاول تفتكر: "كان شريك والد عبدالرحمن من زمان." عبدالرحمن أخد الصورة. وبدأ يقلبها. وراها تاريخ. من أكتر من خمسة وعشرين سنة. وتوقيع... "أمانة لحد ما تظهر الحقيقة." ... طلعنا الكاسيت. لكن ماكانش عندنا جهاز يشغله. الضابط اتصل بواحد من المعمل الجنائي. وبعد أقل من ساعة... جابوا جهاز قديم. حطينا الكاسيت. ضغطنا تشغيل. في الأول... كان فيه تشويش. وبعدين... طلع صوت راجل. أول ما سمعته... عرفته. كان صوت أبويا. قال: "لو التسجيل ده اشتغل... يبقى أنا غالبًا مش موجود." دموعي نزلت. سمعت صوته بعد كل السنين دي. أبويا كمل: "أنا سجلت الكلام ده علشان بنتي مريم... لو كبرت في يوم وسألت عن الحقيقة." عبدالرحمن بصلي. وأنا كنت ببكي من غير صوت. التسجيل كمل: "أنا اشتغلت محاسب عند عيلة كبيرة سنين طويلة." "وفي يوم... اكتشفت إن في أطفال بيختفوا... وأوراق بتتزور... وفلوس بتتغسل." "ولما هددت إني أبلغ..." "طلبوا مني أسكت." "ولما رفضت..." "بدأوا يهددوا أسرتي." الحاجة فاطمة غطت وشها بإيديها. عبدالرحمن كان مركز بكل حواسه. لكن الجملة اللي بعدها... خلت كلنا نتجمد. قال أبويا: "أنا خبيت نسخة من كل المستندات... وسلمتها لشخص واحد بس." توقف التسجيل لحظة. ثم قال: "لو مريم وصلت للكلام ده... روحي لعبدالرحمن." أنا بصيت لعبدالرحمن بذهول. هو كمان كان مصدوم. همست: "إزاي أبويا يعرفك؟" رد وهو لسه مش مستوعب: "والله... عمري ما قابلت والدك." لكن التسجيل لسه ماخلصش. آخر جملة فيه كانت: "يا عبدالرحمن... لو بتسمعني دلوقتي... يبقى أنت نفذت وعدك ووصلت لمريم... بس خلي بالك... الخاين الحقيقي عمره ما كان شريف..." وفجأة... التسجيل وقف. الشريط اتقطع. ساد صمت ثقيل. ولا حد فينا قدر ينطق. لأن معنى الجملة كان واحد... كل السنين اللي فاتت... وإحنا بنجري ورا الشخص الغلط. وفي نفس اللحظة... رن هاتف عبدالرحمن. نظر إلى الشاشة... وتغير لون وجهه. رفعت عيني أسأله: "مين؟" رد بصوت خافت: "المكالمة جاية من رقم... كريم." مع إن الشرطة... أكدت إنه مختفٍ من أيام. الفصل التاسع عشر عبدالرحمن فضل باصص لشاشة الموبايل ثواني. الاسم قدامه... كريم. أنا همست: "رد." الضابط قرب بسرعة. وقال: "افتح السماعة... وسجل المكالمة." عبدالرحمن ضغط زر الرد. فضل ساكت. لحد ما جه صوت كريم. كان صوته مرهق... وكأنه بيجري. قال: "ما تقاطعنيش." عبدالرحمن قال ببرود: "إنت فين؟" رد بسرعة: "لو عايز تعرف... اقفل الخط." "أنا مش بهزر." الضابط أشار لعبدالرحمن يكمله في الكلام علشان يحددوا مكانه. كريم قال: "اسمع يا عبدالرحمن..." "أنا مش مع شريف." عبدالرحمن ضحك بسخرية. "بعد كل اللي عملته؟" "أنا غلطت... أيوه." "لكن دلوقتي..." "أنا اللي بيجروا ورايا." أنا قربت من التليفون. وقلت: "كريم." سكت ثواني. أول ما سمع صوتي... اتنهد. وقال: "إزيك يا مريم." كان أول مرة من سنين... أسمع صوته من غير غرور. قلت بحدة: "إنت عايز إيه؟" رد: "أنقذوا ليان." حضنت بنتي غريزيًا. "ابعد عنها." قال بسرعة: "اسمعيني." "أنا السبب في اللي حصل." "لكن ليان..." "هي مش الهدف." عبدالرحمن قال: "أمال مين؟" رد كريم: "إنت." سكت لحظة. ثم قال: "شريف مش بيدور على الدفتر." عبدالرحمن عقد حاجبيه. "أمال بيدور على إيه؟" جاء الرد... "بيدور على الشخص اللي معاه المفتاح." أنا افتكرت المفتاح الذهبي اللي وصل للمستشفى. بصيت لعبدالرحمن. هو كمان افتكره. كريم كمل: "المفتاح مش بيفتح خزنة." "بيفتح غرفة." عبدالرحمن سأل: "غرفة فين؟" لكن فجأة... سمعنا صوت فرامل عربية من ناحية كريم. وبعدين صريخ. وكريم قال بسرعة: "لقوني..." "اسمع..." "الغرفة تحت..." وفجأة... طلقات نار. وبعدين... الخط اتقطع. ... الضابط بص لعبدالرحمن. "قدرنا نحدد مكانه." "فين؟" "المكالمة جاية من المنطقة الصناعية القديمة." عبدالرحمن قام من مكانه فورًا. رغم جرحه. قلت وأنا بمسك دراعه: "إنت رايح فين؟" رد: "لو كريم لسه عايش..." "يبقى عنده آخر جزء من الحقيقة." ... بعد أقل من أربعين دقيقة... وصلنا للمكان. مصنع قديم. مقفول من سنين. أبوابه مكسورة. والتراب مالي الأرض. الشرطة انتشرت. عبدالرحمن دخل أول واحد. وأنا رفضت أفضل في العربية. دخلت وراه. المكان كان هادي بشكل مخيف. لحد ما... سمعنا صوت أنين. جرينا ناحية الصوت. لقينا كريم. واقع على الأرض. مصاب في بطنه. والدم حواليه. أول ما شاف عبدالرحمن... ابتسم ابتسامة ضعيفة. وقال: "اتأخرت..." عبدالرحمن نزل على ركبته. "مين عمل فيك كده؟" رد بصعوبة: "شريف..." "عرف إني هتكلم." أنا وقفت بعيد. مش عارفة أكرهه... ولا أشفق عليه. كريم بصلي. ولأول مرة... قال: "أنا ظلمتك." دموعي نزلت من غير ما أحس. قال: "سامحيني..." "أنا ضيعت عمري ورا الطمع." سكت وهو بيحاول يتنفس. ثم مد إيده المرتعشة ناحية عبدالرحمن. كان ماسك ورقة صغيرة. قال: "دي..." "آخر حاجة." عبدالرحمن أخدها بسرعة. كانت مجرد أرقام... وإحداثيات. وفي آخرها كلمة واحدة. "السرداب." قبل ما عبدالرحمن يسأله... كريم همس: "أختك..." كلنا اتشدينا. "مالها؟" رد وهو بيبتسم ابتسامة باهتة: "لسه..." "عايشة." ثم أغمض عينيه. حاول المسعفون إنعاشه. مرة... واتنين... لكن من غير استجابة. وقف الطبيب بعد دقائق. وقال بهدوء: "البقاء لله." ساد صمت ثقيل. عبدالرحمن فضل باصص في الورقة اللي سابها كريم. ثم رفع عينه ناحيتي. وقال: "عرفت السرداب فين." سألته بسرعة: "فين؟" رد وهو يضغط على الورقة بقوة: "تحت أول مستشفى اشتغلنا فيها..." المستشفى... اللي كانت بداية كل الحكاية. الفصل العشرون فضلت ببص لكريم... الدكتور غطى وشه بالملاية البيضاء. مهما كان عمل... في اللحظة دي انتهت حكايته. لكن... بدأت حكاية أكبر بكتير. عبدالرحمن كان ماسك الورقة بقوة. الإحداثيات مكتوبة بخط إيد كريم. والكلمة الأخيرة... "السرداب." الضابط أخد الورقة. وبعد ما راجع الإحداثيات على جهازه... رفع راسه وقال: "الإحداثيات دي فعلًا بتوصل للمستشفى القديمة." عبدالرحمن قال بحسم: "هنتحرك حالًا." اعترض الضابط. "لازم نستنى تصريح النيابة." رد عبدالرحمن: "لو استنينا..." "شريف هيكون سبقنا." ... بعد ساعتين... وصلت النيابة بنفسها. وأُخذت الموافقات اللازمة. تحركت قوة كبيرة معانا. ولأول مرة... دخلت المستشفى اللي عبدالرحمن كان بيحكي عنها. المكان كان مهجور من سنين. الإزاز مكسور. والطرقات مليانة تراب. كل خطوة كنا بنمشيها... كان صداها يرجع يخوفنا. عبدالرحمن وقف قدام أوضة العمليات القديمة. قال بهدوء: "هنا بدأت كل حاجة." بعدين مشى ناحية المخزن الخلفي. وقف قدام دولاب حديد ضخم. وبص للأرض. قال: "شيلوه." أربع عساكر زقوا الدولاب بصعوبة. وتحته... ظهر باب حديد صغير. الضابط قال بدهشة: "إحنا فتشنا المكان قبل كده." عبدالرحمن ابتسم ابتسامة مريرة. "ماحدش كان يعرف إنه موجود." المفتاح الذهبي... دخل في القفل. لفه مرة. اتنين. ثلاثة. وسمعنا صوت تكة قوية. الباب اتفتح ببطء. ونزل قدامنا سلم طويل... غارق في الضلمة. ... نزلنا بحذر. كل واحد ماسك كشاف. السرداب كان أوسع مما توقعنا. أوض صغيرة. مكاتب. ودواليب حديد. كأن المكان كان مستخدم لسنين. في آخر الممر... كان فيه باب خشب. عبدالرحمن فتحه. واتجمد مكانه. قلت بقلق: "في إيه؟" دخلت وراه... ولما بصيت... حسيت إن نفسي اتقطع. الأوضة كلها... مليانة ملفات. كل ملف عليه اسم. وصورة. وتاريخ. مئات الملفات. أطفال. ورجال. وستات. ضحايا. الضابط قال وهو مصدوم: "يا نهار أبيض..." عبدالرحمن بدأ يقلب الملفات بسرعة. وفجأة... وقف عند ملف واحد. كان مكتوب عليه: رقية عبدالحميد إيده بدأت ترتعش. فتح الملف. جواه صورة. طفلة بفستان أصفر... نفس الصورة اللي كانت معاه. لكن... في آخر الملف... كانت فيه صورة حديثة. لسيدة في أوائل الثلاثينات. ملامحها... هي نفس ملامح الطفلة. عبدالرحمن همس: "رقية..." دموعه نزلت لأول مرة قدامي. لكن قبل ما حد يستوعب... سمعنا صوت تصفيق. كلنا لفينا. كان في راجل واقف عند باب السرداب. لابس بدلة سوداء أنيقة. وشعره كله أبيض. وبيبتسم بهدوء. وفي إيده... عصاية سوداء برأس فضي. نفس العصاية... اللي شفتها أول مرة وأنا بدور على شغل. عرفته فورًا. هو... الراجل اللي رشحني للعمل عند الحاجة فاطمة. ابتسم وقال: "أخيرًا وصلتوا." عبدالرحمن بصله بصدمة. وقال بصوت مخنوق: "عم جلال؟" الراجل ضحك ضحكة هادئة. ثم خلع النظارة من على عينيه وقال: "للأسف يا عبدالرحمن..." "عم جلال..." "كان مجرد اسم." ساد صمت ثقيل. ثم قال وهو ينظر إلينا واحدًا واحدًا: "أنا الشخص اللي أبو مريم كان بيحاول يهرب منه." "وأنا الشخص..." "اللي ربّى شريف." "والحقيقة اللي بتدوروا عليها من عشرين سنة..." "بدأت بيا." وفي اللحظة دي... أدركت أن شريف... لم يكن العقل المدبر. كان مجرد تلميذ. أما الرجل الواقف أمامنا... فهو صاحب اللعبة من بدايتها. الفصل الحادي والعشرون فضلنا واقفين... ولا حد فينا نطق. حتى رجال الشرطة كانوا رافعين سلا\حهم... لكن محدش ضغط الزناد. الراجل ابتسم بهدوء... وكأنه داخل بيته. حط العصاية قدامه. وقال: "بعد كل التعب ده... أخيرًا قابلنا بعض." عبدالرحمن كان أول واحد اتكلم. قال بصوت مليان غضب: "اسمك الحقيقي إيه؟" ابتسم الراجل. وقال: "فؤاد." "فؤاد عزام." "أما جلال..." "فكان مجرد اسم استلفته." الضابط رفع سلا\حه. وقال: "إنت مقبوض عليك." فؤاد ضحك. ضحكة هادية... لكن مستفزة. وقال: "بتهمة إيه؟" الضابط رد بسرعة: "خطف... وقت\ل... وتزوير." هز فؤاد رأسه. "هات دليل." سكت الجميع. لأن الحقيقة... رغم كل الملفات... لسه ماكانش فيه دليل مباشر عليه. فؤاد بص لعبدالرحمن. وقال: "لسه زي زمان." "مندفع." "فاكر إن الحقيقة بتكسب." عبدالرحمن قرب منه خطوة. "رقية فين؟" ابتسم. "كبرت." "وبقت ست جميلة." صرخت فيه: "هي عايشة؟!" لف يبصلي لأول مرة. وقال: "كلهم عاشوا." استغربت. "كلهم؟" أشار ناحية الملفات. "أنا ماكنتش بخطف الأطفال علشان أقت\لهم." "أنا كنت باختارهم." عبدالرحمن صرخ: "بتختارهم ليه؟!" رد بمنتهى البرود: "علشان أصنع ناس..." "ملهاش ماضي." "وتبقى مدينة ليا بكل حاجة." القشعريرة سرت في جسمي. الضابط قال بغضب: "إنت مريض." ابتسم فؤاد. "لا." "أنا واقعي." ثم بص لعبدالرحمن. "أختك دلوقتي..." "ما تعرفش إن اسمها رقية." "ولا تعرف إن ليها أخ." عبدالرحمن اندفع ناحيته. لكن رجال الشرطة مسكوه. صرخ بكل قوته: "هي فين؟!" فؤاد ابتسم. "لو قلتلك..." "هتروح تجيبها؟" "ولا هتسيب مريم وبنتها؟" ساد الصمت. ثم أكمل: "لأن اللعبة دلوقتي..." "بقت اختيار." "يا أختك..." "يا مريم." أنا بصيت لعبدالرحمن. أول مرة أشوفه محتار بالشكل ده. فؤاد مد إيده في جيبه ببطء. كل رجال الشرطة وجهوا السلا\ح عليه. لكن... طلع ظرف أبيض. ورماه على الأرض. وقال: "فيه عنوان." "هتلاقوا فيه رقية." "لو وصلتوا قبل الساعة اتناشر." ثم ابتسم ابتسامة غامضة. وأضاف: "لكن في نفس الوقت..." "في حد تاني رايح الفيلا." قلبي اتقبض. "ليان!" عبدالرحمن لف يبصلي. وأنا فهمت من نظراته إنه بيفكر في نفس الحاجة. لو رحنا ننقذ رقية... هنسيب ليان. ولو رجعنا نحمي ليان... يمكن نخسر رقية للأبد. وقبل ما حد ياخد قرار... دوّى انفجار قوي في أعلى السرداب. الأتربة بدأت تنهار من السقف. وأحد الضباط صرخ: "المخرج بيقع!" أما فؤاد... فاستغل الفوضى. واختفى داخل ممر جانبي مظلم... كأنه كان حافظ المكان خطوة بخطوة. الفصل الأخير الانفجار هز السرداب كله. التراب نزل من السقف. وأصوات الحديد كانت بتصرخ حوالينا. الضابط صاح: "اخرجوا... المكان هيقع!" لكن عبدالرحمن كان باصص للممر اللي هرب فيه فؤاد. أسنانه كانت مطبقة من الغضب. قلت وأنا بمسك إيده: "مش أهم من ليان." بصلي. وفي ثانية واحدة... خد قراره. قال للضابط: "فريق يطارد فؤاد." "وفريق يرجع معايا الفيلا." ... طول الطريق... ولا واحد فينا اتكلم. قلبي كان هيقف. كل دقيقة كنت حاسة إنها سنة. أول ما وصلنا الفيلا... الباب الخارجي كان مكسور. جريت وأنا بصرخ: "ليان!" دخلت أوضة بنتي... ملقتهاش. وقعت على الأرض. حسيت الدنيا بتلف بيا. عبدالرحمن فضل يدور في كل الأوض. وفجأة... سمعنا صوت بكاء. جاي من أوضة الحاجة فاطمة. فتح الباب بسرعة. لقينا الحاجة فاطمة قاعدة على الأرض... وحاضنة ليان. أول ما شفت بنتي... حضنتها بكل قوتي. فضلت أبوسها وأعيط. الحاجة فاطمة قالت وهي بتتنفس بصعوبة: "كانوا دخلوا..." "لكننا هربنا الأوضة دي وقفلتها." "والشرطة وصلت قبل ما يوصلوا للبنت." حضنت الحاجة فاطمة. وقلت: "ربنا نجانا." ... في نفس اللحظة... جهاز اللاسلكي بتاع الضابط اشتغل. وجاله خبر. بص لعبدالرحمن. وقال: "لقيناه." "مين؟" "فؤاد." عبدالرحمن شد نفسه. "حي؟" هز الضابط رأسه. "محاصر." ... رحنا للمكان. كان مخزن قديم على أطراف المدينة. رجال الشرطة حاصروا كل المداخل. فؤاد كان واقف فوق السطح. بيبص علينا. ولأول مرة... ابتسامته اختفت. عبدالرحمن صرخ: "خلصت." رد فؤاد بهدوء: "لا." "أنا اللي خلصت." وبعدين... رمى العصاية من إيده. ورفع إيديه. وسلم نفسه. من غير مقاومة. كلنا استغربنا. لكن الحقيقة ظهرت بعدها بدقائق. الملفات اللي لقيناها في السرداب... كانت كفاية. فيها تسجيلات. وأسماء. وحسابات. وصور. وكل الجرائم موثقة. ولأول مرة... القانون كان معاه دليل كامل. ... بعد أيام... بدأ القبض على كل أفراد الشبكة. شريف اتقبض عليه وهو بيحاول يهرب. واعترف بكل حاجة. واعترف إن فؤاد هو اللي خطط. وهو كان مجرد منفذ. أما الأطفال اللي اتخطفوا... بدأت الدولة تدور عليهم واحد واحد. وكانت أصعب لحظة... لما وصلت نتيجة البحث عن رقية. ... عبدالرحمن دخل المكتب. الضابط كان واقف. قدامه ملف. قال بهدوء: "لقيناها." عبدالرحمن وقف مكانه. "فين؟" "كانت عايشة باسم تاني." "ومتبنية من أسرة محترمة." "وما تعرفش أي حاجة عن الماضي." ... بعد أسبوع... وقف عبدالرحمن قدام بيت بسيط. الباب اتفتح. خرجت ست في أوائل الثلاثينات. أول ما شافها... دموعه نزلت. كانت نفس العينين. ونفس الابتسامة. قال بصوت مرتعش: "رقية." هي استغربت. "حضرتك مين؟" طلع الصورة القديمة. الصورة اللي فيها طفل صغير ماسك إيد أخته. فضلت تبص للصورة. وبعدين بصتله. دموعها بدأت تنزل هي كمان. قالت بهمس: "أنا..." "كنت بشوف الصورة دي في أحلامي." عبدالرحمن حضنها. ولأول مرة بعد عشرين سنة... رجعت أخته. ... بعد ست شهور. كانت الشمس داخلة من شباك الفيلا. ليان بتجري في الجنينة. ورقية قاعدة مع الحاجة فاطمة بتضحك. أما أنا... فكنت واقفة في المطبخ. عبدالرحمن دخل. وقف جنبي. وقال بابتسامة: "خلاص... انتهى كل شيء." ابتسمت. وقلت: "لا." "ابتدى." استغرب. لفيت ناحيته. وحطيت إيده على بطني. همس: "مريم..." ابتسمت ودموعي نازلة. وقلت: "الدكتور أكد النهارده." فضل يبصلي ثواني. وبعدين حضني. وهو بيضحك لأول مرة من قلبه. ... بعد سنة كاملة... كان البيت مليان ناس. ليان بتجري وهي شايلة أختها الصغيرة. ورقية بقت جزء من العيلة. الحاجة فاطمة رجع الضحك لوشها. وفؤاد وشريف... صدر ضدهم حكم بالسجن المؤبد بعد محاكمة طويلة، وانتهت الشبكة بالكامل. أما أنا... فوقفت في جنينة البيت، وبصيت لعبدالرحمن. افتكرت أول يوم دخلت فيه الفيلا... وأنا مجرد أم مطلقة، خايفة على بنتها، بتدور على شغل. ماكنتش أعرف... إن الباب اللي دخلته يومها... هيكون بداية حياة جديدة. عبدالرحمن قرب مني. مسك إيدي. وقال: "أوعي تنسي..." "أحيانًا ربنا بيقفل باب... علشان يفتح باب أكبر بكتير." ابتسمت. وبصيت لليان وهي بتضحك. وقلت من قلبي: "الحمد لله." تمت بحمد الله.