شقيقتي حكـايـات أسمـا ×3

الفصل الرابع

مريم ظلت ممسكة بالهاتف لثوانٍ طويلة.

تظن أنها سمعت خطأ.

“حضرتك متأكدة من الاسم؟”

ردت الموظفة:

“أيوة يا فندم. التحويل تم النهارده الصبح.”

“والمبلغ؟”

لما سمعته…

جلست على أقرب كرسي.

لأن الرقم كان أكبر من أي مبلغ امتلكته في حياتها.

أغلقت المكالمة.

وظلت تنظر للشاشة.

كريم لاحظ تغير لون وجهها.

اقترب وسأل:

“في حاجة؟”

هزت رأسها ببطء.

“مش فاهمة.”

وحكت له ما حدث.

فقطع كلامها بسؤال واحد:

“هو شخص زي أحمد ممكن يعمل كده من غير سبب؟”

سكتت.

لأن الإجابة كانت واضحة.

لا.

بعد أقل من ساعة…

وصل السبب بنفسه.

لكن ليس أحمد.

بل رجلان ببدلتين رسميتين.

سألا عنها بالاسم.

ثم أبرز أحدهما بطاقة تعريف.

وقال:

“إحنا من النيابة.”

شعرت مريم ببرودة تسري في أطرافها.

داخل مكتب صغير في الجيم…

بدأت الأسئلة.

عن أحمد.

وعن حساباته.

وعن شركاته.

وعن أشخاص كانت تسمع أسماءهم لأول مرة.

ثم قال أحد المحققين:

“الأستاذ أحمد متهم في قضية احتيال مالي كبيرة.”

رفعت رأسها بصدمة.

“إيه؟”

“وفي شبهات غسل أموال وتزوير.”

شعرت أن الدنيا تدور حولها.

وفجأة تذكرت الأوراق التي أحضرتها نور.

والديون.

والتوقيعات المزورة.

وكل شيء بدأ يركب فوق بعضه.

قبل أن يغادر المحققون…

قال أحدهم:

“لو حاول يتواصل معاكي… بلغينا.”

ثم ترك بطاقة على المكتب.

ورحل.

في المساء…

جلست مريم وحدها في شقتها.

أول مرة ترجع إليها منذ أيام.

كانت ساكتة بشكل مخيف.

كأنها فقدت القدرة على إصدار الأصوات.

ثم فجأة…

رن جرس الباب.

تجمدت.

الساعة كانت تقترب من منتصف الليل.

من يزور أحدًا في هذا الوقت؟

اقتربت بحذر.

ونظرت من العين السحرية.

ثم شهقت.

أحمد.

كان واقفًا وحده.

مبللًا من المطر.

وعيناه حمراوان.

شكل رجل هارب.

ورجل خائف.

لم تفتح.

لكنها قالت من خلف الباب:

“امشي.”

جاءها صوته متعبًا:

“دقيقتين بس.”

“لا.”

“مريم… أرجوكي.”

لأول مرة في حياتها تسمعه يتوسل.

سكتت للحظة.

ثم فتحت الباب مسافة صغيرة.

ليس حبًا فيه.

بل فضولًا.

دخل.

وجلس.

وبدا أصغر بعشر سنوات.

وأضعف بعشرين.

قال:

“أنا عملت حاجات غلط.”

ردت ببرود:

“عارفة.”

“وأستاهل كل اللي حصلي.”

“عارفة.”

رفع رأسه.

وفي عينيه دموع حقيقية هذه المرة.

“بس في حاجة لازم تعرفيها.”

صمت.

ثم قال الجملة التي قلبت كل شيء:

“أنا ما خنتكيش مع نور.”

تجمدت مريم.

“إيه؟”

تنفس بصعوبة.

“أنا كذبت.”

“ليه؟”

أغلق عينيه.

وقال:

“لأني كنت غرقان في مصيبة.”

وبدأ يحكي.

عن ديون.

وعن شركاء خطيرين.

وعن تهديدات.

وعن أموال اختفت.

وعن أشخاص كانوا يضغطون عليه.

ثم قال:

“كنت فاكر لو خليتك تكرهيني… هتبعدي عني.”

ضحكت مريم بمرارة.

“فروحت قلتلي إنك بتحب أختي؟”

هز رأسه.

“أيوة.”

“والصور؟”

“متفبركة.”

“والقلب الأحمر؟”

“كنت متفق معاها.”

مريم لم تعرف ماذا تصدق.

لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا.

أحمد يبدو خائفًا بحق.

ثم أخرج ظرفًا صغيرًا من جيبه.

ووضعه أمامها.

وقال:

“لو حصلي حاجة… افتحيه.”

وفي اللحظة نفسها…

دوى صوت فرامل حادة خارج العمارة.

تبعها صوت أبواب سيارات تُفتح.

ثم خطوات سريعة على السلم.

اتسعت عينا أحمد.

وقف فجأة.

وشحب وجهه.

وهمس:

“لقوني.”

ثم نظر إلى مريم.

ولأول مرة منذ زمن طويل…

بدت عليه ملامح الرعب الحقيقي.

وقال:

“مريم… لو سألوا عليا…”

لكن قبل أن يكمل…

اهتز الباب بعنف.

دق! دق! دق!

وجاء صوت رجل من الخارج:

“افتح الباب فورًا!”

لكن الغريب…

أن الصوت لم يكن صوت شرطة.

ولا نيابة.

ولا أي جهة رسمية.

كان صوت شخص يعرف أحمد جيدًا…

وجاء ليأخذه.

يتبع… 🔥

الفصل الخامس

دق! دق! دق!

الطرقات على الباب زادت قوة.

حتى إن إطار الباب نفسه اهتز.

مريم وقفت مكانها.

وقلبها يدق بعنف.

أما أحمد…

فكان شاحبًا بشكل لم تره عليه من قبل.

همس:

“ما تفتحيش.”

لكن الرجل في الخارج صرخ:

“عارفين إنك جوه يا أحمد!”

ثوانٍ مرت.

ثم جاء صوت ارتطام قوي.

كأن أحدهم يحاول كسر الباب.

التفت أحمد حوله بسرعة.

وكأنه يبحث عن مخرج.

لكن الشقة في الدور السادس.

ولا توجد وسيلة للهرب.

مريم نظرت إليه.

ولأول مرة منذ شهور…

لم تر الخائن.

ولا الزوج السابق.

رأت إنسانًا مذعورًا.

وفجأة…

مد يده وأعطاها الظرف.

وقال:

“خبّيه.”

“فيه إيه؟”

“لو عرفوا إنه معاكي… هتدخلي في مصيبة.”

قبل أن تسأله أكثر…

انكسر قفل الباب.

ودخل ثلاثة رجال.

لم يكونوا بلطجية.

ولا مجرمين بالشكل الذي تتخيله الأفلام.

كانوا يرتدون بدلات أنيقة.

لكن عيونهم كانت باردة بشكل مخيف.

أكبرهم سنًا نظر إلى أحمد.

ثم ابتسم.

“تعبتنا أوي.”

أحمد تراجع خطوة.

“أنا دفعت اللي عليا.”

الرجل هز رأسه.

“جزء صغير.”

مريم تدخلت:

“مين حضرتكم؟”

التفت إليها الرجل.

وبدا وكأنه نسي وجودها أصلًا.

ثم قال:

“مالكيش دعوة بالموضوع.”

لكن قبل أن يقتربوا من أحمد…

دوى صوت جديد من الخارج.

صوت سيارات.

كثيرة.

ثم أصوات رجال.

ثم صراخ.

تبادل القادمون النظرات.

وبدأ القلق يظهر عليهم.

أحدهم فتح النافذة ونظر للخارج.

ثم شتم بصوت منخفض.

“لا…”

الرجل الأكبر سأله:

“في إيه؟”

رد:

“شرطة.”

في لحظة واحدة…

تحول المشهد كله إلى فوضى.

استغل أحمد اللحظة.

وأمسك ذراع مريم.

وقال بسرعة:

“اسمعيني كويس.”

“أنا غلطت في حقك.”

“كتير.”

“وأستاهل إنك تكرهيني.”

كانت عيناه ثابتتين عليها.

بشكل غريب.

وكأنه يعرف أن هذه آخر مرة يراها.

ثم قال:

“بس الحاجة الوحيدة اللي ما كذبتش فيها أبدًا…”

وسكت.

“إني كنت بحبك.”

شعرت مريم أن الكلمات تضربها كحجر.

ليس لأنها سامحته.

ولا لأنها صدقته.

بل لأن الوقت تأخر جدًا.

ثم فجأة…

دفعها برفق نحو الممر.

وقال:

“اجري.”

وفي اللحظة نفسها…

فتح باب الشقة بعنف.

ودخلت الشرطة.

واختلطت الأوامر بالصراخ.

وبينما الجميع منشغل…

اختفى الرجل الذي كان يقود المجموعة.

وكأنه تبخر.

أما أحمد…

فتم القبض عليه.

آخر شيء رأته قبل أن يأخذوه…

أنه كان ينظر إليها.

لا إلى الشرطة.

ولا إلى القيود.

إليها هي فقط.

وفي تلك الليلة…

جلست مريم وحدها.

وأمامها الظرف.

ترددت طويلًا.

ثم فتحته.

وفي الداخل…

لم يكن هناك مال.

ولا مستندات شركات.

ولا اعترافات.

كان هناك مفتاح صغير.

ومعه ورقة.

مكتوب عليها بخط أحمد:

“لو بتقري الرسالة دي… يبقى أنا غالبًا خسرت كل حاجة.”

“المفتاح ده لخزنة رقم 317.”

“فيها الحقيقة اللي ما عرفتش أقولها.”

“والسبب الحقيقي اللي خلاني أقرب من نور.”

شعرت مريم بأنفاسها تتسارع.

ثم قرأت آخر سطر.

فتجمد الدم في عروقها.

لأن أحمد كتب:

“نور كانت الهدف… مش الحبيبة.”

سقطت الورقة من يدها.

في نفس اللحظة…

رن هاتفها.

رقم مجهول.

ردت بتوتر.

وجاءها صوت امرأة.

صوت تعرفه جيدًا.

نور.

لكنها لم تكن تبكي.

ولم تكن خائفة.

بل قالت جملة واحدة فقط:

“مريم… متروحيش للخزنة.”

سكتت ثانية.

ثم همست:

“لأنهم قتلوا أول واحد حاول يفتحها.”

يتبع… 🔥

نفسها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *