شهر عسل فاخر حكـايـات أسمـا ×2

بعد ست عشرة ساعة طيران وثلاث محطات انتظار، كانت سارة واقفة قدام نافذة زجاجية ضخمة في مطار سيدني، شايفة مدينة كاملة ما تعرفش عنها غير صور شافتها زمان على الإنترنت.

 

الهواء كان مختلف.

 

الوجوه مختلفة.

 

حتى صوت اللغة حواليها كان مختلف.

 

لكن لأول مرة من شهور طويلة كانت قادرة تتنفس من غير ما تحس إن فيه حمل فوق صدرها.

 

ركبت تاكسي واتجهت للشقة المؤقتة اللي الشركة وفرتها ليها أول شهر.

 

كانت شقة صغيرة مقارنة بالشقة الفخمة اللي سابتها في التجمع الخامس.

 

لكن وهي بتحط شنطتها على الأرض وتحرك الستاير ناحية البحر، حسّت براحة عمرها ما حسّت بيها هناك.

 

مافيش حد هيطلب منها تغير نفسها.

 

مافيش حد هيقولها تسيب حلمها.

 

مافيش حد هيخليها تحس إنها عبء.

 

في نفس الوقت تقريبًا، كان زين نازل من الطائرة في المالديف.

 

ياسمين كانت بتصور كل حاجة بالموبايل وهي بتضحك.

 

الموظفين استقبلوهم بالورود والعصائر الباردة.

 

وكل حاجة كانت ماشية زي ما خططوا.

 

لحد ما وصل للاستقبال.

 

الموظفة ابتسمت وهي بتراجع الحجز.

 

وفجأة ابتسامتها اختفت.

 

بدأت تضغط على لوحة المفاتيح بسرعة.

 

وبعدين رفعت رأسها وقالت بأدب:

 

“عفوًا يا فندم… فيه مشكلة بسيطة في وسيلة الدفع.”

 

زين عقد حاجبيه.

 

“مشكلة إيه؟”

 

“البطاقة مرفوضة.”

 

طلع بطاقة تانية.

 

ثم تالتة.

 

ثم رابعة.

 

كلهم اترفضوا.

 

في البداية افتكر إن المشكلة من البنك.

 

لكن بعد عشر دقائق كاملة على الهاتف مع خدمة العملاء، سمع الجملة اللي خلت الدم يبرد في عروقه.

 

“تم إيقاف جميع البطاقات بناءً على طلب صاحب الحساب المشترك.”

 

سكت ثواني.

 

“إزاي؟”

 

الموظف رد بهدوء:

 

“مدام سارة استخدمت حقها القانوني في تجميد الحسابات المشتركة لحين مراجعة التوكيلات والالتزامات المالية.”

 

لأول مرة حس زين بقلق حقيقي.

 

اتصل بسارة.

 

الهاتف مغلق.

 

بعت رسالة.

 

ماوصلتش.

 

بعت عشر رسائل.

 

مفيش رد.

 

بدأ الغضب ياكل أعصابه.

 

أما ياسمين فكانت واقفة جنبه وشها متجمد.

 

هي كمان بدأت تستوعب إن الوضع مش طبيعي.

 

رجع زين يفتح تطبيق البنك.

 

وفجأة اكتشف حاجة تانية.

 

الحساب الشخصي بتاعه موجود.

 

لكن المبلغ اللي فيه أقل بكتير مما كان متخيل.

 

لأنه طول عمره كان معتمد على الحسابات المشتركة والاستثمارات اللي كانت سارة شريكة أساسية فيها.

 

الحقيقة اللي عمره ما اهتم يعرفها كانت بسيطة جدًا.

 

سارة ما كانتش مجرد زوجة.

 

سارة كانت جزء ضخم من الإمبراطورية اللي متخيل إنها بتاعته لوحده.

 

في الليلة دي قعد على سرير الفندق وهو بيحاول يتصل بيها للمرة الأربعين.

 

مفيش رد.

 

أما سارة فكانت قاعدة في شرفتها الجديدة في سيدني.

 

لابسة بيجامة قطنية بسيطة.

 

وكوب قهوة دافي بين إيديها.

 

قدامها البحر.

 

وخلفها مدينة كاملة مستنياها تبدأ من جديد.

 

رن موبايلها.

 

كان رقم زين.

 

بصت للشاشة ثواني.

 

ولأول مرة من يوم ما عرفته…

 

ماحستش بأي حاجة.

 

لا غضب.

 

لا وجع.

 

لا شوق.

 

ولا حتى رغبة في المواجهة.

 

مجرد شخص من الماضي بيتصل.

 

سابت الهاتف يرن لحد ما سكت.

 

وبعدين حطته مقلوب على الترابيزة.

 

ورجعت تبص للموج.

 

في اللحظة دي بالذات كانت بتفهم إن أصعب شيء في الخيانة مش إن حد يسيبك.

 

أصعب شيء إنك تكتشف إنك سبت نفسك سنين طويلة علشان شخص ما يستاهلش.

 

لكن الأصعب من ده كله…

 

إن الشخص ده لسه ما اكتشفش حجم اللي خسره.

 

وماكانش يعرف إن المفاجأة الحقيقية لسه مستنياه أول ما يرجع القاهرة.بعد أربعة أيام كاملة في المالديف، رجع زين القاهرة قبل موعده بأسبوع.

 

الرحلة كلها كانت كارثة.

 

لا هو استمتع.

 

ولا ياسمين استمتعت.

 

من أول مشكلة البطاقات البنكية لحد المكالمات اللي ماكانتش بترد عليها سارة، كل حاجة كانت بتنهار بالتدريج.

 

وفي كل مرة كان يحاول يقنع نفسه إن الموضوع بسيط.

 

أكيد زعلانة.

 

أكيد عند أهلها.

 

أكيد أول ما يشوفها هيتكلموا وتنتهي الأزمة.

 

كان بيقول لنفسه الكلام ده وهو نازل من العربية قدام البرج السكني.

 

لكن أول حاجة لفتت نظره كانت إن أنوار الشقة كلها مطفية.

 

طلع بالمصعد بسرعة.

 

وصل للدور.

 

حط المفتاح في الباب.

 

ودار المفتاح بسهولة.

 

دخل.

 

وساعتها فقط حس بحاجة غريبة.

 

المكان فاضي.

 

مش فاضي بمعنى مافيش حد.

 

فاضي بمعنى إن روح البيت نفسها اختفت.

 

وقف في الصالة وبص حواليه.

 

الكنبة موجودة.

 

السفرة موجودة.

 

كل حاجة تقريبًا في مكانها.

 

لكن التفاصيل الصغيرة اختفت.

 

الكتب اختفت.

 

اللوحات اللي كانت بتحبها اختفت.

 

الزرع اللي كانت بتعتني بيه اختفى.

 

الشموع المعطرة اللي كان بيشتكي منها اختفت.

 

حتى البطانية الرمادية اللي كانت بتحب تتغطى بيها وهي بتتفرج على الأفلام اختفت.

 

كأن حد شال وجوده من البيت بعناية شديدة.

 

مشى ببطء ناحية السفرة.

 

وهناك شاف الظرف الأبيض.

 

نفس الظرف اللي كانت سايباه.

 

فتحه بسرعة.

 

كان متوقع يلاقي رسالة طويلة مليانة لوم وعتاب.

 

لكن الورقة ماكانش فيها غير سطرين.

 

“لأول مرة من 11 شهر هختار نفسي.

 

متدورش عليا.”

 

فضل واقف مكانه دقيقة كاملة.

 

ثم ضحك.

 

ضحكة قصيرة ساخرة.

 

وقال لنفسه:

 

هترجع.

 

أكيد هترجع.

 

راح أوضة النوم.

 

فتح الدولاب.

 

وهناك الضحكة اختفت.

 

نص الدولاب فاضي.

 

كل هدومها اختفت.

 

كل أحذيتها اختفت.

 

كل مستنداتها اختفت.

 

كل حاجة تخصها اختفت.

 

ولأول مرة بدأ يستوعب إن اللي حصل مش خناقة.

 

ولا زعل مؤقت.

 

سارة مشيت فعلًا.

 

طلع موبايله واتصل بحماته.

 

ردت عليه أم سارة بعد رنة واحدة.

 

سأل مباشرة:

 

“سارة عندكم؟”

 

جاوبه صوتها الهادئ:

 

“لا.”

 

“يعني إيه لا؟”

 

“يعني لا.”

 

“هي فين؟”

 

سكتت ثواني وقالت:

 

“زي ما إنت عرفت تسافر من غيرها… هي كمان عرفت تسافر من غيرك.”

 

وقف متجمد مكانه.

 

“سافرت؟”

 

“آه.”

 

“فين؟”

 

“مش من حقك تعرف.”

 

وقف ساكت.

 

لأول مرة ماعندوش رد.

 

قفلت الخط.

 

وسابته واقف لوحده في الشقة.

 

في الأيام اللي بعدها بدأ يحاول يعرف مكانها.

 

كلم أصحابها.

 

قرايبها.

 

زميلاتها القدامى.

 

حتى الناس اللي ماكانتش بتكلمهم بقالها سنين.

 

ولا حد كان عنده معلومة.

 

أو على الأقل محدش كان مستعد يقوله.

 

لكن المشكلة الحقيقية ما ظهرتش غير بعد أسبوع.

 

لما دخل شركته.

 

كان داخل بعصبية وتوتر.

 

ناوي يغرق نفسه في الشغل وينسى كل حاجة.

 

لكن أول ما دخل مكتبه لقى مدير الشؤون القانونية مستنيه.

 

وشه كان متوتر بشكل غريب.

 

قال:

 

“في مشكلة يا فندم.”

 

زين قعد على الكرسي.

 

“مشكلة إيه؟”

 

الرجل حط ملف سميك فوق المكتب.

 

“الأستاذة سارة قدمت استقالتها من مجلس الإدارة.”

 

زين رفع رأسه باستغراب.

 

“وبعدين؟”

 

الرجل بلع ريقه.

 

“وباعت أسهمها.”

 

ثواني مرت.

 

من غير ما يفهم.

 

“باعت إيه؟”

 

“أسهمها يا فندم.”

 

زين حس إن قلبه وقف لحظة.

 

لأن سارة كانت تمتلك نسبة كبيرة من الشركة.

 

نسبة ورثتها عن والدها.

 

نسبة عمره ما اهتم يعرف حجمها الحقيقي لأنه كان مقتنع إنها زوجته.

 

وإن كل شيء في النهاية هيبقى تحت إيده.

 

لكن سارة كانت أذكى من إنه يفكر بالطريقة دي.

 

وخلال أسبوع واحد فقط.

 

كانت باعت حصتها بالكامل لمجموعة استثمارية ضخمة.

 

المجموعة دي بقت شريك رئيسي في الشركة.

 

وبقت تملك حق الاطلاع والتدخل والتصويت.

 

زين فتح الملف بسرعة.

 

عيناه كانت بتتحرك بين الصفحات بجنون.

 

ثم توقف عند آخر ورقة.

 

ورقة صغيرة مرفقة بخطاب البيع.

 

وفي أسفلها جملة واحدة مكتوبة بخط سارة.

 

“المرة دي أنا اللي اخترت أمشي الأول.”

 

في اللحظة دي بالذات…

 

بدأ زين يفهم إن الرحلة اللي سافرها مع ياسمين كلفته أكتر بكتير من جوازه.

 

لكن لسه ماكانش يعرف إن الصدمة الأكبر كانت مستنياه بعد أيام قليلة جدًا…

 

لما يكتشف الحقيقة اللي سارة أخفتها عنه طول الشهور الماضية.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *