ياسمين حكايات اسما ×4 والاخير
الفصل الأخير
صوت الزجاج وهو بيتكسر كان أعلى من الطلقة نفسها.
صرخت وأنا حسيت بإيد سليم بتخطفني من وسطي وبتشدني لتحت قبل ما أفهم إيه اللي حصل. وقعنا على أرض البلكونة، وقطع الزجاج نزلت حوالينا زي المطر، تلمع تحت ضوء القمر كأنها سنان صغيرة.
سليم غطاني بجسمه.
كان صدره فوقي، ونَفَسه سريع، وإيده حوالين رأسي.
ــ ياسمين! إنتِ اتصبتي؟
حاولت أرد، بس صوتي كان محبوس.
هزّني بخفة: ــ ردي عليا!
همست وأنا بترعش: ــ لا… لا أنا كويسة.
رفع وشه بسرعة وبص حوالينا، وعينيه اتحولت في ثانية من خوف عليا لغضب أسود.
بره، في الحديقة الخلفية، كان فيه حركة سريعة بين الشجر. الحرس بدأوا يجروا، وأصواتهم بتتعالى في اللاسلكي.
سليم قام وشدني معاه لجوه الجناح، وقفل باب البلكونة المكسور بجسمه كأنه يقدر يمنع العالم كله بإيده.
دخل مدير الأمن وهو بيصرخ: ــ باشا، الطلقة جات من ناحية الصخور! بنطاردهم!
سليم قال بصوت منخفض مرعب: ــ عايزهم أحياء.
بصيت له بخوف: ــ سليم…
لف ناحيتي، ووشه اتغير فورًا. قرب مني، مسك إيدي، ولاحظ نقطة دم صغيرة على معصمي من شظية زجاج.
ملامحه اتكسرت.
ــ إنتِ بتنـزفي.
ــ دي حاجة بسيطة.
قال بعصبية مكتومة: ــ مفيش حاجة فيكي بسيطة.
الجملة دي، وسط الرعب كله، خلت قلبي يوجعني من حنيته.
لكن قبل ما نقدر نلتقط نفسنا، صرخة نهى طلعت من الممر:
ــ آدم! آدم فين؟
سليم اتجمد.
خرجنا بسرعة. نهى كانت واقفة حافية، شعرها مبعثر، وبتبص حوالينها بهستيريا.
ــ كان نايم جنبي! قمت على صوت الطلقة… ملقتوش!
العالم وقف للمرة التانية.
آدم اختفى.
لكن المرة دي… مش لعبة تخويف.
المرة دي كانت طلقة، وزجاج مكسور، وحد دخل القصر في عز الحراسة.
سليم مسك كتف نهى وقال: ــ بصيلي. آخر مرة شفتيه إمتى؟
ــ قبل الطلقة بدقيقة! كان نايم! والله كان نايم!
ثم انهارت: ــ هما أخدوه… هما أخدوه خلاص!
سليم لف لمدير الأمن: ــ اقفل القصر كله. محدش يخرج. فتشوا كل أوضة، كل ممر، كل مخزن. والبوابات؟ تتقفل بسلاسل لو لازم.
ثم نظر لي: ــ ياسمين، ادخلي أوضة آمنة.
قلت بسرعة: ــ لا.
ــ ياسمين…
ــ لا يا سليم. الطفل ده مرعوب وممكن يكون مستخبي. وأنا هساعد.
كان عايز يعترض، لكنني كملت: ــ أنت بتدور عليه كهدف أمني… أنا هدور عليه كطفل.
الكلمة سكّتته.
نهى بصتلي وسط دموعها كأنها بتتعلق بأي أمل.
بدأنا نفتش.
الممرات الطويلة في القصر كانت مرعبة بالليل. كل لوحة على الحائط كأنها بتراقبنا، وكل باب مقفول كأنه مخبي مصيبة. الحرس كانوا بيفتحوا الأبواب بعنف، وأنا كنت بنادي بصوت هادي:
ــ آدم… يا حبيبي… أنا ياسمين. مافيش حاجة تخوفك. اطلع بس وأنا أوعدك محدش هيزعلك.
فضلت أكرر الكلام ده لحد ما صوتي اتبح.
وفي آخر ممر قريب من المطبخ القديم، سمعت حاجة.
مش صوت بكاء.
صوت نفس مكتوم.
رفعت إيدي للحرس عشان يسكتوا.
قربت من دولاب تخزين قديم، وفتحت الباب ببطء.
كان آدم جوه.
قاعد مكور على نفسه، حاطط إيده على ودانه، ووشه مليان دموع.
ــ آدم…
بصلي بعينين مرعوبتين.
همس: ــ الراجل قاللي أسكت… قاللي لو اتكلمت ماما هتموت.
قلبي اتقطع.
مديت إيدي له بهدوء: ــ الراجل مش هنا دلوقتي. وأنا هنا. ومامتك مستنياك.
خرج من الدولاب فجأة وارتمى في حضني كأنه يعرفني من سنين.
ضمّيته بقوة.
وفي اللحظة دي، سليم وصل.
وقف عند الباب، ولما شاف آدم في حضني، عينيه اترطبت لأول مرة قدام الناس.
نهى جرت وخدت ابنها وهي بتبكي وتبوس وشه وإيديه.
سليم قرب من آدم وركع قدامه.
قال بهدوء: ــ مين الراجل يا آدم؟
الطفل ارتعش.
نهى قالت: ــ بلاش تضغط عليه.
لكن آدم بص لسليم، ثم همس: ــ الراجل الكبير… اللي معاه عصاية.
الأب.
أبو سليم.
الهواء اتسحب من المكان.
سليم وقف ببطء، وملامحه بقت جامدة جدًا.
قال لمدير الأمن: ــ هاتلي تسجيلات كل كاميرا اشتغلت قبل فصل الكهرباء. وكل مدخل. وكل عامل دخل القصر آخر ٢٤ ساعة.
ثم لف ومشى.
مسكت إيده قبل ما يبعد.
ــ سليم… ما تعملش حاجة تندم عليها.
بصلي طويلًا.
قال بصوت موجوع: ــ أنا ندمان أصلًا إني سكت سنين.
بعد ساعات، الحقيقة بدأت تظهر.
اللي أطلق النار ماكانش قاصد يقت*لني أنا وسليم. الطلقة كانت للتخويف. لصرف انتباه الحرس. وفي نفس اللحظة، واحد من رجال الأب دخل جناح نهى، حاول ياخد آدم، لكن الطفل هرب واستخبى.
كان الهدف واضح.
يخطفوا آدم، ويجبروا نهى تمضي تنازل عن نسبه وميراثه، ويطلعوا قدام الناس إن الطفل مجرد كذبة.
لكن سليم ما استناش الصبح.
في الفجر، جمع محامين الشركة، ومدير الأمن، ورئيس مكتبه، ونهى، وأنا.
كانت القاعة الكبيرة في القصر مضاءة بالكامل، ومع ذلك كنت حاسة إننا قاعدين في محكمة.
سليم وقف على رأس الترابيزة وقال: ــ من اللحظة دي، آدم تحت حمايتي القانونية الكاملة.
نهى رفعت رأسها بفزع: ــ يعني إيه؟
ــ يعني هرفع ق*ضية إثبات نسب باسم أخويا سامح. وهطلب حماية رسمية ليكي وله. وكل أوراق المصاريف والتحويلات اللي دفعتها من يوم ولادته هتتقدم للمحكمة.
نهى غطت فمها بإيدها وبكت.
ــ كنت فاكرة إنك هتتبرأ مننا.
سليم هز رأسه: ــ أنا اتأخرت… وده ذنبي. بس مش هسيبكم تاني.
ثم التفت لي.
كان في عينيه سؤال صامت.
هل هتفضلي؟
اقتربت منه أمام الجميع، ووقفت بجانبه.
ــ وأنا معاه.
كلمتين فقط.
لكنهم كانوا إعلان.
مش لنهى. ولا للمحامين. ولا حتى لسليم.
كان إعلان لنفسي.
أنا مش العروسة الصغيرة المرعوبة اللي هتتهز مع أول عاصفة.
أنا زوجته. وشريكة حربه. والبيت اللي كان بيحلم بيه مش هيتبني بالخوف.
في نفس اليوم، انفجرت الأخبار.
الصحافة اللي كانت بتنهشنا اتقلبت فجأة على عائلة الحديدي. تسجيلات الكاميرات، واعتراف أحد رجال الأب بعد القبض عليه، ووثائق التحويلات القديمة… كلها خرجت للنور.
العناوين اتغيرت:
“سليم الحديدي يحمي ابن شقيقه من صراع ميراث.”
“محاولة خطف طفل داخل قصر عائلة الحديدي.”
“زوجة الملياردير الشابة تقف بجانبه في أول ظهور بعد الأزمة.”
شفت صورتي وأنا واقفة جنب سليم عند بوابة المحكمة، لابسة بدلة بيضا بسيطة، وشعري مربوط، وعيني مرهقة لكنها ثابتة.
الناس اللي قالت عليا طماعة… بدأت تقول شجاعة.
والناس اللي قالت صغيرة… بدأت تقول قوية.
لكنني كنت أعرف الحقيقة.
أنا ماكنتش شجاعة طول الوقت.
أنا كنت بخاف جدًا.
بس الشجاعة مش إنك ماتخافيش.
الشجاعة إنك تفضلي واقفة وإنتِ بترتعشي.
بعد أسبوع، المحكمة أصدرت قرارًا مؤقتًا بحماية آدم ونهى، ومنع والد سليم من الاقتراب منهم. وبعدها بدأت إجراءات إثبات النسب.
أبو سليم حاول يضغط. هدد. بعت رسائل. استخدم إعلاميين. حرّك ناس في الخفاء.
لكن المرة دي، سليم ماكانش لوحده.
وأنا كمان ماكنتش لوحدي.
أمي جت من طنطا أول ما سمعت الأخبار.
دخلت القصر وهي شايلة شنطة قماش قديمة، ووشها مليان خوف وغضب.
أول ما شافتني، حضنتني بقوة وقالت: ــ أنا قلتلك قلبي كان خايف.
بكيت في حضنها زي طفلة.
همست: ــ كنتي صح تخافي… بس هو مش وحش يا ماما.
أمي بصت على سليم اللي كان واقف بعيد باحترام.
ثم قالت بحدة أم مصرية أصيلة: ــ أنا هعرف بنفسي.
ومن يومها، بقت تراقبه.
لو أكلت؟ تبصله. لو تعبت؟ تلومه. لو سكت؟ تسأله مالها.
وسليم الحديدي، الرجل اللي رجال الأعمال بيعملوا له ألف حساب، بقى يقف قدام أمي كطالب صغير.
مرة قالتله: ــ يا بني، المليارات مش هتنفعك لو بنتي نامت زعلانة.
فرد بهدوء: ــ عندك حق يا طنط.
وأنا انفجرت ضحك لأول مرة من أيام.
في اللحظة دي، حسيت إن الحياة بترجع واحدة واحدة.
نهى وآدم فضلوا في جناح مستقل داخل القصر مؤقتًا. في البداية كنت متوترة من وجودها. مش غيرة، لا… لكن لأن وجودها كان مرتبطًا بأول كسر في قلبي بعد الجواز.
لكن مع الوقت، فهمت إنها مش عدوتي.
هي أم خافت على ابنها.
وفي ليلة هادية، لقيتها قاعدة في الحديقة لوحدها.
قربت منها وقدمت لها كوب شاي.
قالت بخجل: ــ أنا آسفة على اللي عملته يومها.
جلست جنبها: ــ كنتي خايفة.
ــ كنت عايزة أوجعه زي ما كنت موجوعة.
بصتلي ودموعها في عينيها: ــ بس هو عمره ما أذاني. بالعكس… كان الوحيد اللي ساعدني. أنا بس لما عرفت إنه اتجوز… حسيت إنه هيبدأ حياة جديدة وينسينا.
قلت بهدوء: ــ سليم مش بينسى اللي مسؤول عنه.
ابتسمت بحزن: ــ واضح.
سكتنا شوية.
ثم قالت: ــ أنتِ بتحبيه بجد؟
بصيت ناحية البلكونة البعيدة، حيث كان سليم واقف يتكلم في التليفون، لكنه كل دقيقة يلتفت يطمن عليا بعينيه.
ابتسمت: ــ أيوه.
نهى هزت رأسها: ــ يبقى خدي بالك منه. هو باين قوي… بس جواه تعبان أكتر مننا كلنا.
كلامها فضل جوه قلبي.
في تلك الليلة، لما رجعت الجناح، لقيت سليم واقف عند الشباك.
كان ساكت.
قربت منه من غير كلام، وحطيت إيدي على كتفه.
قال بصوت منخفض: ــ أنا تعبت يا ياسمين.
دي أول مرة يقولها.
مش “أنا بخير”. مش “هتصرف”. مش “ما تقلقيش”.
قال الحقيقة.
أنا تعبت.
لفيت ناحيته، وحطيت إيدي على وشه: ــ اسند عليا.
ابتسم بحزن: ــ إنتِ صغيرة على الحمل ده.
قلت بحزم: ــ وأنا كبرت في أسبوع أكتر مما كبرت في عشرين سنة.
شدني لحضنه، وحضني بقوة كأنه أخيرًا سمح لنفسه يقع.
ولأول مرة، سليم الحديدي بكى.
بكى بهدوء. بلا صوت تقريبًا. لكن كتفي حس بوجعه كله.
وجعي أنا وقتها ماكانش من الخوف.
كان من إدراكي إن الراجل اللي العالم كله شايفه جبل… كان طول عمره محتاج حد يقوله: تقدر ترتاح.
مرت الشهور.
ق*ضية آدم خلصت لصالحه. ثبت نسبه لسامح الحديدي، وأصبح له حقه القانوني كاملًا. نهى اختارت تنتقل لشقة آمنة قريبة من مدرسة آدم، لكن سليم رفض يسيبهم ماديا أو قانونيا.
آدم بقى يزورنا كل جمعة.
كان في الأول بيخاف من القصر. لكن بعدين بقى يجري في الحديقة، ويطلب مني أعمل له بان كيك، وينادي سليم “عمو سليم” بصوت مليان ثقة.
أما والد سليم… فقد خسر أكتر مما كان يتخيل.
مش بس نفوذ. ولا أسهم. ولا معركة قضائية.
خسر ابنه.
سليم قطع علاقته به نهائيًا.
ويومها سألته: ــ وجعك؟
قال وهو ينظر للبحر: ــ آه… بس في ناس بتخسريهم علشان تكسبي نفسك.
بعد سنة من زواجنا، رجعنا لنفس القصر في الساحل.
نفس الجناح. نفس البحر. نفس الشموع.
لكن أنا ماكنتش نفس ياسمين.
دخلت البلكونة وأنا لابسة فستان أزرق بسيط، وسليم كان واقف مستنيني.
قال بابتسامة: ــ فاكرة الليلة دي؟
ضحكت: ــ الليلة اللي خلتني أعيط من أول همسة؟
اقترب مني: ــ ندمانة؟
بصيت في عينيه.
كل حاجة عدت بينا ظهرت في لحظة.
الخوف. الصحافة. الطلقة. آدم. دموعه. قوته. ضعفه. أمي وهي بتؤدبه. ضحكنا بعد رعب طويل.
قلت: ــ لا. بس لو رجع بيا الزمن، كنت هعيط برضه.
ضحك بهدوء: ــ ليه؟
حطيت إيدي على صدره: ــ لأن الجملة اللي قلتها يومها كانت أول مرة أحس إن الحب مش قفص.
سليم قرب وهمس: ــ ولو حبيتي تمشي دلوقتي… هفتحلك الباب بنفسي.
ابتسمت ودموعي لمعت.
ــ وأنا لو مشيت… هرجعلك برضه.
شدني لحضنه.
وفي اللحظة دي، فهمت إن الحب الحقيقي مش إنه يمنعك من الخوف.
الحب الحقيقي هو إنك تلاقي إيد ماسكاك وإنتِ بتخافي.
مش كل رجل غني بيكون أمان. ومش كل فرق سن بيكون ظلم. ومش كل حكاية تبدأ بسر… لازم تنتهي بخيانة.
أحيانًا، السر بيكون جرح قديم. والحب الحقيقي مش هو اللي يلاقي إنسان كامل.
الحب الحقيقي هو اللي يشوف الكسور… ويقرر يبني بيت فوقها برفق.
أنا ياسمين الشاذلي… البنت اللي جاءت من طنطا بحقيبة صغيرة وقلب خائف.
تزوجت سليم الحديدي… الرجل الذي ظنه العالم قاسيًا.
وفي ليلة زفافنا، بكيت بسبب جملة واحدة همس بها في أذني.
لكنني لم أكن أعرف وقتها… أن تلك الجملة ستكون بداية نجاتي.
النهاية.
