تزوجت عجزه حكايات اسما ×3
الفصل الثالث
طول ما إنت هنا… محدش هيلمسك.
الجملة خرجت مني وأنا مش فاهم أنا بوعده بإيه بالظبط. أنا اللي عمري ما قدرت أحمي نفسي، واقف فجأة قدام ولد شوارع مرعوب وبقوله إن المكان ده أمان. يمكن كنت بكذب عليه. يمكن كنت بكذب على نفسي. بس في اللحظة دي، وأنا شايف عينيه وهي بتتعلق فيا كأنه لقى حيطة يستند عليها بعد شهور من الجري، حسيت إن الكذبة دي لازم تتحول لحقيقة حتى لو كسرت ضهري.
يوسف ما ردش. كان واقف ماسك شنطته الصغيرة بإيده الاتنين، ووشه شاحب، وشفايفه بتترعش. نزلت لمستوى عينه وقلت بصوت أهدى: — متخافش.
قال بصوت مبحوح: — هما هيرجعوا.
كنت عارف إنهم هيرجعوا. النوع ده ما بيسيبش حد يهرب بسهولة، خصوصًا لو طفل كان بيجيبله فلوس. ومع ذلك قلت: — لما يرجعوا هيلاقوا راجل واقف.
بصلي كأنه مش مصدق كلمة “راجل” دي طالعة مني. يمكن أنا كمان ماصدقتهاش.
طلعته فوق الورشة وقفلت الباب بالمفتاح. الدم كان ناشف على شفايفي، وكتفي بيوجعني من الضربة اللي خدتها، بس الوجع الحقيقي كان في صدري. فتحت الحنفية الصغيرة اللي في الحمام ونضفت وشي. يوسف كان واقف ورايا ساكت، وبعد لحظة مد إيده بمنديل ورق قديم كان مطبق في جيبه.
خدت المنديل منه وابتسمت رغم الألم. — إنت دايمًا شايل مناديل؟
قال ببساطة: — الواحد في الشارع لازم يبقى معاه حاجات تنفع.
الجملة كانت أكبر من سنه. طفل عنده أربعة عشر سنة بيتكلم كأنه عجوز اتعلم من الخسارة. قعدت على الكرسي، وهو قعد على الأرض قدامي. كان واضح إنه مستني أزعق، ألومه، أقول له إن مشاكله هتخرب عليا المكان. لكنه فوجئ بيا بسأله: — المعلم ربيع ده مين؟
وشه اتقفل. — واحد بيشغل العيال.
— في إيه؟
— أي حاجة. تسول. سرقة. توصيلات. مراقبة محلات. اللي يرفض يتضرب. واللي يهرب يرجعوه.
بلعت ريقي. — وإنت هربت؟
هز راسه. — أيوه.
— ليه؟
سكت طويل. بعدين قال: — علشان كان عايزني أعمل حاجة وحشة.
ما سألتش. عرفت من نظرته إن السؤال هيكسر فيه حتة مش مستعدة تتكسر. اكتفيت إني أقول: — خلاص. مش هترجعله.
ضحك ضحكة قصيرة من غير فرح. — هو مش بيسأل.
— وأنا كمان مش بسأل.
كانت أول مرة أحس إن صوتي فيه قوة مش جاية من الغضب، جاية من قرار.
بعد شوية، عم سيد البواب خبط ودخل، ولما شاف وشي اتنهد. — دخلت في خناقة؟
قلت: — كانت داخلة لحد عندنا.
بص ليوسف وفهم كل حاجة تقريبًا من غير ما حد يشرح. عم سيد كان من الناس اللي شافت القاهرة وهي بتاكل أولادها واحد واحد. قرب من الولد وقال: — تعالى يا بطل، أم سيد عاملة كشري. تاكل؟
يوسف بصلي يستأذن. الإحساس ده وجعني. طفل بقى محتاج إذن علشان ياكل. هزيتله راسي، فقام بخطوات مترددة ونزل معاه.
فضلت لوحدي في الورشة.
فتحت كشكول شريف تاني. قلبت الصفحات بعصبية، كأني بدور على إجابة. كان كاتب كل حاجة بدقة مدهشة: أعداد الأسرّة، تكلفة المراتب، اتفاقات مبدئية مع دكاترة متطوعين، أسماء أصحاب محلات وافقوا يدربوا الشباب، حتى جدول أسبوعي لتعليم القراءة والكتابة. كل ده كان حلم واحد مات قبل ما يشوفه.
وفي آخر الكشكول كان فيه ظرف صغير ملزوق في الغلاف. ماكنتش واخد بالي منه قبل كده. شديته بحذر وفتحته. لقيت صورة لشريف وهو واقف جنب نعمات في نفس الورشة، ماسك لافتة كرتون مكتوب عليها: “بيت الأمان… لكل اللي مالوش باب يخبط عليه.”
تحت الصورة، بخط نعمات، جملة صغيرة: “كان بيقول إن الباب اللي اتقفل في وش إنسان ممكن يفتح في وش عشرة غيره.”
حسيت إن الصور دي مش مجرد ذكريات. دي كانت وصية تانية. مش وصية قانونية. وصية قلب.
في المساء، رجع يوسف من عند عم سيد وشكله أخيرًا أكل كويس. أم سيد طلعت وراه بطبق فيه رز وبطاطس وحتة فراخ صغيرة، وقالتلي وهي بتحط الطبق: — الولد ده هيفضل هنا؟
قلت قبل ما أفكر: — أيوه.
بصتلي بنظرة طويلة. — يبقى لازم تعرف إن فتح الباب لواحد معناه إن التانيين هيشموا ريحة الأمان وييجوا.
قلت: — مش فاهم.
قالت: — الشارع مليان عيال يا كريم. واللي بيلاقي مكان دافي بيقول لغيره.
نزلت كلامها على قلبي زي التحذير. أنا لسه مش عارف أدفع ضرائب العمارة، ولسه مش عارف أحمي يوسف، ولسه مش عارف أنا نفسي هعيش منين. افتح الباب لغيره إزاي؟
لكن في نفس الليلة، الإجابة جت لوحدها.
الساعة كانت قربت من واحدة بعد نص الليل لما سمعنا خبط خفيف. يوسف اتنفض من النوم وجرى ناحية الحيطة. أنا مسكت عصاية خشب قديمة وقربت من الباب. الخبط اتكرر. صوت صغير قال: — يوسف؟
بصيت له. وشه اتغير. — دي مريم.
فتحت الباب بحذر. كانت بنت صغيرة، يمكن عندها عشر سنين، شعرها مربوط بتوكة مقطوعة، ولابسة جاكيت رجالي طويل عليها. كانت ماسكة إيد طفل أصغر منها، يمكن ست سنين، عينه وارمة من العياط.
يوسف جرى لها. — إنتي جيتي إزاي؟
قالت وهي بتنهج: — ربيع عرف إنك هنا. قال هيولع في المكان واللي فيه. وأنا هربت قبل ما يحبسونا.
الطفل الصغير استخبى وراها.
أنا وقفت حاسس إن أم سيد كانت بتتكلم عن اللحظة دي بالظبط. الباب اتفتح لواحد، والتانيين شموا ريحة الأمان.
مريم بصتلي بخوف وقالت: — إحنا مش هنقعد. بس يوسف قال قبل كده لو لقينا مكان نستخبى فيه نيجي هنا.
يوسف وطي عينه في الأرض، كأنه ارتكب جريمة.
كنت مفروض أزعق. أقوله إنت مالك توزع عنواني؟ إنت عارف أنا في إيه؟ لكن لما بصيت للبنت والطفل، لقيت نفسي مش قادر.
الطفل كان حافي.
رجليه مليانة تراب وجروح صغيرة.
فتحت الباب أكتر وقلت: — ادخلوا.
مريم ما دخلتش فورًا. سألت: — هتضربنا؟
الكلمة قطعتني.
قلت بصوت مكسور: — لا.
دخلوا.
في أقل من يومين، الورشة اللي كانت مقفولة بالتراب بقت فيها تلات عيال نايمين على بطاطين قديمة. يوسف، مريم، والطفل الصغير اللي اسمه آدم. وأنا واقف بينهم مش عارف أنا بقيت إيه. صاحب مكان؟ ولي أمر؟ مجنون بيجمع مصايب؟ ولا واحد بيحاول يكفر عن عمر كامل؟
الصبح بدري، خرجت أشتري عيش وجبنة. وأنا راجع لقيت داليا واقفة قدام العمارة.
نفس العربية الفخمة. نفس البرود. لكن المرة دي وشها كان فيه قلق.
بصت للكيس اللي في إيدي وبعدين للباب. — سمعت إن حصل خناقة هنا امبارح.
قلت: — أخبارك بتوصلك بسرعة.
— المنطقة كلها بتتكلم. إنت دخلت نفسك في سكة مش بتاعتك.
ضحكت بمرارة. — وإيه السكة اللي بتاعتي؟ إني أبيع العمارة وأرجع أنام في عربيتي؟
سكتت. يمكن الجملة لمستها.
قالت: — طنط نعمات كانت طيبة، بس الطيبة مش خطة. العيال اللي إنت مخبيهم دول ممكن يجيبوا لك بوليس، بلطجية، مشاكل، قضايا. إنت مش مؤسسة مرخصة. إنت واحد عليه ديون.
— عارف.
— طيب بتعمل كده ليه؟
السؤال طلع بسيط، لكني ماعرفتش أجاوب بسرعة.
بصيت ناحية شباك الورشة. كان آدم واقف ورا الإزاز المكسور بيبص علينا. أول ما شافني بصيتله استخبى.
قلت: — علشان حد زمان كان لازم يعملهالي وماعملهاش.
داليا اتلخبطت لحظة. وشها اللين ظهر ثانية، وبعدين اختفى بسرعة. — المتأخرات لازم تتدفع خلال شهر.
— عارف.
— والمقاول اللي عايز يشتري العمارة مش هيستنى.
— عارف.
— وهو مش راجل سهل يا كريم.
رفعت عيني ليها. — تقصدي إيه؟
اترددت. — اسمه شوقي العتال. بيشتري عمارات قديمة، يطلع سكانها بأي طريقة، ويهدمها. طنط نعمات كانت رافضة تبيعله سنين. بعد موتها، افتكر إنك هتبقى أسهل واحد يضغط عليه.
حسيت ببرودة في ضهري. — وهو له علاقة بربيع؟
داليا بصتلي بسرعة. السكوت جاوب.
ضحكت وأنا بفهم. — يعني البلطجية اللي جم ليوسف ممكن ما يكونوش بس علشان يوسف؟
قالت: — ممكن. وممكن لا. بس وجود العيال هنا هيديله سبب يخليك تبان غلطان.
ساعتها فهمت اللعبة. المكان مش بس حلم نعمات وشريف. المكان أرض. والأرض في مصر الجديدة تساوي ملايين. وأنا، الفقير اللي محدش يحترمه، بقيت فجأة واقف في طريق ناس أقوى مني.
داليا قربت خطوة وقالت بصوت منخفض: — بيع يا كريم. خُد فلوسك وابدأ من جديد. طنط نعمات مش موجودة علشان تزعل.
بصيتلها طويل. — بس أنا موجود.
ما ردتش.
مشيت وسابتني، لكن نظرتها فضلت وراها. نظرة واحدة مش عارفة تحترمني ولا تشفق عليا.
دخلت الورشة ولقيت مريم واقفة في نص المكان ماسكة مقشة. يوسف بيحاول يصلح قفل الباب. آدم قاعد يرسم على كرتونة قديمة. تلات أطفال مرعوبين، ومع ذلك بدأوا يتحركوا كأن المكان بيتهم.
حطيت الأكل وقلت: — بعد الفطار هننضف المكان بجد.
يوسف رفع راسه. — يعني هنقعد؟
بصيتله. — هنحاول.
الكلمة كانت صادقة. ماوعدتهوش بالنصر. وعدته بالمحاولة.
وبدأنا.
اليوم ده كان أول يوم الورشة تتنفس من سنين. فتحنا الشبابيك. طلعنا الكراتين. رمينا الخشب المتعفن. مريم طلعت شاطرة في الترتيب بشكل غريب. كانت تقسم الحاجة: ده ينفع، ده يتباع خردة، ده يتغسل. يوسف كان قوي رغم سنه، بيشيل معايا. آدم كان صغير، فكان شغله يمسح التراب من الصور ويقعد يسأل: — ده مين؟
كنت أقول: — شريف.
— مات؟
— أيوه.
— كان طيب؟
بصيت لصورة شريف وهو مبتسم جنب أمه. — أظن.
آدم قال ببساطة: — يبقى هو في الجنة.
ماعرفتش أرد. الأطفال ساعات بيقولوا جمل كبيرة كأنهم بيحطوا ضمادة على جرح مش فاهمينه.
بعد يومين من التنضيف، الورشة بقت مختلفة. لسه فقيرة. لسه محتاجة دهان وأثاث وتصليح. لكن بقى فيها مساحة. بقى فيها ركن للنوم، ركن للأكل، وركن حطيت فيه كشكول شريف والصورة. علقتها على الحيطة بمسمار صدئ. تحتها كتبت على ورقة بيضا: “بيت الأمان.”
لما علقتها، يوسف وقف جنبي وقال: — بقت حقيقة؟
قلت: — لسه.
قال: — بس ليها اسم.
ابتسمت. — الاسم بداية.
في نفس الليلة، عم سيد جاب راجل كهربائي يعرفه. الراجل بص للمكان وقال إن التوصيلات كارثة وإنه ممكن يعمل الأساسيات بسعر قليل. أم سيد جابت بطاطين قديمة. جارة في الدور التاني، ست اسمها مدام عواطف، نزلت ببرطمان مربى وهدوم ولادها القدام. في الأول كنت مستغرب. أنا طول عمري شايف الناس بتتفرج على الوجع وتمشي. لكن اكتشفت إن في ناس بتساعد لما تلاقي حد بدأ.
بس الخير ما بييجيش لوحده.
بعد أسبوع، جالي إنذار رسمي.
ورقة مختومة، مكتوب فيها إن المكان مخالف لاستخدامه كسكن أو مأوى، وإن في شكوى من سكان مجهولين بوجود “أطفال مشردين يهددون أمن العقار.”
كنت عارف إن مفيش سكان اشتكوا. عم سيد قالها بصراحة: — دي ريحة شوقي العتال.
مسكت الورقة وأنا حاسس إن الجدران بتقرب عليا. العيال كانوا بياكلوا في الركن. مريم لاحظت وشي. — هنمشي؟
قلت بسرعة: — لا.
بس صوتي ماكانش ثابت.
في اليوم اللي بعده، رحت الحي أسأل عن الإجراءات. اتعاملوا معايا كأني متسول داخل مكان غلط. موظف ورا شباك زجاجي بصلي من فوق لتحت وقال: — عايز تعمل مأوى؟ لازم جمعية، ترخيص، موافقات، حماية مدنية، صحة، تضامن، ورق كتير.
قلت: — طب أبدأ منين؟
قال بملل: — من إنك ما تبدأش.
الناس اللي ورايا ضحكوا.
خرجت من هناك وأنا حاسس بإهانة قديمة بتصحى. نفس الإحساس لما كنت واقف قدام البنك يوم ما حسابي اتحجز عليه. نفس الإحساس لما صاحب الشغل رمى ملفي وقاللي: “إنت خسارة فيك المرتب.” كنت على وشك أستسلم. أبيع. أهرب. أرجع لكريم القديم اللي بينجو لوحده.
لكن لما رجعت، لقيت آدم نايم على بطانية ونعمات في الصورة فوقه كأنها بتحرسه.
وقفت عند الباب طويل.
لا. مش ههرب.
فتحت تليفوني القديم واتصلت بداليا.
ردت بعد رنتين. — أيوه؟
قلت: — عايز أعرف أعمل جمعية إزاي.
سكتت. — إنت لسه مصر؟
— أيوه.
— ليه بتصعبها على نفسك؟
قلت وأنا ببص لصورة نعمات: — علشان هي طول عمرها كانت سهلة عليا، وأنا عمري ما استحقيت ده.
نفسها اتسمع في السماعة. — قابلني بكرة.
قفلت وأنا حاسس إن أول باب رسمي اتفتح، حتى لو فتحة صغيرة.
لكن قبل بكرة ما ييجي، الليل جاب الامتحان الحقيقي.
الساعة تلاتة الفجر، صحيت على ريحة دخان.
في الأول افتكرتها من الشارع. بعدين سمعت مريم بتصرخ: — نار!
قمت مفزوع.
الستارة القديمة جنب الباب كانت مولعة، والنار بتطلع بسرعة على الخشب المتراكم. يوسف كان بيحاول يطفيها بجردل مية، وآدم بيعيط في الركن.
جريت عليهم. شلت آدم وطلعته بره. رجعت وسط الدخان، عيني بتحرقني، وصدري بيتخنق. مريم كانت محشورة جنب الدولاب، بتكح ومش قادرة تتحرك. شديتها من إيدها، وفي اللحظة دي سمعت زجاجة بتتكسر بره.
حد رمى مولوتوف.
مش ماس كهربا. مش حادثة.
حد كان عايز يولع المكان بينا.
طلعت مريم بره، ورجعت ليوسف اللي كان مصمم يطفي النار. صرخت فيه: — اطلع!
قال: — الصور!
بصيت للحيطة. صورة شريف ونعمات كانت النار قربت منها.
يوسف جرى ناحية الصورة.
من غير تفكير جريت وراه. شديت الصورة من الحيطة، والنار لسعت إيدي. صرخت، بس مسكتها كويس. يوسف وقع من الدخان، فشيلته من قميصه وسحبته ناحية الباب.
طلعنا على السلم والناس بدأت تصرخ. عم سيد جاب طفاية قديمة. الجيران نزلوا بجراكن مية. بعد نص ساعة، النار اتلمت، بس الورشة اتشوهت. الحيطة اسودت. البطاطين اتحرقت. جزء كبير من الورق راح. لكن كشكول شريف كان في الدرج الحديد، ونجا.
قعدت على الرصيف قدام العمارة، ووشي أسود من الدخان، وإيدي محروقة، والعيال متجمعين حواليا.
يوسف كان بيبكي بصمت. — أنا السبب.
قلتله وأنا مش قادر أتنفس كويس: — لا.
— لو ماكنتش جيت هنا…
مسكته من كتفه. — بصلي.
بصلي.
قلت: — اللي يولع في بيت علشان طفل استخبى فيه هو السبب. مش الطفل.
الشرطة جت بعد ساعة. اتعاملوا مع الموضوع كأنه “حريق بسيط”. لما قلت إن حد رمى زجاجة، الظابط بصلي بملل: — عندك دليل؟
شاور عم سيد على كاميرا محل قدام العمارة. — الكاميرا جايبة الشارع.
وبالفعل، صاحب المحل طلع الفيديو.
كان واضح.
موتوسيكل وقف. راجل ملثم رمى الزجاجة. ومشي.
لكن قبل ما الظابط ياخد الفيديو، ظهر صوت من ورا: — خير يا جماعة؟ في مشكلة؟
كلنا بصينا.
راجل في الخمسينات، تخين، لابس بدلة غالية ضيقة عليه، وسلسلة دهب في رقبته. ابتسامته واسعة بس عينيه ميتة.
عم سيد همس: — شوقي العتال.
الراجل قرب مني كأنه يعرفني من سنين. — أستاذ كريم؟ البقاء لله في الحاجة نعمات. ست محترمة الله يرحمها.
ما رديتش.
بص للورشة المحروقة وقال بحزن تمثيلي: — يا خسارة. المكان قديم وخطر. أنا قولت قبل كده العمارة دي لازم تتهد قبل ما تموتوا تحتها.
قلت وأنا واقف بالعافية: — إنت اللي ولعتها؟
ضحك بصوت عالي. — إيه الكلام الكبير ده؟ خليك عاقل. أنا راجل أعمال. وبعدين إنت عندك عيال شارع هنا، ممكن أي واحد فيهم عملها.
مريم استخبت ورا أم سيد.
شوقي بص للعيال باشمئزاز. — شايف؟ دي مش بيئة. إنت محتاج تبيع وتريح نفسك وتريح الناس.
قرب مني وقال بصوت واطي ما يسمعوش غيري: — العرض بتاعي هيتخفض بعد اللي حصل. فكر بسرعة قبل ما يحصل أسوأ.
ساعتها، بدل ما أخاف، حصلت حاجة غريبة.
حسيت نعمات واقفة ورايا.
مش شبح. مش خيال. لكن إحساسها. طيبتها الصلبة. الهدوء اللي كان بيخليها أقوى من أي زعيق.
رفعت راسي وقلت بصوت عالي قدام الناس كلها: — العمارة مش للبيع.
ابتسامة شوقي اختفت ثانية، وبعدين رجعت. — هنشوف.
مشي.
والناس فضلت باصةلي.
أنا كنت مرعوب. أيوه. بس لأول مرة الخوف ماخلانيش أجري.
بعد ما الشرطة مشيت، وبعد ما الجيران طلعوا، داليا وصلت.
كانت لابسة على عجل، وشعرها مش مترتب، ووشها مخطوف. أول ما شافت الورشة، حطت إيدها على بقها. — يا نهار أسود.
بصتلي ولقت إيدي محروقة. — لازم تروح مستشفى.
قلت: — العيال الأول.
قالت بحزم: — كلكم.
في المستشفى، داليا اتصرفت كأنها شخص تاني. كلمت دكتور تعرفه. دفعت الحساب. جابت أكل للأطفال. ولما آدم نام على الكرسي، غطته بجاكيتها الغالي من غير ما تفكر.
كنت قاعد على سرير الكشف، والممرض بيلف شاش حوالين إيدي.
داليا وقفت قدامي وقالت: — أنا هساعدك في الورق.
بصيتلها بتعب. — ليه؟
اترددت. وبعدين قالت: — علشان طنط نعمات كانت أمي أكتر من أمي. وأنا كنت فاكرة إني بحافظ على ذكراها بأني آخد الفيلا. بس يمكن الذكرى الحقيقية كانت هنا.
سكتت شوية، وبعدين كملت: — وشوقي العتال لو عايز المكان يبقى أكيد فيه حاجة أكبر من مجرد عمارة قديمة.
الجملة فتحت في دماغي باب جديد.
فعلاً… ليه الإصرار ده كله؟ الأرض غالية، آه. لكن تهديد وحريق وبلطجية؟ لازم في سر.
رجعنا العمارة الفجر.
الورشة ماينفعش تنام فيها الليلة دي، فعم سيد فتح أوضة قديمة فوق السطح. فرشنا بطاطين، والعيال ناموا من التعب بسرعة. داليا فضلت واقفة عند الباب تبص عليهم.
قالت بهدوء: — يوسف شبهك.
استغربت. — شبهى إزاي؟
— عينه. عين واحد متعود يصدق إن محدش هيختاره.
الكلمة وجعتني.
قعدت جنب الباب، والصورة المحروقة الأطراف في إيدي. صورة نعمات وشريف. النار أكلت طرفها، بس وشوشهم لسه واضحة.
قلت: — أنا مش عارف أعمل ده.
داليا قعدت على الدرجة جنبي. — ولا أنا.
— أمال هنساعد إزاي؟
قالت: — خطوة خطوة.
بصيتلها، ولأول مرة ما شفتش بنت أخت نعمات اللي خدت الفيلا. شفت واحدة ضايعة بطريقتها. يمكن كلنا كنا بندور على بيت، حتى اللي عندهم فلوس.
في الصباح، نزلت الورشة لوحدي. الدخان لسه ريحته موجودة. كل حاجة سودة. لكن وسط السواد، لقيت كشكول شريف في الدرج الحديد.
فتحته.
آخر صفحة سليمة كانت مكتوب فيها:
“لو المكان اتحارب، يبقى بدأ ينجح. لأن الأمان بيخوف اللي عايشين على خوف الناس.”
قعدت على الأرض وسط الرماد وضحكت.
ضحكة تعبانة، موجوعة، بس حقيقية.
رفعت عيني للحيطة المحروقة وقلت بصوت واطي: — حاضر يا حاجة نعمات. هنكمل.
وفي اللحظة دي سمعت صوت يوسف من الباب: — إحنا هننضف تاني؟
ورا يوسف كانت مريم ماسكة جردل. وآدم ماسك فوطة أكبر منه. وعم سيد شايل علبة دهان قديمة. وأم سيد وراهم بصينية شاي.
حتى داليا كانت واقفة على السلم، لابسة كوتشي بدل الكعب، وشايلة ملفات.
بصيت لهم كلهم.
وكان قلبي، لأول مرة من سنين، مش حاسس إنه لوحده.
قمت من وسط الرماد، مسحت إيدي في بنطلوني، وقلت: — أيوه. هننضف تاني.
يوسف ابتسم.
ابتسامة صغيرة جدًا.
لكنها كانت كفاية تخليني أصدق إن بيت الأمان… اتولد فعلًا من وسط الحريق.
يتبع