ارمل وسيم حكايات اسما السيد 1

الدفتر الأخضر في إيده، والصفحات المقطوعة قدامه.
مرر صباعه على بقايا الورق عند طرف الدفتر.
القطع كان نضيف.
مش ورق وقع لوحده…
ولا صفحات الزمن أكلها.
حد فتح الدفتر…
وقطع الصفحات بعناية.
والأغرب…
إن أبوه مات من سنتين تقريبًا، لكن أطراف الورق المقطوعة لسه لونها فاتح.
يعني اللي أخد الصفحات…
دخل الأوضة بعد موته.
بص ناحية الباب بسرعة.
لأول مرة حس إن البيت اللي عاش فيه عمره كله…
ممكن يكون مخبي عنه أسرار أكتر مما يتخيل.
سمع صوت عياط جاي من الأوضة التانية.
قفل الدفتر بسرعة، وحطه تحت قميصه، ورجع للأطفال.
كلارا كانت بتعيط.
شالها وقال وهو بيهزها:
— حاضر يا ستي… حاضر.
جوليان صحي على صوتها.
وبعد ثواني…
ماتيو كمان بدأ يعيط.
بص للتلاتة وقال بتعب:
— ما نتفق يا جماعة… واحد واحد؟
طبعًا محدش فيهم احترم الاتفاق.
بعد نص ساعة…
كان قاعد على الأرض، جوليان نايم على صدره، وكلارا في حضنه، وماتيو في السرير جنبه.
بص لهم.
وحس للحظة إن كل حاجة تخص الأرض والديون والدفتر مالهاش قيمة.
دول أهم حاجة.
لكن الحقيقة كانت أقسى من كده.
لو خسر الأرض…
هيخسر البيت.
ولو خسر البيت…
مش عارف هيروح بالتلات أطفال فين.
تاني يوم الصبح، ركب عربيته القديمة وراح البنك.
الموظف حط الملف قدامه وقال:
— قدامك تلاتين يوم.
قال:
— ولو دفعت جزء؟
— لازم المبلغ المتأخر كله.
سكت شوية وسأله:
— مفيش إعادة جدولة؟
الموظف هز راسه:
— حاولنا قبل كده مع والدك.
الجملة وقفته.
— مع أبويا؟
— أيوه.
— أبويا مات من سنتين.
الموظف فتح الملف وقلب كام ورقة.
— آخر طلب لإعادة الجدولة اتقدم قبل وفاته بشهر تقريبًا.
قرب منه وسأله:
— وكان فيه حد معاه؟
الموظف فكر.
— مش فاكر… بس تقريبًا كان فيه راجل.
— مين؟
— معرفش.
خرج من البنك وهو حاسس إن كل سؤال بيسأله…
بيطلع له عشرة غيره.
رجع المزرعة قبل المغرب.
وأول ما دخل من البوابة…
لقى عربية قديمة واقفة جنب البيت.
افتكر أخوه جه يزوره.
لكن لما قرب…
شاف ست عجوز قاعدة على الكرسي الخشب تحت شجرة التوت.
كانت لابسة هدوم بسيطة غامقة، وشعرها الأبيض مربوط ورا راسها، وفي إيدها عصاية.
الغريب إنها كانت قاعدة كأنها صاحبة المكان.
نزل من العربية وقال:
— حضرتك مين؟
