ابن امه اسما السيد 2
بعد ما سهير خرجت من البيت، فضلت واقفة في الصالون شوية أبص على الباب المقفول وأحاول أستوعب إن الست اللي قضت سنين تبصلي كأني دخيلة على حياتهم خرجت أخيرًا وهي أول مرة تحس إنها مش متحكمة في النهاية. الغريب إن إيدي ما كانتش بتترعش. زمان كنت بعد أي مواجهة معاها أقفل على نفسي الحمام وأعيط بصمت علشان كريم ما يزعلش منّي. كنت دايمًا أنا اللي أبلع الكلام… أنا اللي أقول “كبّري دماغك” و”دي أمه” و”مش مستاهلة”. لكن الحقيقة إن الحاجات اللي “مش مستاهلة” دي هي اللي بتبني جبل كامل فوق روح الست لحد ما تختنق تحته. قعدت على الكنبة وبصيت حواليا. البيت كان هادي بشكل غريب. نفس الصالون اللي فرشناه سوا وإحنا لسه عرسان. نفس النجفة اللي فضلت أزن على كريم علشان نجيبها من معرض في مدينة نصر لما كان معندناش فلوس كفاية. وقتها ضحك وقالي: “إنتِ بتحلمي نعيش عيشة أغنيا يا ليلى.” وأنا كنت برد عليه دايمًا: “مش مهم الغنى… المهم أحس إن البيت بيتي.” والجملة دي نفسها رجعت تضربني دلوقتي بقوة. هل حسّيت يوم فعلًا إن البيت بيتي؟ ولا كنت مجرد حد بيحافظ عليه لحد ما صاحبه الحقيقي يقرر يمشيك؟ دخل عمر الصالون وقتها وبصلي من بعيد. واضح إنه كان سامع جزء من الكلام. قال بهدوء: “تيتا كانت هنا؟” هززت راسي. قعد قدامي وقال: “هي طول عمرها كانت بتعاملك وحش.” ابتسمت بتعب. “وإنت كنت صغير ومش واخد بالك.” ضحك ضحكة قصيرة وقال: “لا… كنت واخد بالي. بس إنتِ اللي كنتِ بتقنعينا إن كل حاجة عادية.” سكتت. لأن دي الحقيقة المؤلمة اللي أغلب الأمهات ما بتحبش تعترف بيها. إحنا بنكدب على نفسنا وعلى ولادنا علشان نحافظ على شكل البيت حتى لو الروح اللي جواه بتموت ببطء. عمر مد إيده مسك إيدي وقال: “إنتِ قوية أوي يا ماما.” الكلمة وجعتني بشكل غريب. لأن القوة الحقيقية مش إنك تستحملي. القوة إنك تعرفي إمتى تبطلي استحمال. بعد يومين بدأت الأخبار توصلني من الناس. قرايب مشتركة… أصحاب قدام… حتى جارتنا اللي عمرها ما فوّتت تفصيلة في حياتنا وقفتني وأنا داخلة البيت وقالت بنبرة كلها فضول: “هو صحيح أستاذ كريم نقل البيت باسم والدته؟” الطريقة اللي قالتها بيها كانت خليط بين الشفقة والاستمتاع بالدراما. زمان كنت هتوتر وأبرر وأحاول أحافظ على صورتنا قدام الناس. لكن المرة دي اكتفيت بابتسامة بسيطة وقلت: “الحمد لله… كله قانون.” وسِبتها واقفة مش فاهمة حاجة. لما دخلت البيت اكتشفت إن أقوى حاجة ممكن تعمليها أوقات هي إنك ما تشرحيش نفسك. الناس بتتغذى على انهيارك. ولما ما تديهمش المشهد اللي مستنيه… بيتوتروا. كريم بقى يرجع البيت متأخر جدًا. أوقات كنت أسمع صوت عربيته بعد نص الليل. يدخل بهدوء كأنه ضيف. مرة صحيت لقيته واقف في المطبخ لوحده يشرب مية في الضلمة. أول ما شافني اتوتر. للحظة افتكرت إنه هيزعق أو يفتح خناقة جديدة، لكنه قال بهدوء غريب: “فاكرة أول يوم دخلنا البيت ده؟” السؤال جالي كطعنة مفاجئة. سكت شوية وبعدين قلت: “فاكرة.” ابتسم بسخرية مريرة. “كنّا مفلسين.” ضحكت غصب عني. “إنت كنت حاطط مرتبة على الأرض وفاكر نفسك عملت إنجاز تاريخي.” ضحك هو كمان، لكن الضحكة ماتت بسرعة. بعدها بصلي وقال: “إمتى بقينا كده يا ليلى؟” السؤال فضل معلق بينا ثواني طويلة. وأنا الحقيقة كان عندي مية إجابة. بقينا كده لما بقيت أخاف أزعلك أكتر ما أخاف على نفسي. بقينا كده لما بقيت تسكت على كلام أمك علشان رضاها أهم من كرامتي. بقينا كده لما اعتبرت وجودي مضمون. لكني ما قلتش أي حاجة من ده. قلت بس: “إحنا ما بقيناش كده فجأة يا كريم.” نزل عينه وسكت. بعدها بأسبوع حصلت الجلسة التانية. المحكمة كانت زحمة بشكل خانق، والناس حوالينا قصص متكسرة ماشية على رجلين. ستات بتعيط… رجالة متنرفزة… أطفال واقفين تايهين بين الأهل. وأنا وسط كل ده كنت حاسة بهدوء غريب. نادية كانت ماشية جنبي وهي شايلة الملفات بثقتها المعتادة. أول ما دخلنا القاعة شفت كريم قاعد بعيد. لكن اللي لفت نظري أكتر كان سهير. كانت قاعدة جنبه بوش جامد ونظرة كلها تحدي، كأنها داخلة حرب شخصية. أول ما شافتني رفعت دقنها لفوق بالطريقة اللي كانت بتعملها دايمًا في المناسبات لما تحاول تحسسني إني أقل. لكن المرة دي… النظرة ما أثرتش فيا. الجلسة بدأت، ومحامي كريم حاول يلعب على نقطة إن البيت قانونيًا باسم والدته، وإن نقله تم قبل إجراءات الطلاق. كنت بسمعه وأنا فاكرة بثقة سخيفة جوزي يوم قالّي “هتخرجي بإيد فاضية.” وبعدها نادية قامت بهدوء وقدمت الورق. إيصالات التحويلات من حسابي. فواتير التجديدات باسمي. الإقرار اللي مضى عليه كريم. وصور لمراسلات قديمة تثبت إن الفيلا كانت مشروع مشترك بينا. القاضي فضل يقلب في الورق شوية، وبعدها رفع عينه مباشرة ناحية كريم وسأله: “التوقيع ده توقيعك؟” ولأول مرة… شفت جوزي يتردد. ثانية واحدة بس. لكن الثانية دي كانت كفاية تكسر الصورة كلها. قال أخيرًا بصوت واطي: “أيوه.” سهير لفت تبصله بسرعة كأنها مش مصدقة إنه اعترف بسهولة. أما أنا… فحسيت بحاجة جوايا بتتحرر. مش فرحة. حاجة أهدى من الفرح. كأن روحي أخيرًا بطلت تدافع عن نفسها. بعد الجلسة، وأنا خارجة، سمعت سهير بتنادي عليا. وقفت وبصيتلها. قربت مني وقالت بصوت منخفض كله سم: “إنتِ فاكرة إنك كسبتي؟” ابتسمت بهدوء. “أنا ماكنتش بلعب.” اتضايقت من الرد لدرجة إن وشها احمر. قالت: “ابني عمره ما كان هيعمل كده لو كنتِ ست كفاية.” الجملة دي زمان كانت ممكن تفضل توجعني شهور. لكن دلوقتي؟ حسيت بشفقة باردة. بصيتلها وقلت: “ويمكن لو كنتِ أم كفاية… ماكانش اتعلم يعمل كده أصلًا.” للحظة فقدت السيطرة فعلًا. شفتها في رعشة شفايفها. لكن قبل ما ترد، عمر ظهر فجأة. وقف جنبي وقال لجدته بمنتهى الهدوء: “لو سمحتي… كفاية.” سهير بصتله مصدومة. يمكن أول مرة حفيدها يوقف ضدها بالشكل ده. قالت بحدة: “إنت هتكلمني بالطريقة دي؟” عمر رد بثبات: “أنا بس تعبت من إن ماما طول عمرها تتعامل كأنها مش من العيلة.” الصمت اللي نزل بعدها كان تقيل جدًا. سهير بصتله ثواني طويلة، وبعدها مشيت من غير كلمة. وأنا واقفة جنب ابني حسيت بحاجة غريبة جدًا… إن الطفل اللي كنت بحاول أحميه من الحقيقة كبر أخيرًا وشافها بنفسه. في الطريق للبيت، عمر كان سايق وأنا جنبه. قال فجأة: “أنا زعلان من بابا.” سكت شوية وكمل: “بس يمكن زعلان منك إنتِ كمان.” بصيتله باستغراب. قال: “إنتِ علمتينا إن الست تستحمل زيادة.” الجملة خبطتني بعنف. لأن الحقيقة إنه عنده حق. أنا قضيت سنين أدي دروس في الصبر لحد ما بقيت بدي دروس في التنازل من غير ما أقصد. لما رجعنا البيت، لقيت كريم قاعد في الجنينة لوحده. كان شكله مرهق جدًا. عمر نزل من العربية ودخل من غير ما يبصله. أما أنا ففضلت واقفة شوية أبص عليه من بعيد. الراجل اللي حبيته زمان… الراجل اللي كان يضحكني وإحنا بناكل فول على الرصيف وإحنا لسه بنبدأ حياتنا… بقى غريب بالشكل ده إمتى؟ قربت منه بهدوء. رفع عينه ليا وقال: “عمر بيكرهني دلوقتي.” قعدت على الكرسي اللي قدامه وقلت: “لا… هو مصدوم منك.” سكت وبعدين قال: “في فرق؟” ما رديتش. لأنه أوقات الصدمة بتبقى بداية الكره فعلًا. فضل ساكت شوية وبعدين قال: “أنا ماكنتش ناوي أوصّلها لكده.” ضحكت ضحكة خافتة مليانة تعب. “محدش بيصحى الصبح يقول أنا هبقى شخص مؤذي… الناس بتوصل لكده خطوة خطوة وهم مقتنعين إنهم صح.” بصلي طويل. “إنتِ بتكرهيني؟” السؤال فاجأني. فكرت شوية قبل ما أرد. “لا.” استغرب. وأنا كملت: “أنا بس بطلت أحب النسخة اللي بقيت عليها وإنت معايا.” نزل عينه للأرض، وساعتها عرفت إن الجملة وجعته أكتر من أي قضية. الأيام بعدها بدأت تمشي ببطء غريب. البيت بقى مقسوم نصين. أوضة الضيوف بقت عالم كريم، وأنا بقيت عايشة في باقي البيت كأننا اتنين مستنيين نهاية طويلة جدًا. لكن الفرق إن الخوف اختفى مني. بقيت أنام من غير ما أصحى مفزوعة. بقيت أفتح الشباك الصبح وأشرب قهوتي من غير ما أفكر مين زعلان ومين لازم أرضيه. وفي يوم، وأنا برتب الدولاب، لقيت ألبوم صور قديم وقع على الأرض. فتحته بالغلط. صور فرحنا… شهر العسل في إسكندرية… كريم شايل عمر وهو بيضحك… وأنا واقفة في الجنينة ماسكة خرطوم الميه وفخورة بأول ورد طلع. قعدت على الأرض أقلب الصور وحسيت دموعي بتنزل بهدوء. مش علشان عايزة أرجعه. لكن علشان كنت بودع ست قديمة جوايا. الست اللي كانت مستعدة تدي عمرها كله علشان بيت يفضل واقف حتى لو هي نفسها بتقع جواه. وفي اللحظة دي بالذات… سمعت صوت كريم واقف عند الباب. كان بيبص للصور في صمت. وبعدها قال بصوت مكسور لأول مرة: “أنا ضيعتنا.” وماكنتش محتاجة أرد… لأن الحقيقة أخيرًا كانت واقفة قدامنا واضحة جدًا لدرجة محدش يقدر يهرب منها.
تمت
