بعد خمسين سنه حكـايـات أسمـا ×1

تركني زوجي بعد خمسين سنة جواز… وسابلي بطاقة بنك وقال: “فيها خمسين ألف جنيه للطوارئ”. لكن لما استخدمتها قبل عملية قلبي، اكتشفت إنه مخبي عني آخر سر في حياته.

منذ خمس سنوات، جمع محمود الشاذلي هدومه في شنطتين، وخرج من بيتنا في القاهرة علشان يعيش مع ست أصغر منه بسنين.

خمسون سنة جواز.

ثلاثة أولاد.

وسبعة أحفاد.

وقبل ما يقفل باب الشقة، حط بطاقة بنك جنب كوب الشاي الأزرق القديم بتاعي، وقال وهو باصص في الأرض:

“فيها خمسين ألف جنيه… خليهم للطوارئ.”

وبس.

لا اعتذار.

لا دموع.

ولا حتى كلمة تشرح ليه بيعمل فيا كده.

مجرد بطاقة بنكية، وكأن خمسين سنة من عمري اتحولت لرصيد في حساب.

ومن يومها…

عمري ما لمست البطاقة.

لحد الشهر اللي فات.

لما الدكتور حسام عبدالعزيز قعد قدامي في عيادته، وشبك إيده وقال بهدوء:

“يا مدام سعاد… حضرتك محتاجة عملية قلب.”

“مش بعدين…”

“في أقرب وقت.”

ابتسمت الابتسامة اللي الستات الكبار بيتعلموها مع الزمن.

الابتسامة اللي بتخبي الخوف.

ماقولتش لأولادي إني مرعوبة.

كنت دايمًا بقول لنفسي:

إذا كنت قدرت أعيش بعد ما محمود سابني…

أكيد هقدر أعدي العملية دي.

الخميس اللي فات…

لبست أحسن هدومي.

وركبت الأتوبيس لحد وسط البلد.

ودخلت فرع البنك.

لما الموظفة نادت اسمي، زحلقت البطاقة تحت الزجاج، وقلت بهدوء:

“لو سمحت… عايزة أسحب الرصيد اللي في البطاقة دي.”

ابتسمت وهي بدأت تكتب على الكمبيوتر.

لكن فجأة…

ابتسامتها اختفت.

بدأت تكتب تاني…

أبطأ.

وبعدين قلبت البطاقة.

وبصت لبطاقتي الشخصية.

ورجعت للشاشة، كأنها شايفة حاجة مستحيل تصدقها.

رفعت عينيها وقالت:

“ممكن حضرتك تأكدي اسمك الرباعي؟”

رددته كاملًا.

في اللحظة دي…

حسيت قلبي وقع.

قلت بصوت واطي:

“جوزي السابق إداني البطاقة دي من خمس سنين.”

“المفروض يكون فيها خمسين ألف جنيه بس.”

وش الموظفة شحب.

وقالت بسرعة:

“ثانية واحدة يا فندم…”

“لازم أنادي مدير الفرع.”

وأضافت وهي مرتبكة:

“مش فاهمة إزاي محدش اتواصل مع حضرتك طول الفترة دي.”

إيدي مسكت طرف الرخامة بقوة.

وللحظة…

افتكرت إن محمود لسه بيكسرني حتى بعد الطلاق.

لكن بعد دقيقة…

خرج مدير الفرع.

كان ماسك ظرفًا أبيض مختومًا.

وعلى الظرف…

كان مكتوب بخط محمود اللي أعرفه من خمسين سنة.

نظر إليّ وقال بصوت هادئ:

“يا مدام سعاد…”

“إحنا بقالنا خمس سنين مستنيين اليوم اللي حضرتك تيجي فيه…”

“علشان نسلمك الظرف ده.”..
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
@أبرز المعجبين

الفصل الأول: الظرف الذي لم يكن يجب أن يُفتح

 

ارتجفت أصابع سعاد وهي تتناول الظرف من يد مدير البنك.

 

كان الورق مصفرًا قليلًا، كأنه انتظر سنوات طويلة ليجد صاحبته.

 

في الزاوية العليا كتب محمود بخطه المعروف:

 

“لا يُفتح إلا إذا حضرت سعاد بنفسها.”

 

شعرت بأنفاسها تضيق.

 

خمسة أعوام كاملة… وهذا الظرف كان ينتظرها وحدها.

 

قال مدير الفرع بهدوء:

“أستاذ محمود حضر بنفسه يوم فتح الحساب، وأوصانا ألا نسلم الخطاب لأي شخص، حتى أولاده.”

 

نظرت إليه في دهشة.

“ليه؟”

 

تنهد الرجل وقال:

“قال إن اليوم اللي هتفتحي فيه البطاقة هيكون أصعب يوم في حياتك… وإن الخطاب ده هو الحاجة الوحيدة اللي ممكن تشرح كل حاجة.”

 

فتحت الظرف بيدين مرتعشتين.

 

وجدت رسالة قصيرة.

 

“يا سعاد… لو بتقري الكلام ده، يبقى عرفتي إن الفلوس عمرها ما كانت خمسين ألف.”

 

توقفت.

 

رفعت رأسها ببطء.

 

ثم عادت تقرأ.

 

“أنا كنت بكذب عليكي… لأن الحقيقة لو عرفتيها وقتها، كنتِ هترفضي تاخدي أي حاجة مني.”

 

أسفل الرسالة كانت هناك ورقة أخرى.

 

كشف حساب.

 

وعندما وقعت عيناها على الرقم الأخير، شعرت بأن الأرض تدور بها.

 

الرصيد المتاح: 18,742,600 جنيه.

 

صرخت دون أن تشعر.

 

“أكيد فيه غلط!”

 

لكن مدير الفرع هز رأسه في هدوء.

 

“مفيش أي غلط يا مدام سعاد… الأستاذ محمود كان بيحوّل مبلغ كل شهر للحساب ده لمدة خمس سنين، وكل الأرباح كانت بتتضاف عليه.”

 

أكملت قراءة الرسالة والدموع تغطي الكلمات.

 

“يمكن سامحتيني… ويمكن لأ. لكن لازم تعرفي إن سبب رحيلي ماكانش الست اللي الناس كلها فاكراها.”

 

“أنا خرجت من البيت لأن التحاليل قالت إني مريض، والدكاترة أكدوا إني ممكن أموت في أي وقت. خفت أشوفك بتنهاري قدامي، وخفت أعيش آخر أيامي وأنا شايف الحزن في عينيكي.”

 

“ولما ظهرت الست التانية، خليت الكل يصدق إني سيبتك علشانها… لأن ده كان أهون عندي من إني أشوف نظرة الشفقة في عينيكي.”

 

توقفت سعاد عن القراءة.

 

همست وهي تبكي:

 

“كدبت عليا… خمس سنين كاملة.”

 

لكن الرسالة لم تكن انتهت بعد.

 

في آخر الصفحة كتب محمود جملة جعلت قلبها يتوقف للحظة:

 

“ولو وصلتي للرسالة دي، يبقى فيه احتمال كبير أكون مت قبل ما أقدر أقولك الحقيقة… لكن لو ربنا كتبلي عمر، هتلاقيني كل يوم جمعة الساعة خمسة العصر، قاعد على نفس الدكة اللي اتعرفنا عليها أول مرة في حديقة الأورمان… مستنيكي، حتى لو مرة واحدة بس.”

 

أغلقت سعاد الرسالة وهي لا تعرف هل تبكي لأنه خانها… أم لأنه أحبها بالطريقة الخطأ.

 

نظرت إلى الساعة.

 

كانت الرابعة والربع مساءً.

 

واليوم…

 

كان يوم الجمعة.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *