شقيقتي حكـايـات أسمـا ×4
الفصل السادس
مريم ظلت ممسكة بالهاتف.
ثوانٍ.
ثم دقيقة كاملة.
لا هي قادرة تقفل.
ولا قادرة تتكلم.
أخيرًا قالت:
“إنتِ بتقولي إيه؟”
جاءها صوت نور متوترًا لأول مرة منذ سنوات.
“اسمعيني كويس.”
“ليه؟”
“عشان الوقت قليل.”
مريم ضحكت بمرارة.
“غريبة.”
“إيه؟”
“أول مرة أشوفك خايفة.”
سكتت نور.
ثم قالت:
“لأني فعلًا خايفة.”
كان في صوت حركة حوالين نور.
كأنها ماشية بسرعة.
أو هاربة من مكان ما.
ثم قالت:
“أحمد ما كانش ملاك.”
“عارفة.”
“بس مش هو أخطر شخص في القصة.”
مريم شعرت بقشعريرة.
“قصدي إيه؟”
لكن نور لم تجب مباشرة.
بل سألت:
“فاكرة شركة الاستثمار اللي أحمد اشتغل فيها من أربع سنين؟”
“أيوة.”
“كل المصيبة بدأت هناك.”
قبل أن تسأل أكثر…
انقطع الخط.
مريم ظلت تنظر للهاتف.
ثم إلى المفتاح.
ثم إلى الورقة.
كان أمامها خياران.
تنسى الموضوع كله.
أو تعرف الحقيقة.
وبعد كل اللي خسرته…
لم يعد عندها شيء تخاف عليه.
في صباح اليوم التالي…
وقفت أمام البنك.
المبنى ضخم.
وهادئ.
وراقٍ بشكل مبالغ فيه.
دخلت.
وسألت عن الخزنة رقم 317.
بعد دقائق…
كانت موظفة البنك تقودها إلى غرفة خاصة.
أخرجت المفتاح.
ودخل.
صوت “تك”.
ثم انفتح الباب المعدني.
سحبت الصندوق للخارج.
وكانت تتوقع أوراقًا.
أو أموالًا.
أو ملفات.
لكن ما وجدته جعلها تتجمد.
كان هناك هاتف محمول قديم.
وصورة.
وصندوق صغير آخر.
أمسكت الصورة أولًا.
ثم شعرت بأن الأرض تميد بها.
لأن الصورة كانت تجمع:
أحمد.
ونور.
ورجلًا ثالثًا.
الرجل الثالث كان يضع ذراعه حول كتفيهما.
ويبتسم للكاميرا.
ومريم تعرفه.
جيدًا.
لأنه كان زوج خالتها.
الرجل الذي اعتبرته جزءًا من العائلة طول عمرها.
الرجل الذي كان الجميع ينادونه:
العم سامح.
لكن لماذا هو هنا؟
ولماذا الصورة موجودة في خزنة سرية؟
فتحت الهاتف القديم.
لحسن الحظ كان مشحونًا.
وبعد ثوانٍ…
ظهرت ملفات فيديو.
الكثير منها.
وأقدمها كان منذ ثلاث سنوات.
ضغطت تشغيل.
فظهر أحمد.
يجلس أمام الكاميرا.
وقال:
“لو حد غيري بيتفرج على الفيديو ده… يبقى الأمور خرجت عن السيطرة.”
قلب مريم بدأ يدق أسرع.
“أنا اسمي أحمد السيوفي.”
“ولو وصلتوا للفيديو ده…”
“يبقى غالبًا يا إما أنا ميت…”
“يا إما في السجن.”
شعرت ببرودة تسري في جسدها.
ثم أكمل:
“في حاجة لازم تعرفوها.”
“نور ما كانتش عشيقتي.”
أغمضت مريم عينيها.
ثم فتحتها من جديد.
كأنها تريد التأكد أنها لم تتخيل ما سمعت.
لكن أحمد أكمل:
“نور كانت بتساعدني.”
سكت.
ثم قال الجملة التي قلبت كل شيء:
“إحنا كنا بنحاول نثبت إن سامح منصور بيسرق ملايين الجنيهات من شبكة استثمار غير قانونية.”
شهقت مريم.
العم سامح؟
مستحيل.
الرجل الهادئ.
المحترم.
المحبوب من الجميع.
لكن الفيديو لم ينته.
“أول مرة اكتشفت الموضوع كانت بالصدفة.”
“وبعدها بدأت أجمع أدلة.”
“ولما حسوا بيا…”
“بدأوا يهددوني.”
ظهرت على الشاشة صور حسابات.
وتحويلات مالية.
وأسماء كثيرة.
ثم ظهرت صورة أخرى.
صورة لمريم نفسها.
شعرت بالخوف فورًا.
وقال أحمد في الفيديو:
“لما عرفوا إني مش هسكت…”
“قرروا يستخدموا مريم.”
الدم تجمد في عروقها.
“كل الديون اللي اتعملت باسمها…”
“كانت وسيلة ضغط عليا.”
ثم انحنى أحمد نحو الكاميرا.
وقال بصوت منخفض:
“لو بتشوفي الفيديو ده يا مريم…”
“فأنا آسف.”
“آسف على كل حاجة.”
دموعها بدأت تنزل دون إرادة.
ثم ظهر شيء غريب.
أحمد نظر حوله.
وكأنه خائف من أحد.
ثم قال:
“في حاجة ما قلتهاش لحد.”
“حتى نور.”
وسكت.
ثم أكمل:
“أنا عرفت إنك حامل قبل ما أمشي.”
ارتعشت يداها.
“شفت التحليل.”
“وخبيت إني شفته.”
“لأني كنت فاكر إن إبعادك عني هيحميكي.”
مريم أغلقت عينيها بقوة.
كل الذكريات عادت دفعة واحدة.
وجعها.
وخسارتها.
ووحدتها.
لكن أحمد أكمل:
“وأكتر حاجة هتفضل ندمان عليها طول عمري…”
“إني ما كنتش جنبك.”
انتهى الفيديو.
وبقيت مريم جالسة وحدها.
تتنفس بصعوبة.
ولا تعرف ماذا تصدق.
هل كان يكذب؟
هل كان يقول الحقيقة؟
هل كان يحاول فقط تبرير أخطائه؟
أم أنه بالفعل كان يحاول حمايتها بطريقة غبية ومدمرة؟
لكن قبل أن تجد إجابة…
فتحت الصندوق الصغير.
وفي داخله…
كانت فلاش ميموري.
ومعها ورقة واحدة.
مكتوب عليها:
“الدليل الكامل.”
“لو حصل لي حاجة… سلميه للنيابة.”
لكن أسفل الجملة…
كان هناك سطر آخر.
سطر واحد فقط.
جعل قلبها يتوقف.
لأنه كان مكتوبًا بخط مختلف.
ليس خط أحمد.
بل خط شخص آخر.
وجاء فيه:
“متثقيش في نور.”
تجمدت.
ثم أعادت قراءة الجملة مرة.
ومرتين.
وثلاثًا.
وفي اللحظة نفسها…
وصلتها رسالة على هاتفها.
من نور.
فتحتها بسرعة.
وكانت صورة.
فقط صورة.
لكنها كانت كافية.
لأن الصورة أظهرت نور…
جالسة داخل سيارة سوداء.
وبجوارها مباشرة…
العم سامح.
والرسالة تحت الصورة تقول:
“أنا عارفة إنك فتحتي الخزنة.”
“دلوقتي لازم تختاري…”
“تصدقي أحمد؟”
“ولا تصدقي عينيكي؟”
يتبع… 🔥
الفصل السابع
الصورة ظلت على شاشة هاتف مريم.
نور.
والعم سامح.
في سيارة واحدة.
ينظران للأمام.
وكأنهما يعرفان أن هذه الصورة ستصل إليها.
وكأنها رسالة مقصودة.
وليست صدفة.
مريم أعادت النظر إلى الورقة.
ثم إلى الفلاشة.
ثم إلى الصورة.
ثم همست لنفسها:
“أنا مبقتش عارفة أصدق مين.”
كان أسهل شيء في العالم أن تصدق ما تراه.
نور بجوار سامح.
إذًا نور تكذب.
القصة انتهت.
لكن المشكلة…
أن أحمد كان قد توقع هذا المشهد مسبقًا.
وترك تحذيرًا واضحًا:
“متثقيش في نور.”
خرجت من البنك.
وركبت عربيتها.
لكنها لم تدر المحرك.
جلست فقط.
تفكر.
لأكثر من ساعة.
حتى رن هاتفها.
رقم غريب.
ردت بحذر.
فجاءها صوت مألوف.
صوت كريم.
“إنتِ فين؟”
استغربت.
“عرفت رقمي منين؟”
ضحك بخفة.
“سؤال مهم فعلًا في الظروف دي.”
لأول مرة منذ أيام…
ابتسمت رغمًا عنها.
لكن صوته عاد جادًا.
“في راجل بيسأل عليكي.”
اختفت الابتسامة.
“مين؟”
“معرفش.”
“شكله عامل إزاي؟”
“محترم زيادة عن اللزوم.”
“دي مش إجابة.”
تنهد كريم.
“حاسس إنه مش جاي يشترك في الجيم.”
شعرت مريم بالقلق.
ثم قالت:
“لو رجع تاني كلمني.”
وأغلقت الخط.
لكنها لم تلاحظ السيارة الرمادية التي بدأت تتحرك خلفها منذ خروجها من البنك.
ولا الرجل الجالس بداخلها.
الذي كان يتحدث في الهاتف.
ويقول:
“أيوة يا باشا.”
“معاها الفلاشة.”
في الطرف الآخر جاءه الرد:
“متضيعهاش.”
في المساء…
كانت مريم في شقتها.
تحاول فتح محتويات الفلاشة.
لكنها كانت محمية بكلمة مرور.
حاولت اسم أحمد.
فشل.
اسم نور.
فشل.
تاريخ زواجهما.
فشل.
ثم فجأة…
تذكرت شيئًا.
يوم زفافها.
يومها كان أحمد دائمًا يردد جملة غريبة.
“في حاجات عمرها ما بتتنسى.”
وكان يقولها وهو يضحك.
كتبت تاريخ أول يوم تقابلا فيه.
وضغطت Enter.
وانفتحت الفلاشة.
توقفت أنفاسها.
عشرات الملفات.
عقود.
تحويلات.
صور.
تسجيلات.
وأسماء كبيرة.
أكبر مما تخيلت.
رجال أعمال.
شخصيات عامة.
وأصحاب شركات معروفة.
لكن الملف الأهم كان بعنوان واحد:
“الرأس.”
فتحته.
فظهرت صورة.
ولم يكن صاحبها العم سامح.
بل رجل آخر.
رجل تعرفه.
لكنها لم تره منذ سنوات.
شهقت.
“لا…”
لأن الصورة كانت لخالها.
طارق.
الأخ الأكبر لأمها.
الرجل الذي يعيش في الخارج منذ أكثر من عشر سنوات.
الرجل الذي كانت العائلة كلها تعتبره ناجحًا ومحترمًا.
لكن الوثائق أمامها كانت تقول شيئًا مختلفًا تمامًا.
كان هو الممول الحقيقي.
والشخص الذي يقف فوق الجميع.
حتى فوق سامح نفسه.
في اللحظة ذاتها…
رن هاتفها.
هذه المرة كانت نور.
ردت فورًا.
قبل أن تتكلم نور قالت مريم:
“طارق.”
ساد صمت.
صمت طويل.
ثم جاءها صوت نور:
“إذن وصلتي للحقيقة.”
شعرت مريم بقشعريرة.
“إنتِ كنتِ عارفة.”
“أيوة.”
“ومخبية؟”
“كنت بحاول أثبت.”
“ومين يثبتك؟”
صوت نور انكسر لأول مرة.
“محدش.”
ثم أضافت:
“عشان كده دخلت اللعبة.”
وبدأت تحكي.
منذ ثلاث سنوات…
اكتشفت بالصدفة أن سامح يعمل لصالح طارق.
وأن الأموال التي تمر عبر الشركات الوهمية أكبر من أن يتخيلها أحد.
حاولت إبلاغ أحمد.
فوجدت أنه اكتشف الأمر قبلها.
ومن هنا بدأ كل شيء.
الأدلة.
المراقبة.
والخطر.
ثم قالت الجملة التي جعلت مريم تتجمد.
“الصور اللي شوفتيها…”
“أنا اللي نشرتها.”
“ليه؟”
“عشان لو راقبونا يصدقوا إننا مع بعض.”
“ومش يشكوا إننا بنجمع أدلة.”
أغمضت مريم عينيها.
لأن جزءًا منها أراد أن يصدق.
لكن جزءًا آخر كان مرهقًا جدًا من الخداع.
قالت:
“أنا مش عارفة أصدقك.”
ردت نور بهدوء:
“وأنا لو مكانك مش هصدقني.”
ثم أضافت:
“بس في حاجة واحدة أكيدة.”
“إيه؟”
جاءها الرد سريعًا:
“هما عرفوا إن الفلاشة عندك.”
وفي اللحظة نفسها…
انطفأت أنوار الشقة كلها.
غرقت في الظلام.
وسمعت صوتًا خافتًا خلف باب المنزل.
صوت مفتاح.
يدور ببطء.
كأن شخصًا يفتح الباب من الخارج.
رغم أنها لم تعطِ مفتاح الشقة لأحد.
ثم جاءها همس نور المرتعب عبر الهاتف:
“مريم…”
“اهربي.”
يتبع… 🔥🔥

