حلم مؤجل الفصل الثامن حكايات اسما السيد
لدفع تكاليف علاج أخي التوأم، تظاهرت بأنني شاب حتى أحصل على وظيفة طاهٍ داخل قصر رجل يخاف من لمس النساء… لكن في الليلة التي قبلني فيها، انهارت كل الأكاذيب التي بنيتها حول نفسي.
في اللحظة التي لامست فيها شفاه سليم شفتي… شعرت أن قلبي توقف تمامًا.
كانت قبلة قصيرة. ناعمة. لكنها غيّرت كل شيء.
ابتعد سليم فجأة وكأنه صُدم من نفسه. اشتد فكه بقوة ثم قال بصوت مضطرب: ـ عمر… أنا آسف.
لم أستطع الرد. كان قلبي يدق بعنف لدرجة شعرت معها أن صدري سينفجر. أفكاري كلها تشابكت في رأسي بشكل مرعب.
لذلك استدرت بسرعة… وهربت من الغرفة قبل أن يرى الحقيقة كاملة فوق وجهي.
وفي تلك الليلة… لم أنم.
ظللت مستلقية فوق السرير أحدق في السقف المظلم بينما صوت المطر يضرب النوافذ.
وكلما أغمضت عيني… شعرت بالقبلة مجددًا.
دفء شفتيه. يده التي أمسكت بي. صوته المرتجف. والألم الموجود داخل عينيه.
لكن أسوأ شيء… أنني أردت أن يحدث ذلك مرة أخرى.
ومنذ تلك الليلة… لم يعد القصر يشعر بالأمان.
ليس بسببه… بل بسببي أنا.
في كل مرة يدخل فيها سليم غرفة… كنت أشعر بكل شيء يتعلق به.
صوت خطواته. رائحة عطره. طريقته في تخفيف صوته عندما يكلمني وحدي.وذلك أخافني أكثر من أي شيء.
لأنني بدأت أقع في حبه.
وأنا لم أكن عمر. لم أكن الشاب الذي انتحلته..
أنا لينا.وأحيانًا أثناء الطبخ… كنت أبتسم دون قصد وأنا أتذكر تلك القبلة. ثم أعود للواقع بسرعة وأكره نفسي.
أنا هنا من أجل عمر. من أجل العلاج. ليس للحب.
لكن المشكلة أن قلبي لم يكن يهتم بالمنطق.
والأسوأ من ذلك كله… أن شعور الذنب بدأ يقتلني ببطء.
لأنني أدركت شيئًا مرعبًا…أنا أيضًا أخدعه.
تمامًا كما خدعته زوجة أبيه يومًا.
كل مرة يبتسم لي فيها… كل مرة يشكرني على كوب شاي… كل مرة يعاملني فيها بلطف…كانت الحقيقة تصبح أقبح داخلي.وبدأ سليم يلاحظ تغيّري سريعًا.
في أحد الصباحات كان يحتسي قهوته بينما يراقبني بصمت.ثم قال فجأة: ـ شكلك مرهق.
تجنبت النظر إليه وأنا أرتب الأطباق. ـ أنا كويس يا فندم.
لكنه لم يقتنع.
وفي ذلك المساء… كنت أنشر المناشف المغسولة في الحديقة الخلفية عندما ظهر خلفي فجأة.
قال بهدوء: ـ إنت بتتجنبني.
تجمدت يدي فوق المنشفة.ثم قلت بسرعة: ـ لا يا فندم… بس مشغول شوية.
ظل يراقبني للحظات. ثم قال بنبرة خافتة: ـ زمان كنت بتجادل أكتر…نظرت إليه أخيرًا وقلت محاولة الهروب من التوتر: ـ ممكن أرجع أجادل لو ده مضايقك.
وللمفاجأة… ابتسم.
ابتسامة صغيرة جدًا. لكنها أربكتني بالكامل.
ثم اقترب خطوة وقال بهدوء بنبره انثويه اقسم انه تعمدها: بوسه واحده خوفتك مني؟توقفت أنفاسي.
نظرت بعيدًا بسرعة. ـ لا…ها. انا
سألني فورًا: ـ أومال إيه اللي اتغير؟
كل شيء… كل شيء اتغير…لكنني لم أستطع قول ذلك.
فهمست: ـ مفيش حاجة يا فندم.
اقترب أكثر. ثم قال وهو يحدق بعيني مباشرة: ـ إنتي كذابه فظيعه
شعرت بالتوتر يشل جسدي.
لكنه أخذ المنشفة من يدي بهدوء وعلقها بنفسه. ثم غادر… تاركًا قلبي في حالة فوضى كاملة.
وفي تلك الليلة… اتصلت بأمي.
وفور سماع صوتي قالت بقلق: ـ في إيه يا لينا؟
جلست فوق السرير وضممت الهاتف بقوة. ثم همست: ـ ماما… لو الكذب علشان نعيش بيأذي شخص كويس… أعمل إيه؟
ساد الصمت للحظة. ثم قالت أمي بهدوء: ـ قوليله الحقيقة قبل ما الحقيقة تسبقك وتروحله..شعرت بقلبي ينقبض.
همست: ـ ولو خسرت كل حاجة؟
قالت أمي بلطف: ـ أي حاجة مبنية على الخوف… عمرها ما بتفضل ثابتة يا بنتي.
أغلقت المكالمة بعدها وأنا أبكي…لأنني كنت أعرف أنها محقة…وان الحقيقه من تلميحاته قد وصلت إليه بالفعل
لكن الخوف يتملك مني
وخلال اليومين التاليين… عشت في رعب كامل.
كل مرة أقرر أخبره بالحقيقة… تخونني شجاعتي.
كنت أصل إلى باب مكتبه… أرفع يدي لأطرق… ثم أهرب.
وفي الليلة الثالثة… أمسكني متلبسة.
فتح الباب قبل أن ألمسه مباشرة. وكان واقفًا أمامي بذراعيه المعقودتين.
وقال ببرود ساخر: ـ ناوية تخبطي السنة دي ولا السنة الجاية؟تجمدت مكاني.
ثم همست: ـ أنا… كنت عايز أقولك حاجة.
نظر إلي للحظات طويلة. ثم ابتعد عن الباب وقال: ـ ادخل.
دخلت خلفه ببطء. رائحة الكتب والقهوة داخل مكتبه جعلت توتري أسوأ.
وقفت في منتصف الغرفة كأنني مجرمة تنتظر الحكم.
أما هو… فجلس بصمت ينتظر.
كانت يداي ترتجفان بعنف.
ثم خرجت الكلمات أخيرًا: ـ اسمي مش عمر.
لم يتحرك.
شعرت بالدموع تحرق عيني.
وقلت بصوت مرتجف: ـ اسمي الحقيقي لينا.
الصمت داخل الغرفة أصبح خانقًا.
أكملت بسرعة قبل أن أفقد شجاعتي: ـ أنا تظاهرت إني ولد علشان آخد الشغلانة… أخويا التوأم في غيبوبة من أربع سنين… بعنا كل حاجة علشان علاجه… ومبقاش معانا أي فلوس.
بدأ صوتي ينهار أكثر.
ـ الشغلانة دي كانت أملنا الأخير… كنت ناوية أشتغل بهدوء وأمشي قبل ما حد يعرف الحقيقة.
ظل سليم صامتًا بشكل أخافني.
فأكملت بسرعة والدموع تنزل على وجهي: ـ والله ما كنت عايزة أخدعك كل ده… كنت خايفة… وبعدها إنت بقيت طيب معايا… وده خلى الموضوع أصعب.
اختنق صوتي تمامًا.
ـ أنا آسفة… آسفة جدًا.
ظل ينظر إلي دون أي تعبير.
ثم همست بانهيار: ـ لو طردتني… هتفهم. بس أرجوك سامحني على الكذب.
صمت طويل جدًا ملأ الغرفة.
ثم زفر سليم ببطء… واستند إلى كرسيه دون أن يرفع عينيه عني.
لكن وجهه أصبح خاليًا تمامًا من أي مشاعر.
وذلك… كان أكثر شيء أخافني.
تمصير أسمـا السيـد_حصري حكـايـات أسمـا السـيد
يتبع…
