أمي وأبويا ماحضروش فرحي لأني اتجوزت عازف جيتار في فرقة موسيقية، بيركب موتوسيكل وعنده وشوم على دراعاته. هما حكموا عليه من شكله وشغله، وشافوا إنه مش الراجل اللي يليق ببنتهم. وبعد سنة كاملة من جوازنا، أبويا ظهر فجأة على باب بيتي، وبص لجوزي وقال قدامي: — أنا شوفتك خارج من المستشفى ومعاك ولد صغير... كفاية كدب. لازم تقول لها الحقيقة دلوقتي. بصيت لجوزي مستنية يضحك ويقول إن أبويا فاهم غلط. لكنه ما ضحكش. وشه اتغير... وساعتها عرفت إن أبويا فعلًا شاف حاجة ماكانش المفروض يشوفها. أنا اتربيت في بيت كان فيه كلام الناس والمظاهر أهم من أي حاجة. أمي كانت مخططة مستقبلي من وأنا صغيرة. كانت نفسها أتجوز دكتور أو مهندس أو راجل عنده وظيفة كبيرة، بيت محترم وعربية غالية، وتقدر تتباهى بجوز بنتها قدام قرايبها وصحابها. لكن أنا اخترت العكس تمامًا. وقعت في حب عازف جيتار في فرقة موسيقية محلية. كان بيطلع حفلات بالليل، بيركب موتوسيكل، وعنده وشوم واضحة على دراعاته. أول مرة أمي شافته، بصتله من فوق لتحت. وبعد ما مشي قالتلي: — متقوليش إن ده الشخص اللي بتفكري تتجوزيه! قلت: — أيوه... وأنا بحبه. قالت بصدمة: — عازف جيتار؟ وبالمنظر ده؟ الناس هتقول علينا إيه؟ لكن اللي أمي عمرها ما حاولت تعرفه إن الراجل اللي حكمت عليه من شكله كان أحن شخص قابلته في حياتي. لما كنت بتعب، كان بيفضل صاحي جنبي. لما كنت بخاف، كان أول واحد يطمني. وعمره ما مد إيده لفلوسي ولا طلب مني حاجة. ولما طلب مني أتجوزه، ما احتجتش أفكر. قلت: — موافقة. ومن هنا بدأت الحرب بيني وبين أهلي. أبويا قال: — الجوازة دي مش هتحصل. قلت: — وليه؟ — لأنه مش مناسب ليكي. — إنت حتى مقعدتش معاه كفاية علشان تعرفه. أمي قاطعتني: — مش محتاجين نعرف أكتر. شغله وشكله وطريقة حياته كفاية. حاولوا يضغطوا عليا بكل الطرق. لكن أنا اتجوزته. ويوم الفرح... فضلت أبص ناحية باب القاعة مستنية أشوف أمي وأبويا داخلين. لحد آخر لحظة كنت بقول لنفسي: أكيد هييجوا. أكيد مهما كانوا زعلانين، مش هيسيبوني في يوم زي ده. لكنهم ماجوش. عدت سنة كاملة. أنا وجوزي بنينا حياة هادية وسعيدة. وكل يوم كان بيثبتلي إن أهلي ظلموه لما حكموا عليه من شكله. لحد الليلة اللي جرس الباب رن فيها. فتحت... لقيت أبويا واقف قدامي. ماكنتش شوفته من شهور. قلت بقلق: — بابا؟ حصل حاجة لماما؟ قال: — لأ... أنا جاي علشان جوزك. في اللحظة دي جوزي خرج من الأوضة. أول ما أبويا شافه، ملامحه اتغيرت. قال: — أنا شوفتك من كام يوم. جوزي سكت. أبويا كمل: — شوفتك خارج من المستشفى ومعاك ولد صغير. بصيت لجوزي باستغراب. — ولد مين؟ ما ردش. أبويا قرب منه خطوة: — وسمعت الولد وهو بيناديك... فلازم تقول لبنتي الحقيقة دلوقتي. قلت بعصبية: — حقيقة إيه؟ جوزي بصلي. ولأول مرة من يوم ما عرفته، شوفته خايف. قال: — كنت هقولك. — كنت هتقولي إيه؟ — الولد اللي أبوكي شافه... سكت. سألته وأنا قلبي بيدق: — هو ابنك؟ قال بسرعة: — لأ. اتنفست. لكن بعدها قال: — هو أخويا. بصيتله بصدمة. — أخوك؟! إنت عمرك ما قلتلي إن عندك أخ صغير! قعد على الكنبة وقال: — لأنه أخويا من أبويا... ومحدش تقريبًا يعرف إنه موجود. وبدأ يحكيلي إن أبوه قبل ما يموت كان له علاقة بست تانية، وإن الست دي خلفت ولد. العيلة كلها تقريبًا ماكنتش تعرف. لكن جوزي اكتشف الموضوع بالصدفة. ومن وقتها، كان بيساعد الطفل وأمه سرًا. قلت: — والمستشفى؟ بصلي وقال: — الولد تعبان ومحتاج عملية. — وإنت كنت بتعمل إيه معاه؟ سكت ثواني. — التحاليل أثبتت إني أنسب واحد في العيلة أقدر أتبرع له. حسيت الدنيا لفت بيا. فجأة فهمت سبب اختفائه ساعات طويلة. المكالمات اللي كان بيخرج يرد عليها. والمبالغ اللي كانت بتتسحب من حسابه كل شهر. قلت: — وكنت هتعمل العملية من غير ما تقولي؟ قال: — كنت خايف تعرفي حكاية أبويا وتبصيلي زي ما أهلك بصوا لي. وقبل ما أرد... أبويا سأله: — والولد يعرف إنك أخوه؟ جوزي سكت. أبويا كرر: — يعرف ولا لأ؟ جوزي رفع عينه وبصلي. وقال جملة خلتني أنسى كل اللي سمعته قبلها: — لأ... الولد فاكر إني أبوه. اتجمدت. — يعني إيه فاكر إنك أبوه؟ قال: — أمه هي اللي فهمته كده... وأنا سكت. لكن اللي محدش فينا كان يعرفه إن أم الطفل كانت محتفظة بخطاب قديم من والد جوزي... وإن الخطاب ده كان فيه حقيقة أخطر بكتير عن هوية أبو الطفل. "الحكاية لم تنتهِ بعد..." 📖 رابط القصة الكاملة في أول تعليق. ✍️ الكاتبة أسما السيد بصيت لجوزي وأنا حاسة إن كل حاجة حواليا سكتت. حتى أبويا، اللي من أول ما دخل البيت وهو بيتكلم بثقة وعصبية، وقف مكانه من غير كلمة. قلت: — يعني إيه أمه فهمته إنك أبوه وإنت سكت؟ جوزي مرر إيده على وشه وقال: — الموضوع أعقد من كده. ضحكت ضحكة عصبية. — أعقد من إن طفل صغير بينادي جوزي "بابا" وأنا معرفش أصلًا إنه موجود؟ — اسمعيني للآخر. — أنا بقالي سنة مراتك! كان عندك سنة كاملة تحكيلي. أبويا قال بحدة: — وأنا من أول يوم قلتلك إن الراجل ده مخبي حاجة. لفيت له بسرعة. — لو سمحت يا بابا... متحولش الموضوع لانتصار ليك. سكت. رجعت بصيت لجوزي. — احكي. قعد على طرف الكنبة، وسند كوعيه على ركبته. وقال: — قبل ما أبويا يموت بحوالي سنتين، بدأت ألاحظ إنه بيختفي بالساعات. كنت وقتها مشغول في الفرقة ومش مركز معاه. وبعد وفاته بكام شهر، جالي اتصال من ست معرفهاش. — أم الولد؟ — أيوه. — قالتلك إيه؟ — قالتلي إن أبويا كان بيساعدها، وإن عندها طفل منه. حسيت بقبضة في صدري. قلت: — وإنت صدقتها كده؟ — لأ. في الأول افتكرتها بتحاول تاخد فلوس. روحت قابلتها وأنا ناوي أقول لها تبعد عن عيلتي. سكت شوية. — بس لما شوفت الولد... قلت: — إيه؟ — كان شبه أبويا بشكل يخض. أبويا سأل: — وعملت تحليل نسب؟ جوزي هز راسه. — طلبت منها. رفضت. بصيتله. — وده ما شككش؟ — جدًا. علشان كده بعدت فترة. — وبعدين؟ — بعدها بكام شهر اتصلت بيا من المستشفى. الولد كان تعبان جدًا. ملهاش حد، ومفيش حد معاها. روحت. سألته: — ومن يومها بقيت بتصرف عليه؟ — أيوه. — من غير ما تقول لي. — كنت بساعد طفل مالوش ذنب. قلت: — المشكلة مش إنك ساعدته. المشكلة إنك عملت حياة كاملة في السر. خفض عينه. — عارف. قلت: — وموضوع "بابا"؟ اتنهد. — أول مرة ناداني بيها كان عنده حوالي تلات سنين. أمه كانت دايمًا بتقوله إني أقرب حد لأبوه وإن أبوه مات. هو فهم بطريقته إني أبوه. — وإنت مصححتش له؟ — حاولت مرة. انهار وفضل يعيط. وأمه قالتلي سيبه لحد ما يكبر شوية. بصيتله بصدمة. — وإنت وافقت؟ قال بصوت واطي: — غلطت. لأول مرة من ساعة ما بدأ الكلام، حسيت إنه مش بيحاول يبرر. هو عارف إنه غلط. لكن لسه كان فيه سؤال أهم. قلت: — الخطاب اللي قلت عليه... فين؟ رد: — معرفش عنه حاجة. أبويا قال: — يبقى لازم نروح للست دي. جوزي رفع راسه بسرعة. — دلوقتي؟ قلت: — أيوه، دلوقتي. بصلي. — إنتِ متأكدة؟ — لأ. أنا مش متأكدة من أي حاجة من ساعة ما أبويا دخل الباب. بس متأكدة إني مش هنام الليلة قبل ما أعرف الحقيقة كلها. بعد أقل من ساعة، كنا واقفين قدام شقة صغيرة في عمارة قديمة. أنا. جوزي. وأبويا. أبويا أصر ييجي. قال: — أنا اللي فتحت الموضوع، ومش هسيبك لوحدك. كانت أول مرة من سنة أحس إنه بيتصرف كأبويا... مش كراجل عايز يثبت إنه كان صح. جوزي خبط. فتحت لنا ست في أواخر التلاتينات. أول ما شافته، وشها اتغير. وبعدين شافتني. قالت: — دي مراتك؟ رد: — أيوه. سكتت. قلت: — وأنا عارفة كل حاجة تقريبًا. بصتله بسرعة. — قلتلها؟ قلت: — هو قال اللي يعرفه. أنا جاية أعرف اللي إنتِ تعرفيه. الست فتحت الباب أكتر. دخلنا. وأول حاجة شفتها كانت صورة الطفل فوق ترابيزة صغيرة. نفس الطفل اللي أبويا شافه. كان عنده حوالي خمس سنين. وشه شاحب شوية... لكن عينيه فيها براءة خلت غضبي يهدى للحظة. خرج الطفل من الأوضة. أول ما شاف جوزي، وشه نور. جري عليه وهو بيقول: — بابا! حسيت قلبي اتقبض. جوزي نزل على ركبته وحضنه. لكن المرة دي... ملامحه كانت موجوعة. الطفل سأله: — إنت جيت علشان العملية؟ قال: — أيوه يا بطل. الولد بصلي. — مين دي؟ جوزي اتردد. قلت أنا: — أنا صاحبة بابا... قصدي صاحبة أخوك. الطفل استغرب. قبل ما يسأل، أمه قالت: — ادخل أوضتك يا حبيبي شوية. دخل. وأول ما الباب اتقفل، قلت لها: — لازم يعرف الحقيقة. قالت: — عارفة. جوزي قال: — ليه مقولتيلوش من الأول؟ ردت بعصبية: — علشان كنت لوحدي! طفل بيسألني كل يوم أبوه فين، وأنا معرفتش أقوله إن الراجل اللي كان بييجي يطمن عليه اختفى ومات قبل ما يعترف بيه قدام الناس. أبويا قال: — فين الخطاب؟ الست بصتله. — خطاب إيه؟ قلت: — الخطاب اللي والد جوزي سابه. وشها شحب. بصت لجوزي. — مين قالك عليه؟ قال: — محدش. هي اللي بتقول. سكتت فترة طويلة. وبعدين قامت. دخلت أوضتها. رجعت بصندوق خشب صغير. حطته على الترابيزة. وطلعت ظرف أصفر قديم. قالت: — أبوك اداني الخطاب ده قبل ما يموت بأسابيع. جوزي مد إيده. لكنها ما ادهتهوش. قالت: — لازم تعرف حاجة الأول. — إيه؟ قالت: — أنا كدبت عليك. سكتنا كلنا. جوزي قال: — في إيه؟ دموعها بدأت تنزل. — لما قلتلك إن الولد أخوك... مكنتش متأكدة. جوزي وقف. — يعني إيه مكنتيش متأكدة؟! — أبوك نفسه مكانش متأكد. قلت: — مش فاهمة. فتحت الخطاب. وقالت: — اقرأ. جوزي أخد الورقة. بدأ يقرا بصمت. وفجأة... إيده بدأت ترتعش. قلت: — مكتوب إيه؟ ما ردش. خدت الورقة منه. كان الخط قديم ومتقطع في أماكن، لكن الجملة الأخيرة كانت واضحة: "سامحيني لأني تأخرت في قول الحقيقة. الطفل لا أستطيع أن أنسبه لنفسي وأنا أعرف أن هناك احتمالًا كبيرًا أن يكون ابني هو والده." رفعت عيني ببطء. بصيت لجوزي. — ابنه... يعني إنت؟ وشه فقد لونه. أبويا قرب وخد الورقة. قراها مرتين. وبعدين قال: — يعني الطفل ممكن يكون ابنك فعلًا؟ جوزي لف ناحية الست. — اتكلمي. بدأت تعيط. — قبل ما أعرف أبوك... كنت أعرفك إنت. بصيت لجوزي. قال بصدمة: — أنا؟! قالت: — من سنين. بعد حفلة للفرقة. جوزي فضل باصصلها. وفجأة ملامحه اتغيرت. — استني... إنتِ كنتِ... قالت اسمه القديم اللي أصحابه في الفرقة كانوا بينادوه بيه. ساعتها عرفت إنه افتكرها. قال: — كانت ليلة واحدة. هزت راسها. — أيوه. بصيتله. قبل ما أتكلم قال بسرعة: — ده كان قبل ما أعرفك بسنين. والله العظيم قبل ما أشوفك أصلًا. قلت: — أنا مش بسألك عني. أنا بسألك عن الطفل. الست قالت: — بعدها اختفيت. وأنا اكتشفت إني حامل. جوزي قال: — طب وأبويا دخل في الموضوع إزاي؟ — قابلته بالصدفة وأنا حامل. عرف إني أعرفك، ولما فهم اللي حصل، قرر يساعدني. جوزي قال: — ليه مقاليش؟ ضحكت بمرارة. — لأنه كان خايف يبوظ مستقبلك. إنت وقتها كنت بتبدأ شغلك وعايز تسافر مع الفرقة. وقاللي نستنى لما الطفل يتولد ونعمل تحليل. أبويا سأل: — والتحليل حصل؟ قالت: — لأ. — ليه؟ مسحت دموعها. — لأن بعد الولادة حصلت مشاكل... وبعدين والد جوزك تعب. وكل حاجة اتأجلت. جوزي قال: — وبعد ما مات جيتي قولتيلي إن الولد ابنه هو؟! قالت: — كنت خايفة. — من إيه؟ — إنك لو عرفت إن فيه احتمال يكون ابنك، تاخده مني. صرخ: — فخليتيني أعيش سنين فاكر إن أبويا خان أمي وإن الطفل أخويا؟! قالت وهي بتعيط: — غلطت. ضرب جوزي كف بكف. وقعد. وأنا كنت واقفة... مش عارفة أتعامل مع اللي سمعته. الطفل اللي من ساعة كنت فاكرة إنه أخو جوزي... ممكن يكون ابنه. يعني ممكن يكون أنا متجوزة راجل عنده طفل عمره خمس سنين. لكن الغريب... إني لما بصيت ناحية باب أوضة الطفل، محستش بغضب منه. هو أكتر واحد في الحكاية دي كلها مالوش ذنب. قلت: — مفيش غير حل واحد. بصوا لي. — تحليل DNA. الست قالت بسرعة: — لأ. جوزي وقف. — المرة دي مش من حقك تقولي لأ. قالت: — أنا أمه. قلت لها: — بالظبط. وعلشان إنتِ أمه، لازم تبطلي تخليه يعيش في كدبة. سكتت. أبويا قال: — والبنت عندها حق. بصيت لأبويا. لأول مرة من ساعة ما بدأ الموضوع... كان واقف في صفنا إحنا الاتنين. بعد يومين، اتعمل التحليل. وكانت أطول أيام في حياتي. جوزي تقريبًا مبقاش بينام. وفي ليلة لقيته قاعد في البلكونة لوحده. قعدت جنبه. قال: — لو طلع ابني... سكت. قلت: — إيه؟ — حياتنا هتتغير. — أكيد. بصلي بخوف. — هتمشي؟ سكت شوية. قلت: — أنا مش هحاسبك على حاجة حصلت قبل ما تعرفني. اتنفس. لكن كملت: — بس هحاسبك على كل كدبة حصلت بعد ما اتجوزنا. نزل عينه. قلت: — إنت خبيت عني طفل، حتى وإنت فاكره أخوك. خبيت مستشفى وفلوس ومواعيد. الثقة دي محتاجة تتبني من جديد. قال: — عارف. قلت: — ولو طلع ابنك، الطفل مش هيدفع تمن أخطاء الكبار. دموعه لمعت. — إنتِ عارفة ليه أنا حبيتك؟ قلت: — مش وقت رومانسية. ضحك وسط دموعه. وأنا كمان ضحكت غصب عني. بعد أسبوع... المعمل اتصل. روحنا نستلم النتيجة. أنا وجوزي. الست كانت مستنيانا هناك. فتح الموظف الظرف. جوزي قرأ. سكت. بصيتله. — إيه؟ رفع عينه. كان بيعيط. مدلي الورقة. الاحتمالية كانت أكتر من 99%. الطفل... ابنه. جوزي حط إيده على وشه. وأمه بدأت تعيط. أما أنا، ففضلت ساكتة. مش علشان زعلانة. لكن علشان كنت بحاول أفهم إن حياتنا من اللحظة دي اتغيرت للأبد. خرجنا من المعمل. وأول شخص لقيناه مستنينا برا... كان أبويا. استغربت. قلت: — إنت بتعمل إيه هنا؟ قال: — مستنيكم. بص لجوزي. — النتيجة؟ جوزي قال: — ابني. أبويا سكت. كنت مستنية منه النظرة القديمة. نظرة: "شوفتِ؟ أنا قلتلك." لكنه قرب من جوزي وقال: — وهتعمل إيه؟ جوزي رد من غير تردد: — هبقى أبوه. — ومراتك؟ جوزي بصلي. قلت أنا: — دي حاجة بيني وبين جوزي. أبويا هز راسه. ثم مد إيده لجوزي. جوزي بص لإيده باستغراب. أبويا قال: — أنا ظلمتك. كلنا اتفاجئنا. كمل: — حكمت عليك من هدومك وشعرك والموتوسيكل والوشم. افتكرت إن الشكل هو اللي بيحدد الراجل. بص ناحية المستشفى. — لكن أنا شوفتك شايل الطفل هناك. كنت فاكر إني ماسك عليك مصيبة... دلوقتي فهمت إنك كنت واقف جنب طفل حتى وإنت فاكره أخوك. جوزي قال: — أنا كمان غلطت. خبيت على بنتك حاجات مكانش ينفع أخبيها. أبويا قال: — يبقى تصلح غلطك. وسكت لحظة. — وأنا أصلح غلطي. بعدها بأسبوع، حصلت عملية الطفل. جوزي كان جنبه. وأنا كنت مستنياه برا. وأبويا وأمي؟ أمي جات. أول مرة أشوفها من يوم فرحي. وقفت قدامي مترددة. قالت: — وحشتيني. كنت متخيلة اللحظة دي مئات المرات. كنت فاكرة إني هعاتبها. هقول لها إزاي قدرتي متحضريش فرحي؟ لكن لما شفتها قدامي... عيطت. وحضنتها. بعد العملية، دخلنا نشوف الطفل. كان مرهق لكنه مبتسم. بص لجوزي وقال: — بابا؟ جوزي قرب منه. — نعم يا حبيبي. الولد سأل: — أنا عملت حاجة غلط؟ جوزي اتخض. — ليه بتقول كده؟ — علشان ماما كانت بتعيط... وإنت كنت بتعيط. جوزي مسك إيده. — إنت معملتش أي حاجة غلط. وبص لأمه. ثم بصلي. وقال: — بس إحنا الكبار عملنا غلطات، وهنصلحها. الطفل بصلي. — وإنتِ مين؟ ابتسمت. المرة دي معرفتش أهرب من السؤال. قلت: — أنا مرات باباك. فتح عينه بدهشة. وبص لجوزي. — عندك مرات؟! ضحكت لأول مرة من قلبي من أيام. حتى جوزي ضحك. قال الطفل بجدية: — طب هي بتعرف تعمل بطاطس؟ قلت: — بعرف. ابتسم. — خلاص. بعد شهور... حياتنا مكانتش سهلة. كان فيه غضب. غيرة. أسئلة. جلسات طويلة بيني وبين جوزي. وحدود واضحة مع أم الطفل. وأهم حاجة... الطفل بدأ يعرف الحقيقة بطريقة تناسب سنه، من غير أكاذيب جديدة. أما أهلي... فرجعوا حياتي بالتدريج. وفي أول مناسبة عائلية كبيرة بعد كل اللي حصل، جوزي دخل البيت بالموتوسيكل بتاعه، لابس جاكيت جلد، والوشوم باينة على دراعه. أمي بصتله. ضحكت وقالت: — لسه الموتوسيكل ده؟ ابتسم: — للأسف يا حماتي. أبويا ضحك. والطفل جري عليه وهو بيصرخ: — بابا! جوزي شاله. وأبويا فضل باصص له ثواني. وبعدين قاللي بصوت واطي: — تعرفي أنا غلطت في إيه؟ قلت: — في حاجات كتير بصراحة. ضحك. وقال: — افتكرت إن الراجل المحترم لازم يبقى شكله زي الصورة اللي في دماغي. بص لجوزي وهو بيضحك مع ابنه. — طلعت الرجولة مش شكل ولا وظيفة. قلت: — وأنا كنت عارفة ده من الأول. قال: — متغرّيش بقى. ضحكت. لكن جوايا كنت عارفة إن الحكاية دي علمتني حاجة أهم. أهلي غلطوا لما حكموا على جوزي من شكله. وجوزي غلط لما افتكر إن الحب يبرر إخفاء الحقيقة. وأم الطفل غلطت لما حاولت تحمي ابنها بالكذب. حتى أنا غلطت لما تصورت إن الإنسان اللي بنحبه لازم نعرف عنه كل حاجة لمجرد إننا بنحبه. الحقيقة إن الثقة مش معناها إن مفيش أسرار بس... الثقة معناها إنك لما تخاف من الحقيقة، تختار تقولها برضه. أما الطفل اللي بدأ الحكاية كلها؟ فبعد سنة، كنت واقفة في المطبخ لما دخل عليا بورقة في إيده. قال: — عملتلك رسمة. فتحتها. كان راسم أربع أشخاص. هو. أبوه. أنا. وجد واقف جنبنا. سألته: — مين ده؟ قال بمنتهى البراءة: — جدو اللي كان زعلان من بابا وبعدين بقى صاحبه. ضحكت. وفي اللحظة دي سمعت صوت موتوسيكل جوزي تحت البيت. الولد جري ناحية الباب وهو بيصرخ: — بابا جه! بصيت للرسمة مرة أخيرة. وافتكرت يوم فرحي... لما فضلت أبص ناحية الباب مستنية أهلي يدخلوا، ومحدش جه. ماكنتش أعرف وقتها إن نفس الباب هيتفتح بعد سنة على سر يقلب حياتنا كلها. ولا إن السر ده، رغم وجعه... هيجبر كل واحد فينا يبص لنفسه ويعترف بغلطه. لأن ساعات أخطر حاجة مش الحقيقة اللي اتخبت... إنما الأحكام اللي بنصدرها على الناس قبل ما نعرف حقيقتهم. الحكاية انتهت. ✍️ الكاتبة أسما السيد