بعد الوفاه حكـايـات أسمـا×1
أمي قالت للناس إن مراتي ماتت… لكن بعد سنتين لقيتها واقفة قدام الفندق بتاعي شايلة بنت صغيرة، والحقيقة اللي ظهرت بعدها هدت عيلتنا كلها.
بنتي بتموت من الجوع.”الكلام ده خلاني أتجمد مكاني…
وأنا داخل الفندق بتاعي في وسط القاهرة.
أنا اسمي أحمد المنصوري…
المدير التنفيذي لمجموعة المنصوري جروب.
ومن سنتين…
الناس كلها كانت بتناديني:
“الأرمل المسكين.”
قالوا إن مراتي…
ندى…
ماتت بعد ما عربيتها اتحرقت على طريق القاهرة – الإسكندرية الصحراوي.
أمي هي اللي استلمت كل الإجراءات.
هي اللي استخرجت تصريح الدفن.
وهي اللي قالت لكل الناس إن الجث..ة اتحرقت لدرجة إن محدش قدر يتعرف عليها.
رجال الأعمال حضروا العزا.
والصحف كتبت عن المأساة اللي قلبت حياتي.
لكن الست اللي كانت واقفة تحت مظلة الفندق…
هدومها كلها مبلولة من المطر…وشايلة بنت صغيرة نايمة بين إيديها…
كانت عيونها…هي نفس عيون ندى.
قربت منها خطوة.
وقلت وأنا صوتي بيرتعش:
“ندى؟”
وشها اصفر فجأة.
وقالت بصوت واطي جدًا:
“ما تبينش إنك عرفتني…
أمك لسه مراقباك.”
في اللحظة دي…
البنت اتحركت وهي نايمة.
كان عمرها حوالي سنة.
ملفوفة في بطانية رمادي قديمة.
ولما بصيت في وشها…
اتصدمت.
كانت شبهّي بشكل يخوف.
حسيت الأرض بتميل بيا.
وبصيت للبنت.
وقلت بصوت مخنوق:
“دي…
بنتي؟”
ندى هزت راسها وهي بتعيط.
وقالت:
“أيوه…
اسمها ملك.”
في اللحظة دي…
كل حاجة انفجرت جوايا.
الصدمة.
الفرحة.
القهر.
الغضب.
الإحساس بالذنب.
كلهم نزلوا عليّ مرة واحدة.
كان نفسي أحضنهم.
وأروح أواجه أمي بالحقيقة.
لكن ما عملتش كده.
بصيت لموظفين الاستقبال وقلت بصوت عادي:
“المطبخ محتاج حد يساعد النهارده…
خدوها معاكم.”
ندى فهمت قصدي من أول نظرة.
وطت راسها…
ومشيت ورا الموظفين كأنها فعلًا جاية تدور على شغل.
دخلنا الجناح الخاص بيا.
قفلت الباب.
وقفلت الستاير.
واتأكدت إن مفيش حد يقدر يسمعنا.
بعدها…
شلت ملك بين إيديا لأول مرة.
كانت نايمة على صدري…
كأنها عارفة حضن أبوها من زمان.
ندى انفجرت في العياط.
وقالت:
“أمك خطفتني…
ودفعت لدكتور يزور التقارير…
وخلو كل الناس تصدق إني مت.”
بصيت لها وأنا مش مستوعب.
وسألتها:
“عملت كل ده ليه؟”
مسحت دموعها وقالت:
“كانت مقتنعة إن وجودي هيضيع مستقبل العيلة…
وقالت إني مش مناسبة لاسم المنصوري.”
قبل ما أتكلم…
الموبايل رن.
المتصل…
أمي.
رديت بمنتهى الهدوء.
قالت:
“يا أحمد…
ما تتأخرش.
عشا مجلس الإدارة هيبدأ بعد ساعة.”
بصيت للكدمة اللي على خد ندى.
وبعدين بصيت لإيد ملك الصغيرة…
وهي ماسكة طرف الكرافتة بتاعتي.
وقلت:
“حاضر…
جاي.”
قفلت المكالمة.
فتحت الدرج السري في المكتب.
طلعت موبايل قديم…
محدش يعرف عنه حاجة.
وبعت رسالة قصيرة جدًا للمحقق الخاص اللي كان بيتابع ملفات عيلتنا في السر من سنتين:
“ندى عايشة…
ابدأ المرحلة التانية.”
قفلت الموبايل.
وبصيت لندى.
وقلت بهدوء:
“السنتين اللي فاتوا…
كنت فاكر إني خسرت كل حاجة.
لكن النهارده…
ربنا رجعلي حياتي.
أمي لسه فاكرة إنها انتصرت…
بس بعد ساعة واحدة…
هتعرف إن النهاية بدأت…
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
الفصل الثاني
بعد ساعة واحدة…
كنت داخل قاعة مجلس الإدارة…
وكأن مفيش حاجة حصلت.
البدلة متكوية.
الابتسامة مرسومة.
والكل واقف يستقبلني.
لكن جوايا…
كان في بركان.
أمي كانت قاعدة على رأس الترابيزة.
لابسة بدلة سوداء أنيقة…
وعقد ألماس ورثته عن جدتي.
أول ما شافتني…
ابتسمت.
وقالت قدام الكل:
“أخيرًا يا أحمد… مستنيينك.”
قعدت مكاني…
وبصيت في وشها.
لأول مرة من سنتين…
حسيت إني ببص لواحدة معرفهاش.
السكرتير بدأ يعرض أرقام الشركة.
لكن ولا كلمة كانت داخلة دماغي.
كل اللي كنت شايفه…
الكدمة اللي على وش ندى.
وإيد بنتي الصغيرة وهي ماسكة الكرافتة بتاعتي.
فجأة…
الموبايل القديم اهتز جوه جيبي.
رسالة واحدة.
من المحقق.
“المرحلة الثانية بدأت.”
رفعت عيني.
ولقيت أمي بتراقبني.
ابتسمت وقالت:
“في حاجة مضايقاك؟”
ابتسمت أنا كمان.
وقلت بمنتهى الهدوء:
“لا…
بس النهارده هيبقى يوم مختلف.”
…
بعد نص ساعة…
باب القاعة اتفتح.
السكرتيرة دخلت وهي متوترة.
وقالت:
“يا فندم…
في رجال من النيابة برة.
ومعاهم إذن بالاطلاع على ملفات قديمة.”
أمي اتغير لونها.
لكن حاولت تضحك.
وقالت:
“أكيد فيه سوء تفاهم.”
بصيت لها.
وقلت:
“أكيد.”
دخل وكيل النيابة…
ومعاه اتنين من المباحث.
وقال بكل هدوء:
“مساء الخير…
إجراءات بسيطة.
ونرجو تعاون الجميع.”
بدأوا يراجعوا ملفات شركة التأمين…
وملفات الحادث القديم.
أمي كانت كل دقيقة تشرب مية.
وإيديها بترتعش.
وأنا…
ولا اتكلمت.
…
في نفس الوقت…
ندى كانت قاعدة في الجناح.
حاضنة ملك.
كل شوية تبص من الشباك.
وتقول لنفسها:
“يارب…
المرة دي تخلص.”
دخل عليها مدير أمن الفندق.
وقال باحترام:
“مدام ندى…
الباشا قال محدش يدخل هنا غير بإذنه.”
هزت رأسها.
لكن خوفها كان أكبر من أي كلام.
كانت عارفة…
إن الست اللي قدرت تخفيها سنتين…
ممكن تعمل أي حاجة.
…
وفجأة…
المحقق دخل عليا القاعة.
وسلمني ظرف أصفر.
فتحته.
كان فيه صور.
صورة لندى…
بعد الحادث مباشرة.
مربوطة في سرير داخل فيلا قديمة.
وصورة تانية…
لدكتور مشهور.
وهو بيستلم حقيبة مليانة فلوس.
وصورة تالتة…
لسواق العربية.
واقف سليم…
رغم إن التقارير قالت إنه مات.
قفلت الظرف.
وبصيت ناحية أمي.
لأول مرة…
الخوف الحقيقي ظهر في عينيها.
…
قالت وهي بتحاول تتمالك نفسها:
“الصور دي مزورة.”
رديت بهدوء:
“لسه محدش شافها.”
سكتت.
عرفت إنها وقعت.
…
وكيل النيابة قال:
“واضح إن عندكم معلومات جديدة.”
ناولته الظرف.
وقلت:
“أتمنى تحققوا فيها.”
أمي قامت فجأة.
وخبطت بإيدها على الترابيزة.
وقالت بصوت عالي:
“أحمد…
إنت بتضيع اسم العيلة.”
بصيت لها.
وقلت:
“العيلة ضاعت…
اليوم اللي حاولتي تقتلي مراتي.”
القاعة كلها سكتت.
رجال الأعمال بصوا لبعض.
ومجلس الإدارة اتجمد.
ولا حد كان مصدق اللي بيسمعه.
…
في اللحظة دي…
دخل أحد أفراد الأمن بسرعة.
وقال:
“يا فندم…
في ست حاولت تدخل الفندق بالقوة.”
قلبي وقع.
سألته بسرعة:
“مين؟”
قال:
“بتقول إنها خالة ملك…
وعايزة تاخد البنت.”
ندى أول ما سمعت الاسم…
صرخت.
وقالت:
“إوعوا تفتحو لها…
دي كانت معاهم.”
جريت ناحية الباب.
لكن قبل ما أوصل…
سمعنا صوت طفل بيعيط…
وصوت ست بتزعق في الاستقبال.
ولما خرجت…
لقيت عربية سوداء واقفة قدام الفندق…
وبابها الخلفي مفتوح…
وملك…
اختفت.
الفصل الثالث
“ملك اختفت!”
الجملة دي شقت قلبي نصين.
ندى صرخت صرخة هزت الفندق كله.
وجريت ناحية الباب وهي حافية.
وأنا طلعت أجري وراها.
رجال الأمن انتشروا في كل حتة.
أول ما خرجت بره الفندق…
لقيت العربية السودا بتتحرك بسرعة.
من غير ما أفكر…
خطفت مفاتيح عربية الأمن.
وركبت.
واحد من الحراس قعد جنبي.
والباقي طلعوا بعربيتين ورايا.
ندى كانت واقفة تحت المطر.
بتصرخ باسم بنتها.
والدموع نازلة على وشها.
بصيت لها من شباك العربية.
وقلت:
“أقسم بالله…
هرجعها.”
ودست بنزين.
…
العربية السودا دخلت الطريق الدائري.
كانت بتحاول تختفي وسط الزحمة.
لكن مدير الأمن بلغ غرفة المراقبة.
وخلال دقايق…
كاميرات الطرق بدأت تتابعها.
المحقق كلمني.
قال:
“العربية متسجلة باسم شركة وهمية.”
قلت:
“مين اللي وراها؟”
سكت ثواني.
وبعدين قال:
“لسه بنتأكد…
بس عندي إحساس إن والدتك مش لوحدها.”
…
بعد ربع ساعة…
العربية دخلت مخزن قديم على أطراف القاهرة.
وصلنا بعدهم بدقيقة.
لكن المكان كان هادي بشكل يخوف.
نزلت وأنا ماسك سلا..حي المرخص.
ورجال الأمن دخلوا معايا.
كل خطوة كانت تقيلة.
كل ثانية…
كنت حاسس إن بنتي ممكن تكون بتبعد عني.
سمعنا صوت عياط طفل.
جريت ناحية الصوت.
ولقيت ملك نايمة داخل عربية أطفال.
بتعيط.
جريت عليها.
حضنتها.
ولأول مرة…
سمعت كلمة صغيرة خرجت منها وهي بتبكي:
“بابا…”
اتجمدت.
يمكن كانت مجرد أصوات طفل.
لكن بالنسبة لي…
كانت أغلى كلمة سمعتها في حياتي.
…
المخزن كان فاضي.
الخاطفين هربوا.
لكنهم سابوا ظرف أبيض فوق الترابيزة.
فتحته.
كان جواه ورقة.
مكتوب فيها:
“دي مجرد رسالة.
لو عايز الحقيقة كاملة…
اسأل أمك عن ليلة الحريق.”
وفي آخر الورقة…
صورة قديمة.
أنا وندى.
ويوم فرحنا.
وعليها علامة × حمرا.
…
رجعنا الفندق.
ندى أول ما شافت ملك…
حضنتها بعنف.
وقعدت تبوس فيها وهي بتعيط.
وأنا واقف أبص لهم.
وأحاول أستوعب إن ربنا رجعلي أسرتي.
لكن الحرب…
لسه ما بدأتش.
…
في صباح اليوم التالي…
وصل تقرير المحقق.
حط الملف قدامي.
وقال:
“اقرأ الصفحة الأخيرة.”
فتحتها.
واتجمدت.
كان فيها نسخة من تحليل حمض نووي.
يثبت إن ملك بنتي بنسبة تكاد تكون مؤكدة.
لكن ده ما كانش اللي صدمني.
الصدمة كانت في السطر اللي تحته.
“تم العثور على تحويلات مالية كبيرة خرجت من حساب والدة أحمد إلى حساب طبيب وسائق وشخص ثالث مجهول الهوية.”
سألت المحقق:
“عرفتوا الشخص الثالث؟”
رد وهو بيقلب صفحة.
“أيوه…
بس أتمنى تكون مستعد.”
بصيت في الورقة.
وقريت الاسم.
حسيت الدم اتجمد في عروقي.
الاسم كان…
أخويا الأصغر…
كريم.
أخويا اللي كنت فاكره واقف في ضهري طول السنين دي.
أخويا…
كان شريك أمي من أول يوم.
الفصل الرابع
“كريم؟!”
الكلمة خرجت مني بالعافية.
فضلت أبص للاسم المكتوب في التقرير…
وأقراه مرة…
واتنين…
وعشرة.
يمكن أكون فاهم غلط.
يمكن يكون واحد تاني بنفس الاسم.
لكن الرقم القومي…
ورقم الحساب البنكي…
كانوا بتوع أخويا فعلًا.
رفعت عيني للمحقق.
وقلت:
“إنت متأكد؟”
هز راسه بهدوء.
وقال:
“التحويلات بدأت قبل حادث العربية بشهر.”
حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي.
أنا اللي كنت فاكر إن أخويا بيساعد أمي تعدي محنة وفاة ندى…
طلع هو جزء من الكارثة.
…
رجعت الجناح.
ندى كانت قاعدة على الكنبة.
وملك نايمة في حضنها.
أول ما شافت وشي…
عرفت إن في حاجة.
قالت بخوف:
“في إيه؟”
قعدت قدامها.
وسلمتها التقرير.
قرت الاسم…
وفجأة دموعها نزلت.
همست:
“أنا شوفته.”
بصيت لها بسرعة.
“شوفتي مين؟”
قالت:
“كريم.”
“كان بييجي الفيلا اللي كانوا حابسيني فيها.”
“كل أسبوع تقريبًا.”
“وفي مرة سمعته بيقول لواحد من الحراس…”
وسكتت.
قلت:
“قال إيه؟”
ردت وهي بترتعش:
“قال… لازم أحمد يفضل فاكر إنها ماتت… وإلا كل اللي عملناه هينهار.”
قفلت عيني.
لأول مرة في حياتي…
حسيت إن الخيانة وجعها أكبر من أي خسارة.
…
في نفس الليلة…
طلبت كريم يقابلني في مكتبي.
دخل وهو بيضحك.
حضني.
وقال:
“وحشتني يا أحمد.”
بصيت له.
وقلت بابتسامة هادية:
“وأنت كمان.”
قعد قدامي.
وقال:
“مالك؟ شكلك تعبان.”
قلت:
“بفكر في ندى.”
اتوتر للحظة.
بس حاول يخبي.
وقال:
“ربنا يرحمها.”
قلت وأنا ببص في عينيه:
“هي لو كانت عايشة…”
“كنت هتفرح؟”
اتخض.
لكن رد بسرعة:
“أكيد.”
ابتسمت.
وفتحت درج المكتب.
طلعت الصورة اللي فيها وهو واقف قدام الفيلا.
وحطيتها قدامه.
اللون اختفى من وشه.
فضل ساكت.
ولا نطق بحرف.
…
قلت بهدوء:
“تحب تشرح؟”
رد بعد صمت طويل:
“أنت فاهم غلط.”
طلعت كشف التحويلات.
وبعدين تسجيل من كاميرا محطة بنزين.
كان هو…
واقف جنب العربية اللي اتقال إنها اتحرقت.
قال بصوت مكسور:
“اسمعني.”
قلت:
“أنا ساكت.”
نزل دموعه.
لكن المرة دي…
ما صدقتهوش.
…
قال:
“أنا ما كنتش عايز أؤذي ندى.”
“ماما قالتلي إنها هتبعدها كام شهر.”
“وقالت إن ده لمصلحة العيلة.”
“وبعدها كل حاجة خرجت عن السيطرة.”
صرخت فيه:
“وسكت؟!”
“سنتين كاملين؟!”
“وانت شايف بنتي بتتولد بعيد عن أبوها؟”
وطول السنتين دول…
ولا مرة حسيت بتأنيب ضمير؟!”
وطى راسه.
وما عرفش يرد.
…
في اللحظة دي…
المحقق دخل المكتب بسرعة.
وقال:
“في مشكلة.”
قمت واقف.
“إيه اللي حصل؟”
قال:
“والدتك اختفت.”
“قبل عشر دقايق خرجت من الفيلا.”
“وسابت جواب.”
فتحت الظرف بسرعة.
كان مكتوب فيه بخط أمي:
“لو عايز تعرف الحقيقة كاملة…
تعالى للمزرعة القديمة قبل غروب الشمس.”
“وتعالى لوحدك.”
وتحت الرسالة…
كان فيه خاتم جواز ندى.
الخاتم اللي اختفى من إيدها…
يوم أعلنت أمي إنها ماتت.
عرفت وقتها…
إن المواجهة الأخيرة قربت.
وإن السر اللي استخبّى سنتين…
هيظهر قبل غروب الشمس.
الفصل الخامس
قبل غروب الشمس بنص ساعة…
كنت واقف قدام البوابة الحديد القديمة للمزرعة.
المكان ده…
كان ملك جدي.
ومن سنين طويلة…
اتقفل بعد ما كل العيلة نقلت للقاهرة.
بصيت حواليّا.
المكان مهجور.
الشجر يابس.
والتراب مغطي كل حاجة.
لكن كان فيه عربية سودا واقفة بعيد.
عرفت إنها موجودة.
طلعت الموبايل.
وبعت للمحقق رسالة واحدة:
“لو مردتش عليك خلال ساعة… ادخل.”
بعدها قفلت الموبايل.
ودخلت لوحدي.
…
أول ما فتحت باب المخزن القديم…
سمعت صوت أمي.
كانت قاعدة على كرسي خشب.
لابسة نفس الهدوء اللي كانت دايمًا بتستخبى وراه.
بصتلي.
وقالت:
“كنت عارفة إنك هتيجي.”
وقفت قدامها.
وقلت:
“ندى فين؟”
ابتسمت بسخرية.
وقالت:
“رجعتلك…
مش كفاية؟”
صرخت:
“ليه؟”
“ليه عملتي كل ده؟!”
لأول مرة…
ملامحها اتغيرت.
وقالت بصوت مليان غضب:
“لأنها ما كانتش تستحقك.”
“إنت ابن المنصوري.”
“ورث إمبراطورية كاملة.”
“وهي بنت موظف بسيط.”
“وجودها كان هيضيع كل اللي بنيته.”
قلت وأنا مش مصدق:
“بنيتيه؟”
“دي شركة أبويا.”
ضحكت.
وقالت:
“أبوك كان طيب بزيادة.”
“وأنا اللي كبرت المجموعة.”
“وأنا اللي كنت بحافظ على اسمها.”
“ومش هسمح لواحدة زيها تاخد كل حاجة.”
…
بصيتلها باحتقار.
وقلت:
“عشان كده زورتي وفاتها؟”
قالت بمنتهى البرود:
“كنت عايزة تبعد.”
“لكن هي رفضت.”
“والأمور اتعقدت.”
“اضطريت أخبيها.”
“بس عمري ما كنت ناوية أموتها.”
قلت:
“والكدمة اللي في وشها؟”
“والحبس؟”
“والحرمان من بنتها وأبو بنتها؟”
ما ردتش.
…
فجأة…
سمعنا صوت عربية.
أمي قامت بسرعة.
وقالت:
“واضح إنك ما جيتش لوحدك.”
في نفس اللحظة…
باب المخزن اتفتح.
دخل المحقق.
ومعاه قوة من الشرطة.
وكريم كان وراهم…
وراسه في الأرض.
أمي بصت له.
وقالت بصدمة:
“إنت بلغت عني؟”
كريم انفجر في العياط.
وقال:
“خلاص يا أمي.”
“كفاية.”
“أنا تعبت.”
“كل يوم كنت بصحى وأنا شايف وش أحمد.”
“وشوفته وهو بيموت بالبطيء.”
“وشوفت ملك وهي بتكبر من غير أبوها.”
“أنا السبب.”
“بس مش هقدر أكمل.”
…
الشرطة قربت منها.
الضابط قال:
“مدام فريدة المنصوري…”
“أنتِ مقبوض عليكي.”
بصتلي.
وقالت:
“هتسلمني؟”
رديت بهدوء:
“أنا ما سلمتش أمي.”
“إنتِ اللي سلمتي نفسك.”
…
بعد أسابيع…
المحكمة بدأت.
الدكتور اعترف.
السواق اعترف.
الحراس اعترفوا.
وكريم اعترف بكل اللي يعرفه.
أما أمي…
ففضلت تنكر.
لحد ما القاضي عرض تسجيل صوتي.
كان صوتها.
وهي بتقول:
“خلوه يصدق إنها ماتت.”
“طالما فاكرها ميتة…”
“عمره ما هيدور عليها.”
ساعتها…
عرفت إن النهاية وصلت.
…
بعد ست شهور…
رجعت البيت.
لكن المرة دي…
أنا وندى وملك.
البيت اللي عاش فيه الحزن…
رجع فيه الضحك.
ملك بقت تجري في الجنينة.
وتناديني:
“بابا.”
وكل مرة أسمعها…
كنت أحمد ربنا.
…
أما كريم…
اتحكم عليه بعقوبة أخف بعد تعاونه الكامل مع التحقيق.
وبعد خروجه بسنين…
طلب يقابلني.
وقف قدامي.
وقال:
“عارف إنك يمكن عمرك ما تسامحني.”
“بس أنا ندمان.”
بصيت له.
وقلت:
“النسيان مستحيل.”
“لكن الكراهية مش هترجع اللي راح.”
سيبته ومشيت.
…
وفي ليلة هادئة…
كنت قاعد في الجنينة.
ندى جت قعدت جنبي.
وقالت بابتسامة:
“فاكر أول مرة شفتني قدام الفندق؟”
ضحكت.
وقلت:
“افتكرت إني بشوف شبح.”
ضحكت هي كمان.
وحضنت ملك.
وقالت:
“ربنا رجعنا لبعض.”
بصيت للسماء.
وحسيت لأول مرة من سنين…
إن قلبي ارتاح.
لأن الحقيقة…
ممكن تتأخر.
لكن عمرها…
ما بتموت.
يتبع