لقاء غير متوقع حكـايـات أسمـا ×2
الفصل الخامس
الشارع كله سكت.
الناس اللي كانت ماشية وقفت تبص.
عمرو بص لسيف المنصوري، وحاول يخبي توتره بابتسامة مصطنعة.
مد إيده وقال:
“أهلاً… أكيد حضرتك الأستاذ سيف المنصوري. سمعت عن حضرتك كتير.”
سيف بص لإيده ثانيتين… لكنه ما صافحهاش.
قال بهدوء:
“أنا سألت سؤال.”
لف ناحيتي.
“في مشكلة يا سارة؟”
هزيت راسي.
“لأ… مفيش.”
عمرو اتدخل بسرعة.
“دي سوء تفاهم بسيط… أنا والد الطفلة.”
سيف بص لملك.
كانت مستخبية ورا ضهري، ومتمسكة في هدومي بكل قوتها.
قال:
“بنتك؟”
عمرو ابتسم.
“أيوه.”
سيف نزل على ركبته قدام ملك.
بص لها بابتسامة هادية.
وقال:
“تعرفيه؟”
ملك بصت لوشه… وبعدين بصت لعمرو.
وهزت راسها بالنفي.
وقالت ببراءة:
“لأ.”
الكلمة الصغيرة دي…
كانت أقوى من أي محكمة.
وش عمرو احمر.
قال بسرعة:
“أصلها صغيرة.”
لكن ملك كملت من غير ما حد يسألها:
“أنا معنديش بابا.”
حسيت قلبي اتكسر.
حضنتها بسرعة.
لكن سيف كان سامع كل كلمة.
قام وقف.
وبص لعمرو.
وقال بصوت ثابت:
“الطفلة قالت إنها متعرفكش.”
عمرو اتعصب.
“هي طفلة… مش فاهمة.”
رد سيف:
“الأطفال بيفتكروا اللي بيحبهم.”
…
بدأ الناس تتجمع.
واحدة ست كبيرة قالت بصوت مسموع:
“هو ده الراجل اللي ساب مراته وهي حامل؟”
واحد تاني قال:
“ربنا ينتقم من كل أب يسيب ولاده.”
عمرو حس بالإحراج.
فقال بعصبية:
“دي حياتي الخاصة.”
سيف رد بهدوء:
“يبقى خليك فيها… وسيب سارة تعيش حياتها.”
عمرو قرب خطوة.
وقال لسيف:
“وأنت مالك؟”
ابتسم سيف ابتسامة خفيفة.
“أنا مالي إن المؤسسة اللي بصرف عليها مسؤولة عن حماية الأسر اللي بتساعدها.”
…
عمرو ركب عربيته وهو متغاظ.
لكن قبل ما يمشي…
بص لسارة وقال:
“الكلام ده لسه مخلصش.”
وداس بنزين بعنف.
…
بعد ساعة…
كنت قاعدة في مكتب سيف.
لسه متوترة من اللي حصل.
قلت:
“أنا آسفة… بسببنا عملنالك مشاكل.”
ابتسم.
“المشكلة مش وجودك.”
“المشكلة إن في ناس فاكرة إن القوة معناها الفلوس.”
سكت شوية.
وبعدين فتح درج المكتب.
طلع ظرف قديم.
كان لونه أصفر من الزمن.
وقال:
“الظرف ده محتفظ بيه من سبع سنين.”
استغربت.
“إيه ده؟”
ناولني الظرف.
فتحته.
ولقيت جواب بخط إيدي.
شهقت.
“إنت محتفظ بيه؟”
ابتسم.
“ده أول جواب كتبتيهولي بعد وفاة والدي.”
افتكرت.
كنت كتبتله وقتها:
“مهما الدنيا قست عليك… أوعى قلبك يقسى على حد محتاج.”
سيف قال وهو بيبص للجملة:
“الجملة دي غيرت حياتي.”
“بعدها بدأت المؤسسة.”
“وبقيت كل مرة أتردد أساعد حد… أفتكر كلامك.”
دموعي نزلت.
ماكنتش متخيلة إن كلمات كتبتها وأنا عندي عشرين سنة…
تبقى سبب في إن بنتي تلاقي بيت بعد سنين.
…
وفي نفس الليلة…
كان عمرو قاعد في مكتبه.
قدامه صورة لسارة.
وصورة لملك.
دخل عليه رجل أربعيني.
قال:
“حضرتك طلبت تعرف كل حاجة عن سيف المنصوري.”
عمرو قال:
“ها… عرفت إيه؟”
الرجل حط ملف على المكتب.
وقال:
“في حاجة غريبة.”
عمرو فتح الملف بسرعة.
“إيه هي؟”
الرجل قال:
“سيف المنصوري عمره ما اتجوز.”
“ولا ارتبط بحد.”
“وكل اللي حواليه بيقولوا إنه من سنين رافض أي علاقة.”
عمرو ضيق عينه.
“ليه؟”
الرجل قال بهدوء:
“لأن في بنت واحدة فضل مستنيها طول عمره…”
وسكت ثواني.
ثم أكمل:
“واسمها… سارة.”
وقع الملف من إيد عمرو.
ولأول مرة…
بدأ يفهم إن الست اللي كان فاكر إنها هترجعله يومًا ما…
ممكن تكون خلاص لقت الشخص اللي عمره ما باعها ولا تخلى عنها.
الفصل السادس
فضل عمرو قاعد مكانه، وعينيه مثبتة على الملف.
فتح أول صفحة.
وفيها صورة قديمة.
أنا وسيف.
كنا واقفين في حفل تخرج الجامعة.
ولا بينا مسكة إيد.
ولا حضن.
مجرد صورة جماعية.
لكن نظرة سيف ليا كانت كافية تقول كل حاجة.
ضرب المكتب بإيده بعصبية.
وقال للرجل اللي قدامه:
“يعني طول السنين دي… كان مستنيها؟”
الرجل هز راسه.
“كل اللي اشتغلوا معاه بيقولوا إنه كان كل ما حد يفتح سيرة الجواز يقول: نصيبي راح في طريق تاني.”
عمرو قفل الملف بعنف.
وقال بينه وبين نفسه:
“مستحيل أخسرها بالشكل ده.”
الرجل استغرب.
“حضرتك سيبتها بنفسك.”
عمرو رد بحدة:
“سيبتها… لكن مش لحد ياخد مكاني.”
…
في اليوم التالي…
كنت أول يوم ليا في الشغل الجديد.
لبست بدلة بسيطة كانت المؤسسة جابتهالي.
ووديت ملك للحضانة.
أول ما دخلت الفصل.
المُدرسة نزلت لمستواها وقالت:
“اسمك إيه يا قمر؟”
ابتسمت ملك بخجل.
“ملك.”
“وبتحبي إيه؟”
قالت وهي حاضنة الدبدوب الأحمر:
“بحب ماما.”
المُدرسة ابتسمت.
أما أنا…
فخرجت بسرعة قبل ما دموعي تنزل.
…
وصلت المركز الطبي.
استقبلوني باحترام.
مدير المركز قال:
“الأستاذ سيف أوصى بيكي… لكن أوصاني بحاجة واحدة.”
استغربت.
“إيه هي؟”
قال:
“قال متجاملوهاش… ولو غلطت حاسبوها.”
ضحكت لأول مرة من قلبي.
وقلت:
“دي أول واسطة تعجبني.”
بدأت أشتغل.
ورجعت أحس بقيمتي.
المرضى بيشكروني.
والدكاترة مبسوطين.
ولأول مرة من سنين…
رجعت أحس إني قادرة أبني حياة لبنتي.
…
بعد أسبوع…
في آخر يوم شغل.
خرجت لقيت ملك واقفة عند الباب.
ماسكة في إيد سيف.
أول ما شافتني جريت عليا.
وقالت بحماس:
“ماما… عمو سيف جابني من الحضانة.”
بصيت لسيف باستغراب.
قال:
“الأستاذة منى اتصلت بيا.”
“العربية بتاعة الحضانة عطلت.”
“قولت أجيبها لحد ما توصلي.”
ابتسمت بخجل.
“تعبتك.”
هز راسه.
“بالعكس.”
ملك شدت إيده.
وقالت:
“عمو سيف.”
“ها يا ملك.”
“هو ينفع تيجي معانا تاكل مكرونة؟”
أنا اتكسفت.
قلت بسرعة:
“ملك مينفعش…”
لكن سيف ضحك.
وقال:
“ينفع طبعًا.”
…
في البيت…
ملك أصرت تحط لسيف طبق بنفسها.
وكانت كل شوية تقوله:
“كل دي.”
“اشرب العصير.”
“السلطة حلوة.”
وسيف كان بينفذ كلامها وهو بيضحك.
بعد الأكل…
خرجت أجيب الشاي.
ورجعت لقيت منظر وقف قلبي.
ملك كانت نامت على الكنبة.
وراسها على رجل سيف.
وهو قاعد ساكت…
بيعدل شعرها بحنان.
أول ما حس بيا.
شال إيده بسرعة.
وقال باعتذار:
“آسف… نامت فجأة.”
بصيت لملك.
كانت مبتسمة وهي نايمة.
أول مرة أشوفها مرتاحة بالشكل ده.
قلت بهدوء:
“من يوم اتولدت… عمرها ما نامت بالأمان ده.”
سيف سكت.
وبعدين قال بصوت منخفض:
“الأطفال بيحسوا.”
…
وفي نفس اللحظة…
كان عمرو واقف تحت العمارة.
شايف نور الشقة.
وشاف سيف وهو خارج بعد ساعة.
ابتسم ابتسامة خبيثة.
وقال:
“حلو…”
“كده بقي عندي اللي كنت مستنيه.”
طلع موبايله.
واتصل بصحفي يعرفه.
وقال:
“عندي فضيحة هتكسر اسم رجل الأعمال المثالي.”
“ملياردير بيستغل مؤسسة خيرية… عشان يقرب من أم شابة.”
الصحفي سكت لحظة.
وقال:
“معاك دليل؟”
ابتسم عمرو وهو بيبص لفوق ناحية الشقة.
“بكرة هيكون عندي صور… وهتبدأ اللعبة بجد.”
وفي الوقت نفسه…
لم يكن سيف ولا سارة يعلمان…
أن شخصًا بدأ يراقب كل خطوة يخطوانها.
وأن الأزمة القادمة…
لن تهدد سمعتهما فقط.
بل قد تحرم ملك من الحياة الهادئة التي بدأت تجدها أخيرًا.
الفصل السابع
مرت تلات أيام…
وأخيرًا بدأت أحس إن حياتي بترجع لطبيعتها.
الصبح أوصل ملك للحضانة.
أروح الشغل.
أرجع أعمل الغدا.
ونقعد أنا وهي نتفرج على الكرتون قبل ما تنام.
حياة بسيطة…
لكن بالنسبة لواحدة كانت لحد أسبوعين بتنام في عربية…
كانت نعمة كبيرة.
وفي صباح يوم الخميس…
وأنا داخلة المركز الطبي…
لقيت كل الموظفين بيبصوا لي.
فيه همس.
ونظرات غريبة.
سكرتيرة الاستقبال قربت مني وقالت بصوت واطي:
“مدير المركز عايزك حالًا.”
قلبي وقع.
خبطت على الباب.
سمعت صوته:
“اتفضلي يا سارة.”
دخلت.
لقيته قاعد ومعاه راجل لابس بدلة.
قدامي على المكتب مجلة إلكترونية مفتوحة.
وأول ما بصيت…
اتجمدت.
العنوان كان كبير:
“رجل الأعمال الشهير سيف المنصوري يستغل مؤسسة خيرية لإقامة علاقة مع أم شابة تعيش على التبرعات.”
وتحت العنوان…
صور ليا.
وأنا داخلة الشقة.
وأنا خارجة مع ملك.
وصورة لسيف وهو شايل أكياس طلبات طالعة معاه.
إيدي ساقت.
وقعدت على الكرسي.
قلت بصوت مخنوق:
“دي… دي كدب.”
الراجل اللي كان قاعد عرف نفسه.
“أنا المستشار القانوني للمؤسسة.”
قفل اللاب توب.
وقال:
“إحنا عارفين إنه كدب.”
“لكن لازم نتصرف بسرعة.”
في اللحظة دي…
باب المكتب اتفتح.
ودخل سيف.
وشه كان هادي جدًا.
لكن عينيه كانوا مليانين غضب.
أول ما شافني.
قال:
“إنتِ كويسة؟”
هزيت راسي بالعافية.
قلت:
“أنا السبب.”
قاطعني بسرعة.
“لأ.”
“السبب هو اللي فكر إنه يقدر يأذي واحدة ست علشان ينتقم.”
…
في نفس الوقت…
كان عمرو قاعد في مكتبه.
فاتح المواقع.
بيقرأ التعليقات وهو مبسوط.
واحد كاتب:
“واضح إن الأعمال الخيرية بقت ستارة لحاجات تانية.”
وواحد تاني:
“لو الخبر صحيح يبقى مصيبة.”
ابتسم.
وقال لنفسه:
“دلوقتي هيبعد عنها.”
لكن بعد أقل من ساعة…
الموبايل رن.
كان الصحفي نفسه.
رد عمرو بثقة.
“ها… التفاعل عامل إيه؟”
الصحفي قال بارتباك:
“في مشكلة.”
“إيه؟”
“المؤسسة نزلت بيان رسمي.”
عمرو فتح البيان بسرعة.
وكان مكتوب فيه:
“ننفي ما تم نشره جملةً وتفصيلًا، وقد تم تكليف الفريق القانوني باتخاذ الإجراءات ضد كل من نشر أو روج أخبارًا كاذبة تمس كرامة المستفيدين من خدمات المؤسسة.”
ولم يكتف البيان بذلك…
بل نشر كاميرات المراقبة الخاصة بالمؤسسة.
الفيديو أظهر كل شيء.
سارة دخلت مع باقي الأسر.
استلمت وجبتها مثل الجميع.
وجلست في المكان المخصص.
وسيف لم يقترب منها إلا بعد انتهاء توزيع الطعام على جميع الموجودين.
ثم ظهر مقطع آخر…
يوضح أن لجنة مستقلة هي التي اختارت الأسرة للحصول على الشقة قبل أسابيع، وليس بقرار شخصي.
وخلال ساعات…
انقلبت التعليقات.
“إزاي يشهروا بأم غلبانة بالشكل ده؟”
“اللي صورها لازم يتحاسب.”
“ربنا يجازي اللي سترها وساعدها.”
…
في المساء…
كنت قاعدة في البيت، وأنا لسه مرعوبة من اللي حصل.
رن جرس الباب.
فتحت.
لقيت سيف.
لكن المرة دي…
مكانش لوحده.
كان معاه محامي كبير.
قال بهدوء:
“ممكن ندخل؟”
دخلوا.
قعد المحامي وفتح حقيبته.
طلع منها ملف.
وقال:
“إحنا عرفنا مين اللي سرب الصور.”
بصيتله بقلق.
“مين؟”
فتح أول صفحة.
وفيها تقرير من شركة أمن.
وصور واضحة.
ثم قال الجملة اللي خلت الدم يجري في عروقي:
“الشخص اللي دفع فلوس عشان يراقبك ويصورك…”
وسكت لحظة.
“…هو عمرو.”
لكن الصدمة الحقيقية…
ما كانتش إنه هو.
الصدمة…
إن التقرير أثبت كمان إنه كان بيراقبك من قبل ما تروحي المؤسسة.
ومن قبل ما تعرفي سيف أصلًا.
وكأن عنده هدف أكبر…
لسه محدش عرفه.
الفصل الثامن
فضلت باصة للتقرير، وإيديا بتترعش.
بصيت للمحامي وقلت بصوت مخنوق:
“يعني… عمرو كان بيراقبني من قبل ما يعرف إني قابلت سيف؟”
هز المحامي رأسه بهدوء.
“للأسف… أيوه.”
سيف مد إيده وأخد الملف، وقلب في الصفحات لحد ما وقف عند تقرير معين.
قال:
“بصي هنا.”
قربت.
كان فيه كشف بمواعيد.
اليوم اللي اتفصلت فيه من الشغل.
اليوم اللي صاحب الشقة طردني.
اليوم اللي العربية تعطلت بيا وأنا وملك.
كل حاجة مكتوبة بالتاريخ والساعة.
شهقت.
“إزاي عرف كل ده؟”
المحامي قال:
“مش بس عرف… في احتمال كبير إنه كان السبب.”
حسيت الأرض بتلف بيا.
“يعني إيه؟”
فتح صفحة تانية.
“صاحب العمارة اعترف إن شخصًا اتصل بيه، وقاله إنك هتهربي من الإيجار، ونصحه يطردك بسرعة.”
“ومديرة الحضانة اعترفت إن حد اتبرع للحضانة بشرط إنهم يلغوا خصم الرسوم اللي كنتِ واخداه.”
دموعي نزلت.
افتكرت الأيام اللي كنت بجري فيها من مكان لمكان، وأنا فاكرة إن الدنيا كلها ضدّي.
لكن الحقيقة…
كان في شخص واحد بيدفع الدنيا كلها ضدي.
سألت بصوت مرتعش:
“ليه؟”
سيف رد وهو بيقفل الملف:
“علشان تكسري.”
“وترجعي له.”
افتكرت آخر مرة شوفته فيها قبل ما يسيبني.
كان واقف عند باب الشقة.
وقال بثقة:
“هترجعيلي لما تعرفي إن الدنيا من غيري مستحيلة.”
ساعتها افتكرت إنه مجرد بيهدد.
لكن واضح…
إنه كان بينفذ تهديده.
…
في نفس الليلة…
كان عمرو قاعد في مكتبه يشرب قهوته.
دخل عليه مساعده وهو متوتر.
“يا فندم… في مشكلة كبيرة.”
رفع عمرو عينه.
“إيه؟”
“شركة الأمن اللي كنت متفق معاها سلّمت التسجيلات للمحكمة.”
وقع فنجان القهوة من إيده.
“إيه؟!”
“وفي موظف سابق اعترف إن حضرتك كنت بتطلب منه يراقب تحركات الأستاذة سارة.”
وقف عمرو بعصبية.
“مين اللي خانني؟”
رد المساعد:
“واضح إنهم خافوا بعد ما المؤسسة رفعت قض..ية.”
عمرو لف ناحية الشباك.
وبدأ لأول مرة يحس إن الأرض بتتهز تحت رجليه.
…
بعد يومين…
وصلني استدعاء من المحكمة.
كنت خايفة.
لكن سيف قال وهو بيطمني:
“إنتِ مش متهمة.”
“إنتِ صاحبة حق.”
دخلت المحكمة.
ولقيت عمرو واقف على الناحية التانية.
أول ما شافني ابتسم.
ابتسامة كلها غرور.
كأنه متأكد إنه هيكسب.
لكن بعد دقائق…
دخل شاهد جديد.
رجل كبير في السن.
وأول ما شفته…
عرفته.
كان صاحب العمارة اللي طردني.
وقف قدام القاضي وقال:
“أنا جايلكم أقول الحقيقة.”
القاضي سأله:
“اتفضل.”
قال الرجل وهو باصص في الأرض:
“أنا ظلمت الست دي.”
وساد صمت كامل داخل القاعة.
ثم أكمل:
“راجل اسمه عمرو إداني مبلغ كبير… وقال لي أطردها هي وبنتها مهما كانت الظروف.”
كل العيون اتجهت ناحية عمرو.
وشه اصفر.
لكن المفاجأة الأكبر…
كانت لما وقف شاهد تاني.
مديرة الحضانة.
وقالت:
“وأنا كمان أخطأت.”
“في شخص دفع تبرع كبير للحضانة… مقابل إلغاء التخفيض الخاص برسوم بنتها.”
بص القاضي لعمرو.
وقال بلهجة حازمة:
“هل عندك ما تنفي به هذه الأقوال؟”
سكت عمرو.
ولأول مرة…
اختفى غروره.
لكن قبل ما ينطق…
فتح باب المحكمة فجأة.
ودخل رجل خمسيني أنيق، يحمل حقيبة جلدية سوداء.
وقف بثبات وقال:
“عذرًا يا سيادة القاضي… عندي مستندات جديدة.”
التفت الجميع إليه.
ثم قال:
“أنا المراجع المالي السابق لشركة الأستاذ عمرو…”
“والمستندات دي هتثبت إن اللي حصل مع السيدة سارة…”
“كان مجرد بداية.”
“لأن في جرائم أكبر بكتير… لسه محدش يعرف عنها حاجة.”
وانتهت الجلسة وسط ذهول الجميع…
الفصل التاسع
قاعة المحكمة غرقت في صمت ثقيل.
كل الأنظار اتثبتت على الرجل الخمسيني وهو بيقرب من منصة القاضي، ماسك الحقيبة الجلدية بإيده كأنها شايلة أسرار سنين.
القاضي قال بهدوء:
“عرف بنفسك.”
رد الرجل بثبات:
“اسمي عادل رشدي… كنت المدير المالي لشركة الأستاذ عمرو لمدة سبع سنين.”
بص عمرو ناحيته، ووشه احمر من الغضب.
صرخ:
“ده كذاب! اتفصل من الشركة بسبب اختلاس.”
الرجل ما اهزش حتى رموش عينه.
طلع ملف سميك من الشنطة، وقال:
“لو كنت مختلس، مكنتش احتفظت بنسخ من كل المستندات اللي تثبت الحقيقة.”
المحامي بتاع سيف استأذن من القاضي، وأخد الملف.
بدأ يقلب الصفحات، وبعد ثواني رفع راسه وقال:
“سيادة القاضي… المستندات دي فيها تحويلات مالية، وأوامر صرف، ورسائل إلكترونية.”
القاضي طلب يشوفها.
ولما قلب أول كام ورقة…
ملامحه اتغيرت.
…
عادل كمل كلامه:
“من أربع سنين، الأستاذ عمرو كان بيدفع فلوس لشركات وأشخاص مقابل مراقبة السيدة سارة.”
بصيت له وأنا مش مستوعبة.
“أربع سنين؟”
يعني حتى قبل ما أولد ملك…
كان بيراقبني.
قال عادل:
“ولما عرف إنها رفضت ترجعله… بدأ يضغط عليها بطرق غير مباشرة.”
“اتصل بصاحب العمارة.”
“واتدخل عند مدير الشغل.”
“ودفع فلوس علشان يضيق عليها.”
القاضي سأل:
“وليه يعمل كل ده؟”
عادل سكت لحظة.
وبعدين قال:
“لأنه كان مقتنع إنها في النهاية هتستسلم وترجع له.”
…
عمرو قام واقف فجأة.
وقال بعصبية:
“كل ده كذب.”
المحامي سأله:
“طيب تفسر إزاي التحويل ده؟”
وعرض على الشاشة تحويل بمبلغ كبير.
التاريخ…
كان قبل يوم واحد من طردي من الشقة.
والجهة المستفيدة…
صاحب العمارة.
عمرو اتلعثم.
“دي… دي كانت سلفة.”
رد المحامي:
“غريبة… لأن بعدها مباشرة في رسالة من حضرتك مكتوب فيها: (نفذ اللي اتفقنا عليه).”
القاعة كلها همهمت.
…
القاضي قرر تأجيل الجلسة أسبوع، وطلب التحفظ على كل المستندات، واستدعاء شهود جدد.
خرجت من المحكمة وأنا مش قادرة أتكلم.
سيف كان ماشي جنبي.
قال بهدوء:
“إنتِ قوية.”
ابتسمت بحزن.
“أنا تعبت.”
وقف قدامي.
وقال:
“القوة مش معناها إن الإنسان ميضعفش.”
“القوة إنه يقوم كل مرة يقع فيها.”
…
وأنا راجعة البيت مع ملك…
لقيت ظرف أبيض تحت باب الشقة.
افتكرته إعلان.
لكن أول ما فتحته…
اتجمدت.
كان فيه صورة قديمة جدًا.
أنا وسيف.
واقفين في حديقة الجامعة.
وخلف الصورة مكتوب بخط إيد أعرفه كويس:
“فاكرة أول وعد بينا؟ لسه مستني أوفي بوعدي.”
بصيت لسيف باستغراب.
قال وهو مبتسم:
“دي الصورة الوحيدة اللي احتفظت بيها.”
سألته:
“إيه الوعد؟”
ابتسم بحنين.
وقال:
“وعدتك وقتها… إن لو الأيام فرقتنا، ولقيتك يوم محتاجة حد… هكون أول واحد يقف جنبك.”
سكت لحظة.
ثم أكمل:
“يمكن اتأخرت… لكن الحمد لله لحقت.”
نزلت دموعي.
لأول مرة من سنين…
حسيت إن ربنا بيعوضني عن كل ليلة بكيت فيها.
لكن في نفس اللحظة…
كان عمرو قاعد لوحده في مكتبه.
كل الأدلة ضده.
الشهود بيتكلموا.
وشركاؤه بدأوا يبعدوا عنه.
مسك موبايله.
واتصل برقم مجهول.
أول ما الطرف التاني رد، قال بجملة واحدة:
“نفذوا الخطة الأخيرة… قبل الجلسة الجاية.”
وفي الجهة المقابلة…
جاله الرد:
“أوامرك يا فندم.”
وبمجرد ما قفل المكالمة…
ابتسم عمرو ابتسامة مخيفة.
كأنه لسه مخبي ورقة أخيرة…
قادرة تقلب كل الموازين…
يتبع