العوده حكـايـات أسمـا ×2
الفصل الثاني: الظرف المفقود
وقف أحمد بجوار النقالة كأن الأرض انسحبت من تحت قدميه.
“أمك أخدت الظرف اللي كان في شنطتي.”
كانت كلمات سارة ضعيفة، لكنها نزلت عليه كالصاعقة.
المسعفون كانوا منشغلين بتثبيت الأجهزة حولها، لكن أحمد لم يعد يسمع شيئًا.
أي ظرف؟
ولماذا ستأخذه والدته؟
أمسك بيد سارة المرتجفة.
“أي ظرف يا سارة؟”
أغمضت عينيها من شدة الألم.
“الظرف البني… اللي كنت مخبياه في جيب الشنطة الداخلي.”
ثم انكمش جسدها فجأة مع موجة ألم جديدة.
تدخل المسعف فورًا.
“لو سمحت ابعد شوية يا فندم.”
بدأوا ينقلونها نحو سيارة الإسعاف.
وقبل أن تُغلق الأبواب، أمسكت سارة بكم قميصه.
“أحمد…”
“أنا معاكي.”
“متسيبش الظرف…”
ثم أُغلقت الأبواب.
انطلقت سيارة الإسعاف في شوارع القاهرة الفارغة بعد منتصف الليل.
أما أحمد فركب سيارته خلفها مباشرة.
لكن طوال الطريق لم يفارق عقله سؤال واحد.
ما الذي كان داخل ذلك الظرف؟
—
وصلوا إلى المستشفى.
استقبلهم فريق الطوارئ بسرعة غير عادية.
وما إن اطلع الطبيب على النتائج الأولية حتى تغيرت ملامحه.
“لازم ندخلها العمليات فورًا.”
شعر أحمد أن قلبه توقف.
“الطفل بخير؟”
تبادل الأطباء النظرات.
ثم قال أحدهم:
“إحنا بنحاول نحافظ على الاتنين.”
كادت ركبتاه أن تخوناه.
بعد دقائق اختفت سارة خلف أبواب العمليات.
وبقي هو وحده.
وحيدًا تمامًا.
إلا من هاتفه الذي بدأ يهتز من جديد.
أمه.
منى منصور.
للمرة الخامسة.
رفض المكالمة.
فعادت تتصل.
رفضها مرة أخرى.
ثم جاءت رسالة.
“رد عليا حالًا.”
شعر بالغضب لأول مرة.
ضغط على الاتصال.
أجابت فورًا.
“أخيرًا.”
قال بحدة:
“إنتِ كنتِ عند سارة النهارده؟”
ساد صمت قصير.
ثم قالت:
“أيوة.”
“كانت بتتألم.”
“مغص عادي.”
“إنتِ قلتي لها متتصلش بالإسعاف؟”
تنهدت والدته بضيق.
“يا ابني الستات الحوامل بيبالغوا.”
صرخ للمرة الأولى في حياته بوجهها.
“هي في العمليات دلوقتي!”
سكتت.
ثم قالت بصوت منخفض:
“إيه؟”
أغلق المكالمة.
لم يعد يحتمل.
—
مرّت ساعتان.
ثم ثلاث.
وأخيرًا خرج الطبيب.
وقف أحمد فورًا.
“مراتي؟”
ابتسم الطبيب بتعب.
“الحمد لله.”
كاد أحمد يبكي من الراحة.
لكن الطبيب أكمل:
“لولا إنها وصلت في الوقت المناسب كان ممكن نخسر الطفل.”
أغمض أحمد عينيه.
لأول مرة شعر برعب حقيقي.
كان على بعد ساعات فقط من كارثة لا يمكن إصلاحها.
—
في السابعة صباحًا.
عاد إلى البيت.
كان المنزل صامتًا بشكل مخيف.
دخل غرفة النوم.
كل شيء كما تركه.
الملاءات.
الفوطة.
الحقيبة.
اقترب من حقيبة سارة.
وفتح الجيب الداخلي.
فارغ.
جلس على طرف السرير.
ثم بدأ يبحث.
وفي أسفل الدولاب وجد شيئًا صغيرًا.
قصاصة ورق ممزقة.
التقطها.
وعليها جزء من عبارة:
“…اختبار الحمض النووي…”
تجمد في مكانه.
اختبار حمض نووي؟
شعر بقشعريرة تسري في جسده.
ثم وجد ورقة ثانية أسفل الكومود.
“…إثبات الأبوة…”
لم يعد يتنفس.
ما الذي كانت سارة تخفيه؟
وما علاقة والدته بالأمر؟
ولماذا أخذت الظرف؟
في تلك اللحظة بالذات…
رن جرس الباب.
فتح أحمد.
فوجد امرأة أنيقة في الخمسينات تقف أمامه.
لم يرها من قبل.
لكنها كانت تعرفه جيدًا.
قالت بهدوء:
“أنت أحمد منصور؟”
“أيوة.”
ناولته بطاقة تعريف.
ثم قالت الجملة التي جعلت الدم يتجمد في عروقه:
“أنا المحامية الخاصة بوالد سارة.”
اتسعت عيناه.
“والد سارة متوفي من سنين.”
هزت رأسها.
“لا.”
ثم نظرت إليه مباشرة.
“والد سارة الحقيقي ما زال على قيد الحياة.”
صمت.
صمت كامل.
حتى أنه لم يسمع صوت السيارات بالخارج.
ثم أضافت المرأة:
“وكان داخل الظرف المفقود ما يكفي لتغيير حياة الجميع.”
يتبع…الفصل الثالث: الأب الذي لم يمت
شعر أحمد أن الأرض تميل تحت قدميه.
“إزاي يعني والد سارة الحقيقي عايش؟”
سألها وهو يحدق فيها بعدم تصديق.
دخلت المرأة بهدوء إلى الصالة.
وجلست على أول مقعد قابلها.
ثم وضعت حقيبة جلدية سوداء بجوارها.
وقالت:
“اسمي هدى السيوفي… وأنا المحامية الخاصة بالأستاذ فؤاد السيوفي.”
كرر الاسم في رأسه.
السيوفي.
اسم لم يسمعه من سارة طوال سنوات زواجهما.
قال:
“سارة كانت دايمًا بتقول إن أبوها مات وهي صغيرة.”
تنهدت المحامية.
“وده اللي خلتها أمها تصدقه طول عمرها.”
اتسعت عيناه.
“يعني أمها كانت كذابة؟”
هزت رأسها.
“القصة أعقد من كده.”
—
قبل ثلاثين سنة…
كان فؤاد السيوفي رجل أعمال شاب يمتلك شركة استيراد صغيرة.
تزوج من أم سارة عن حب.
لكن الزواج لم يستمر.
خلافات.
مشاكل.
ثم طلاق.
وفي أثناء معركة الطلاق سافرت الزوجة فجأة واختفت.
أخذت معها طفلتها الصغيرة.
واختفت تمامًا.
حاول فؤاد الوصول إليهما سنوات طويلة.
لكن دون جدوى.
ومع الوقت أخبرته الجهات الرسمية أن الأم غيرت محل إقامتها أكثر من مرة.
ثم انقطعت الأخبار.
سنوات تحولت إلى عقود.
حتى فقد الأمل.
—
قال أحمد بذهول:
“يعني سارة عندها أب حي ومتعرفش؟”
فتحت المحامية الحقيبة.
وأخرجت ملفًا سميكًا.
“وكانت هتعرف.”
ثم أضافت:
“الظرف اللي أمك أخدته كان فيه نتائج تحليل DNA.”
شعر أحمد بالدوار.
“DNA؟”
“أيوة.”
“ليه؟”
قالت المحامية:
“لأن الأستاذ فؤاد وصل لسارة من ست شهور.”
—
بدأ كل شيء عندما شاهدها بالصدفة في إحدى الصور على الإنترنت.
ملامحها.
ابتسامتها.
عينيها.
كانت نسخة طبق الأصل من والدتها أيام الشباب.
دفعه إحساس غريب للتحقق.
وبعد سلسلة طويلة من التحريات…
توصل إليها.
لكن قبل أن يكشف نفسه طلب إجراء تحليل DNA رسمي.
وجاءت النتيجة.
تطابق كامل.
سارة ابنته.
الوحيدة.
—
جلس أحمد في صمت.
ثم سأل:
“إيه اللي كان في الظرف غير التحليل؟”
نظرت إليه المحامية مباشرة.
وقالت:
“وصية.”
رفع رأسه بسرعة.
“وصية؟”
“فؤاد السيوفي مصاب بمرض خطير.”
شعر أحمد بأن قلبه انقبض.
“والأطباء ادوله شهور معدودة.”
ثم أضافت:
“وسارة هي الوريثة الوحيدة لكل حاجة.”
ساد الصمت.
صمت ثقيل.
قبل أن تنطق المحامية بالجملة التالية:
“إمبراطورية كاملة.”
—
بعد ساعة واحدة…
كان أحمد جالسًا داخل غرفة سارة بالمستشفى.
يراقبها وهي نائمة.
الأجهزة تحيط بها.
وطفلهما ما زال يقاوم داخل الحضانة الخاصة بالأجنة المبتسرين.
أمسك يدها برفق.
وفكر.
إذا كانت المحامية تقول الحقيقة…
فلماذا أخذت أمه الظرف؟
هل كانت تعرف ما بداخله؟
أم أنها أخذته بدافع الفضول فقط؟
في تلك اللحظة…
فتح باب الغرفة.
ودخلت والدته.
منى منصور.
كانت ملامحها متوترة.
لكنها ما إن رأت ابنها حتى قالت:
“الحمد لله إنها بخير.”
وقف أحمد ببطء.
وقال:
“فين الظرف؟”
تجمدت.
ثانية واحدة فقط.
لكنها كانت كافية.
عرف أنها تعرف.
—
قال بحدة:
“فين الظرف يا أمي؟”
بدأ القلق يظهر على وجهها.
“أي ظرف؟”
“متكدبيش.”
صمتت.
ثم قالت:
“كنت خايفة عليك.”
شعر أحمد بالغضب يشتعل داخله.
“إيه علاقة الظرف بيا؟”
أخرجت من حقيبتها مغلفًا بنيًا.
نفس المغلف.
نفس الظرف.
ثم قالت:
“قريته.”
انقبض قلبه.
“إيه؟”
“كله.”
جلس على الكرسي بصدمة.
أما هي فجلست أمامه.
وقالت بصوت مرتجف:
“لما شفت اسم فؤاد السيوفي افتكرت إني أعرفه.”
رفع أحمد رأسه.
“تعرفيه؟”
ثم جاءت المفاجأة.
المفاجأة التي لم يتوقعها أحد.
قالت منى:
“لأن فؤاد السيوفي… كان خطيبي قبل ما أتجوز أبوك.”
شعر أحمد وكأن قنبلة انفجرت داخل الغرفة.
وأدرك أن قصة الظرف أخطر بكثير مما تخيل.
وأن الماضي الذي دفنته والدته منذ ثلاثين عامًا…
عاد الآن ليهدد الجميع.
يتبع…