الفصل الثالث: واحد مننا الجملة وقعت عليهم كأن حد طفى آخر ذرة أمان في المكان. — الشخص اللي خطف الأطفال... موجود معاكم في الممر دلوقتي. محدش اتحرك. حتى صوت الحريق اللي كان جاي من بعيد بقى كأنه اختفى للحظة. عمر لف ببطء. بص لرئيس الأمن. ثم للحارسين. ثم لسارة. ليام كان متعلق في رقبة واحد من أفراد الأمن، ووشه مدفون في كتفه من الخوف. رئيس الأمن مد إيده ناحية جهاز اللاسلكي. — محدش يتحرك. الحارس اللي شايل ليام قال: — حضرتك بتشك فينا؟ — أنا مش بشك في حد... ومش بثق في حد. عمر أشار للطفل. — نزّل ليام. الحارس اتردد. ثانية واحدة. بس عمر شافها. وقال بحدة: — قلت نزّله. الحارس ابتسم. ابتسامة صغيرة جدًا. غريبة. وبدل ما ينزل الطفل... رجع خطوتين لورا. رئيس الأمن مد إيده ناحية الطفل. — سامح... هات الولد. سامح. أحد أفراد الأمن. راجل في أواخر التلاتينات. بيشتغل في المستشفى من ست سنين. الكل يعرفه. الكل يسلم عليه. الأهالي كانوا ساعات يسيبوا أولادهم معاه دقايق وهم بيجيبوا حاجة من الكافتيريا. لكن سامح ما سلّمش الطفل. بالعكس. حط إيده في جيبه. عمر صرخ: — إيدك مكانها! سامح ضحك. — متأخر أوي يا عمر بيه. سارة شهقت. — إنت! بصلها. — أيوه أنا. — إنت اللي كنت بتراقبني؟ — من أول يوم دخلتي فيه هنا. — ونهى؟ ملامحه اتغيرت. — أختك كان المفروض تموت. صوت نهى جه من الممر السري: — وأنا سمعت الجملة دي قبل كده. سامح رجع أكتر وهو ماسك ليام. الطفل بدأ يعيط. — عمو عمر... عمر حاول يحافظ على هدوئه. — بصلي يا ليام. الطفل بص له. — مفيش حاجة هتحصلك. سامح قال بسخرية: — بلاش وعود إنت مش قدها. عمر رفع عينه له. — عايز إيه؟ — الملف. — ملف إيه؟ — اللي في إيدك. عمر بص للملف اللي عليه اسمه. — ده؟ — حطه على الأرض وزقه ناحيتي. — وسيب الطفل. — الملف الأول. سارة صرخت: — ماتديلوش حاجة! سامح لف ناحيتها. — اخرسي. ثم بص لعمر. — عندك خمس ثواني. عمر نزل الملف ببطء. لكن قبل ما يحطه... ليام عمل حاجة محدش توقعها. عض سامح في كتفه بكل قوته. سامح صرخ. إيده ارتخت. الطفل وقع على الأرض. وفي اللحظة نفسها، رئيس الأمن اندفع عليه. وقعوا الاتنين. الحارس التاني شال ليام بسرعة. عمر جرى يساعد رئيس الأمن. سامح حاول يطلع حاجة من جيبه، لكنهم سيطروا عليه. سارة وقفت فوقه وهي بتترعش. — أختي فين؟ سامح ضحك وهو على الأرض. — اسألي اللي فوق. — مين اللي فوق؟! — اللي إنتوا كلكم بتقولوله: يا دكتور. عمر فهم فورًا. مدير المستشفى. الفصل الرابع: نهى دخلوا الممر السري. في نهايته كانت فيه غرفة صغيرة. لما فتحوها... سارة وقفت مكانها. امرأة نحيفة جدًا كانت قاعدة على الأرض. شعرها طويل ومهمل. وشها شاحب. لكن الشبه بينها وبين سارة كان واضح لدرجة مرعبة. — نهى... المرأة رفعت عينيها. سارة جريت عليها. حضنتها. الاتنين انفجروا في العياط. — إنتِ عايشة! نهى كانت بتلمس وش أختها كأنها مش مصدقة. — كنت فاكرة إني مش هشوفك تاني. — قالولي إنك موتي! — كانوا عايزينك تصدقي كده. عمر قرب. — مين؟ نهى بصت له. أول ما شافته... اتغير وشها. — إنت عمر؟ — تعرفيني؟ ضحكت بمرارة. — أنا مستنياك من سنين. سارة بصتلها بصدمة. — إنتِ تعرفيه منين؟ نهى أشارت للملف. — عشان الملف ده. عمر قعد قدامها. — أنا عايز أفهم كل حاجة. نهى أخذت نفس طويل. — المستشفى دي كان تحتها من سنين قسم أبحاث خاص. في البداية كان قانوني. أبحاث أمراض وراثية نادرة، تجارب علاجية، ملفات أسر. سكتت. — بعدين دخل الفلوس. عمر قال: — يعني إيه؟ — بعض الناس اكتشفوا إن المعلومات الطبية نفسها ممكن تبقى أغلى من العلاج. — مش فاهم. — سجلات نسب. تحاليل وراثية. أطفال اتولدوا من غير تسجيل صحيح. عائلات غنية مستعدة تدفع عشان أسرار معينة ماتطلعش. سارة همست: — وإنتِ عرفتي؟ نهى هزت راسها. — كنت بشتغل في الأرشيف. عمر سأل: — والأطفال اللي اختفوا؟ نهى بصت له بسرعة. — مش كلهم مخطوفين. — يعني إيه؟ — بعض الحالات كان بيتم نقلها بشكل غير قانوني بين الأقسام علشان تتزور تقاريرها الطبية أو تتاخد منها عينات وتحاليل من غير علم أهلها. وفي حالات قديمة جدًا... سكتت. عمر حس إن الكلام جاي عليه. — كملي. نهى قالت: — كان فيه أطفال حديثي الولادة اتبدلت ملفاتهم. عمر بص للملف. — وأنا واحد منهم؟ نهى ما ردتش فورًا. ثم قالت: — أيوه. الصمت كان أقسى من أي صوت. عمر فتح الملف. — مين أمي؟ نهى مدت إيدها. — آخر صفحة. فتحها. اسم امرأة. وتحت الاسم... صورة. عمر تجمد. المرأة كانت شابة. ملامحها... قريبة منه بشكل يخوف. — دي أمي؟ — أيوه. — ماتت؟ نهى هزت راسها. — ماتت بعد ولادتك بأيام. — وأبويا؟ نهى سكتت. عمر رفع عينه. — مين أبويا؟ — الرجل اللي رباك. اتصدم. — إيه؟ — والدك كان والدك الحقيقي. — أمال ليه مكتوب أسرة بديلة؟ — لأن المشكلة ماكنتش في أبوك. سكتت لحظة. — المشكلة كانت في أمك. عمر قرب. — إيه مشكلتها؟ نهى قالت: — أمك كانت زوجته الأولى. عمر حس إن صدره اتقفل. — أنا عمري ما سمعت إن أبويا اتجوز قبل أمي. — محدش كان عايزك تعرف. — ليه؟ نهى بصت له. — لأن أمك اكتشفت حاجة في المستشفى قبل ما تولدك. — إيه؟ — نفس الحاجة اللي أنا اكتشفتها بعد سنين. الفصل الخامس: المدير فوق... كان مدير المستشفى واقف في مكتبه. الدخان بدأ يقل. الحريق اتضح إنه محدود. مفتعل. مش هدفه يحرق المستشفى. كان هدفه يعمل فوضى. مدير المستشفى فتح درج مكتبه. طلع شنطة صغيرة. حط فيها أوراق. فلوس. هارد ديسك. وجواز سفر. فتح الباب. لقى ضابط شرطة واقف قدامه. — حضرتك رايح فين يا دكتور؟ ابتسم. — كنت نازل أطمن على المرضى. — بالشنطة؟ سكت. الضابط قال: — ياريت تفضل في المكتب. المدير رجع. لكن عينيه راحت ناحية الشباك. الدور كان عالي. مفيش هروب. طلع موبايله. بعت رسالة واحدة: "امسحوا السيرفر." لكن الرسالة ماوصلتش. الشبكة الداخلية كانت اتقفلت. لأول مرة... عرف إن الدائرة بدأت تقفل عليه. تحت الأرض، نهى كانت بتكمل. — أمك دخلت المستشفى وهي حامل فيك. في الوقت ده كان مدير المستشفى الحالي طبيب صغير في قسم الأبحاث. عمر قال: — وكان يعرف أبويا؟ — أكتر مما تتخيل. — والصورة؟ — أبوك كان بيمول جزء من الأبحاث بشكل رسمي. كان فاكر إنه بيساعد في تطوير علاجات للأطفال. عمر قفل عينيه. بدأت الصورة تتجمع. — ولما عرف الحقيقة؟ نهى قالت: — حاول يقفل القسم. — نجح؟ — رسميًا... أيوه. — وفعليًا؟ — لأ. سارة قالت: — كملوا من تحت. نهى هزت راسها. — غيروا النشاط. قللوا عدد الناس. وبدل ما يبقى قسم واضح، بقى شبكة صغيرة. عمر سأل: — وأبويا سكت؟ — ما سكتش. — أمال؟ نهى بصت له بحزن. — أبوك قضى سنين يجمع أدلة. عمر ضحك بمرارة. — وأنا كنت فاكره رجل أعمال كل اللي همه الشغل. — كان بيحاول يحميك. — من مين؟ نهى قالت: — من مدير المستشفى. الفصل السادس: تسجيل الأب نهى قامت بصعوبة. سارة سندتها. مشيت ناحية الحائط. شالت بلاطة صغيرة. وراها كان فيه صندوق معدني. فتحته. طلعت فلاشة قديمة. مدتها لعمر. — دي السبب إني فضلت عايشة. — إيه عليها؟ — أبوك. عمر تجمد. — أبويا؟ — تسجيل. طلعوا من الممر بعد ما وصلت قوات الشرطة والدفاع المدني. اتنقل ليام فورًا للطوارئ. ونهى اتنقلت للكشف عليها. أما عمر... فدخل غرفة اجتماعات صغيرة. حطوا الفلاشة في جهاز منفصل. ظهر فيديو. الصورة قديمة. والده كان قاعد قدام الكاميرا. شعره فيه شيب. ملامحه مرهقة. عمر ماقدرش يتكلم. اشتغل التسجيل. والده قال: — لو إنت بتشوف الفيديو ده يا عمر، يبقى أنا فشلت إني أخلص الموضوع قبل ما يوصل لك. عمر حط إيده على فمه. صوت أبوه كأنه رجع من الموت. — أمك الحقيقية اسمها داليا. كانت أشجع إنسانة عرفتها. اكتشفت إن فيه ملفات أطفال بيتتم التلاعب فيها، وحاولت تبلغ. عمر عينه دمعت. — لما ولدت بيك، حاولوا يقنعوني إنك ماتت. عمر رفع راسه فجأة. الفيديو كمل: — لكن ممرضة شابة ساعدتني أوصل لك. ظهر اسم في الشاشة. والد نهى وسارة. سارة شهقت. نهى بدأت تبكي. والد عمر كمل: — خرجتك من المستشفى، وبعد وفاة أمك، اتجوزت بعد سنوات من المرأة اللي إنت عرفت طول حياتك إنها أمك. هي عرفت الحقيقة، وقبلت تربيك كابنها، وحبتك أكتر من نفسها. عمر دموعه نزلت. أمه اللي ربته ماكانتوش كذبت عليه علشان تخدعه. كانت بتحميه. الفيديو كمل: — لو بتسأل ليه ماحكتلكش... أنا اللي طلبت منها. كنت خايف إنك تدور ورا الحقيقة. ثم تغيرت ملامح الأب. — الشخص اللي لازم تحذر منه هو الدكتور فؤاد مرسي. مدير المستشفى. — كان شريكي في مشروع الأبحاث الأول. ولما اكتشفت اللي بيحصل، حاولت أوقفه. سكت الأب. — ولو موت قبل ما أسلمه للعدالة... ماتصدقش إن موتي كان طبيعي. عمر وقف. رئيس الأمن بص له. سارة شهقت. عمر رجع الفيديو. سمع الجملة تاني. "ماتصدقش إن موتي كان طبيعي." أبوه مات بأزمة قلبية مفاجئة. أو ده اللي قالوه. الفصل السابع: المواجهة دخل عمر مكتب المدير. الشرطة كانت موجودة. فؤاد قاعد على الكرسي. هادئ. غريب قد إيه كان هادي. عمر حط صورة أبوه قدامه. فؤاد بص لها. — وحشك؟ عمر كان نفسه يضربه. لكن ماعملش. — أبويا مات إزاي؟ فؤاد ابتسم. — زي ما قال التقرير. — التقرير اللي مستشفاك كتبته؟ اختفت الابتسامة. عمر حط الفلاشة قدامه. — هو ساب تسجيل. فؤاد بص للفلاشة. لأول مرة... الخوف ظهر. عمر شافه. وقال: — أهو ده وشك الحقيقي. فؤاد حاول يرجع لبروده. — تسجيل رجل ميت مش دليل. الضابط قال: — لكن السيرفرات اللي لقيناها تحت ممكن تبقى دليل. فؤاد لف بسرعة. — سيرفرات إيه؟ غلطته كانت واضحة. الضابط ابتسم. — غريبة... حضرتك المفروض ماتعرفش إن فيه مكان تحت أصلًا. فؤاد سكت. عمر قرب. — ليام اتخطف ليه؟ فؤاد قال: — أنا معرفش طفل بالاسم ده. الضابط حط قدامه صورة. — وده؟ صورة من كاميرا مخفية. فؤاد واقف جنب سامح. وتاريخها... ليلة اختفاء ليام. فؤاد وشه اتغير. — الصورة ممكن تكون مفبركة. الباب اتفتح. دخلت نهى على كرسي متحرك. سارة وراها. فؤاد أول ما شافها... اتجمد. — إنتِ؟ نهى ابتسمت. — مستغرب؟ فؤاد همس: — إنتِ موتي. — حاولت. سارة قربت منه. — تلات سنين وأنا بزور قبر فاضي. فؤاد ما ردش. نهى قالت: — عارف أكبر غلطة عملتها إيه؟ سكت. — إنك سيبتني عايشة علشان تعرف الأدلة فين. الضابط سأل: — الأدلة فين؟ نهى بصت لعمر. — مش في المستشفى. فؤاد ابتسم فجأة. — يبقى معندكوش حاجة. نهى ردت: — لأ. وطلعت مفتاح صغير من جيبها. — أبو عمر علمني حاجة مهمة. فؤاد بدأ يتوتر. نهى كملت: — الدليل اللي له نسخة واحدة... مش دليل. الفصل الثامن: المخزن المفتاح فتح صندوق أمانات قديم كان والد عمر مأجره باسم شركة انتهى نشاطها من سنين. جواه... كان فيه كل حاجة. دفاتر مالية. أسماء. تواريخ. تحويلات. تقارير طبية أصلية ومعدلة. مراسلات بين فؤاد وعدد من الأشخاص. وأهم شيء... نسخ من بلاغات حاول والد عمر تقديمها قبل وفاته. القض\ية انفجرت. لكن الحقيقة كانت مختلفة شوية عن الإشاعات اللي بدأت تنتشر. ماكانش فيه "مستشفى بيخطف أطفال ويبيعهم" بالشكل اللي الناس تخيلته. اللي ظهر كان شبكة فساد منظمة استغلت قسم أبحاث قديم في التلاعب بملفات طبية، وإجراء تحاليل وإجراءات غير مصرح بها، وإخفاء أخطاء وجرائم قديمة، واستخدام الأطفال المرضى كغطاء لتحركاتهم. أما ليام... فسبب اختياره كان أبسط وأقذر. كان شاهد. صحى في ليلة وشاف سامح بيدخل المنطقة المحظورة. شاف فؤاد. وسمع أسماء. ولما حاول يحكي لصاحبه... قرروا يعزلوه لحد ما يعرفوا هو شاف قد إيه. سارة كانت جزءًا من الشبكة لفترة قصيرة. لكن مش بإرادتها الكاملة. بعد اختفاء أختها، وصل لها تهديد: "اشتغلي معانا... تعرفي أختك راحت فين." دخلت باسم مزور. نفذت أوامر. وسكتت. لحد ليلة ليام. لما شافت طفل بيتاخد... افتكرت أختها. وقررت تساعده سرًا بدل ما تسلمه للناس اللي كانوا عايزين ينقلوه خارج المكان. لكن سامح اكتشف خطتها. ربط الطفل. وقفل عليه. سارة ماكانتوش بريئة تمامًا. لكنها في النهاية كانت أهم شاهد في الق\ضية. الفصل التاسع: السؤال الأخير بعد أسبوعين... عمر راح يزور أمه. المرأة اللي ربته. كانت قاعدة في بيتها. أول ما شافته... عرفت. ما سألتهوش. قالت بس: — عرفت؟ عمر قعد قدامها. فضل ساكت. هي بدأت تعيط. — كنت خايفة من اليوم ده. عمر سأل: — ليه ماقولتيليش؟ — أبوك طلب مني. — وبعد ما مات؟ بصت له. — خفت أخسرك. — تخسريني؟ — تقول إني مش أمك. عمر فضل باصص لها. وبعدين قام. هي خافت. لكنه راح قعد جنبها. مسك إيدها. — إنتِ اللي سهرتي جنبي وأنا تعبان؟ بدأت تعيط. — أيوه. — إنتِ اللي علمتيني أمشي؟ — أيوه. — إنتِ اللي كنتِ بتستخبي في المطبخ وتعيطي لما أبويا كان مسافر؟ ضحكت وسط دموعها. — كنت بتشوفني؟ — كل مرة. ابتسم. — يبقى إنتِ أمي. انهارت في حضنه. قالت: — وداليا؟ عمر سكت. ثم قال: — هي كمان أمي. ولأول مرة... حس إن الحقيقة مش لازم تمسح الماضي. ممكن توسّعه. الفصل العاشر: ليام وصاحبه رجع عمر المستشفى بعد شهر. المكان كان مختلف. إدارة جديدة. تحقيقات مستمرة. أنظمة أمن جديدة. وأجزاء كاملة من المبنى اتقفلت بأمر النيابة لحين انتهاء التحقيق. دخل جناح الأطفال. أول ما ظهر... سمع صوت: — عمو عمر! لف. ليام كان قاعد على السرير. وصاحبه الصغير جنبه على الكرسي المتحرك. الاتنين بيلعبوا. عمر ابتسم. — إنت رجعت؟ ليام قال: — أنا اللي رجعت؟ ده هو اللي كان مستنيني! صاحبه رد: — عشان كنت واخد مني العربية الحمرا. ضحكوا. عمر قعد جنبهم. الطفل اللي كشف كل حاجة بص له وقال: — أنا قلتلك إنها مش ممرضة. عمر ضحك. — طلعت أذكى مننا كلنا. الطفل قال بفخر: — أنا عرفت من الجزمة. عمر استغرب. — جزمة إيه؟ — الممرضات هنا بيلبسوا نوع معين عشان الأرض ماتزحلقش. هي كانت لابسة جزمة عادية. عمر وسارة، اللي كانت واقفة عند الباب تحت حراسة الشرطة أثناء زيارة مرتب لها باعتبارها شاهدة، بصوا لبعض. سارة ابتسمت لأول مرة. — يعني كل اللي حصل ده بسبب جزمة؟ الطفل هز كتفه. — وكمان هي ماعرفتش اسمي. عمر سأله: — وإيه المشكلة؟ — كل الممرضات حافظين اسمي عشان أنا بوجع دماغهم. الجميع ضحك. حتى سارة. الفصل الحادي عشر: الحساب بعد شهور من التحقيقات... الصورة بقت أوضح. سامح اعترف بجزء كبير من اللي حصل مقابل تخفيف موقفه القانوني، واعترافاته قادت المحققين لأشخاص تانيين. عدد من الموظفين اتوقفوا عن العمل لحين انتهاء التحقيق. وأسماء كبيرة اتفتحت ملفاتها. أما فؤاد... فواجه اتهامات متعددة مرتبطة بالتزوير والاحتجاز غير القانوني والتلاعب بالسجلات وعرقلة التحقيق. والتحقيق في وفاة والد عمر اتفتح من جديد. لكن المفاجأة الأخيرة ظهرت في تقرير قديم. والد عمر قبل وفاته بأسبوع... كان دخل المستشفى. والطبيب اللي وقع على تقرير خروجه... كان فؤاد. عمر قعد قدام المحقق. — يعني هو قتله؟ المحقق قال: — مانقدرش نقول كده من غير دليل قاطع. — بعد كل ده؟ — الشك حاجة، والإثبات حاجة تانية. الجملة وجعته. لكن عمر فهم. الحقيقة مش قصة بنكتب نهايتها زي ما إحنا عايزين. ممكن بعض الأسئلة تفضل من غير إجابة. لكنه كان عنده حاجة أهم. أبوه ماكانش جبان. ماكانش ساكت. كان بيحارب. ومات وهو بيحاول يكشف الحقيقة. وده كان كفاية بالنسبة له. الفصل الأخير: الطفل اللي محدش صدقه بعد سنة... اتفتح جناح الأطفال من جديد بعد تطويره بالكامل. لكن عمر رفض إن الجناح يتسمى باسمه. ورفض اسم أبوه كمان. طلب اسم مختلف. اسم الممرضة القديمة اللي ساعدت والده ينقذه وهو رضيع... والد سارة ونهى. وعملوا وحدة مستقلة لحماية حقوق الأطفال المرضى ومراجعة أي نقل أو إجراء خارج الأقسام. أما الممر القديم تحت الأرض... اتقفل. المرة دي فعلًا. بحضور جهات التحقيق. واتوثق كل شيء كان جواه قبل إغلاقه. نهى بدأت حياة جديدة بعد علاج طويل. سارة واجهت مسؤوليتها عن الحاجات اللي عملتها وهي جوه الشبكة، لكنها تعاونت في التحقيق وكشفت تفاصيل ساعدت في إنقاذ آخرين من التهديد والابتزاز. وعمر... بقى يزور المستشفى كل فترة. مش كرجل أعمال. ولا كمتبرع. لكن كإنسان المكان ده أخد منه حقيقة... ورجعله حقيقة أكبر. وفي يوم... وهو خارج من جناح الأطفال... شاف الولد الصغير اللي بدأ كل حاجة. كان واقف على رجليه للمرة الأولى من غير الكرسي. خطوتين صغيرين. متعبين. لكن لوحده. عمر وقف بعيد. ماحبش يقاطعه. الطفل خد خطوة. وبعدين خطوة. وقع. قام. والدته مدت إيدها. قال: — لأ يا ماما... أنا هعملها. عمر ابتسم. الطفل رفع عينه وشافه. صرخ: — عمو عمر! — إيه يا بطل؟ الطفل جرى ناحيته بأبطأ جري في الدنيا. وصل له وهو بيضحك. عمر نزل على ركبته. الطفل حضنه. وبعدين همس: — فاكر يوم ما محدش صدقني؟ عمر بص له. — أنا فاكر إنك خلتنا كلنا نصدقك. الطفل سكت لحظة. ثم قال: — هو لو كنت سكت... كان ليام ممكن مايرجعش؟ عمر ماحبش يكذب عليه. — ممكن. الطفل بص للأرض. — أنا كنت خايف أوي. عمر رفع وشه بإيده. — الشجاعة مش إنك ماتخافش. — أمال إيه؟ — إنك تبقى خايف... وبرضه تقول الحقيقة. الطفل ابتسم. وجري ناحية صاحبه. عمر وقف يتفرج عليهم. سارة ونهى كانوا في آخر الممر جايين لموعد متابعة. أمه اللي ربته كانت مستنياه عند باب المستشفى. وفي جيبه... كانت صورة أمه داليا. امرأة ماتت وهي بتحاول تكشف سرًا. وأب قضى عمره يحاول يكمل اللي بدأته. وطفل صغير... أنهى كل شيء بجملة واحدة. جملة كان ممكن الكبار يضحكوا عليها. ويقولوا: "ده طفل تعبان وبيتهيأله." لكنهم لحسن الحظ... سمعوها. عمر وقف عند باب الجناح وبص للممر للمرة الأخيرة. افتكر أول صرخة. افتكر الست المزيفة. البطاقة الحمراء. المصعد. الدخان. الباب المعدني. ملف اسمه. وصوت أبوه بعد 12 سنة من موته. كل الأسرار دي... بدأت لأن طفل عنده سبع سنين رفض يسكت. ابتسم عمر. ومشي ناحية أمه. قالت له: — اتأخرت. رد وهو بيبوس راسها: — معلش يا أمي. مسكت دراعه. ومشيوا سوا. وفي جناح الأطفال خلفهم... كان ليام وصاحبه بيتخانقوا على عربية لعبة حمرا. صوت ضحكهم ملأ الممر. الممر نفسه اللي كان من سنة مليان خوف. لكن المرة دي... مفيش حد اختفى. مفيش باب سري اتفتح. ومفيش طفل اضطر يصرخ علشان الكبار يصدقوه. لأن أحيانًا... أخطر الأسرار مش بتتكشف على إيد محقق عبقري... ولا رجل أعمال عنده نفوذ... ولا كاميرات مراقبة حديثة. أحيانًا الحقيقة كلها... بتبدأ من طفل صغير لاحظ حاجة بسيطة جدًا... وبدل ما يسكت... قال: — ما تصدقوش كلامها! تمت.