خطيبي السابق حكـايـات أسمـا ×3
ظهر الشريط الأحمر على شاشات الأخبار بسرعة: “قرار عاجل من الهيئة المختصة بوقف التداول على أسهم مجموعة الحديدي لحين مراجعة الإفصاحات المالية.” خلال دقائق قليلة كانت مواقع الأخبار الاقتصادية كلها بتنقل نفس الخبر، والمحللين بيتكلموا عن هبوط متوقع هيكون من الأكبر في تاريخ الشركة. أما كريم، فكان واقف قدام الشاشة، وشه فقد لونه، وحاسس إن كل دقيقة بتعدي بتسحب جزء من الإمبراطورية اللي بناها.
دخل عليه مديره المالي وهو بيجري، وقال بصوت متوتر: “يا فندم… البنوك بدأت توقف بعض التسهيلات الائتمانية لحد ما الصورة تتضح.” كريم ضرب المكتب بإيده بعصبية وقال: “مين اللي ورا ده؟” المدير المالي بلع ريقه وقال: “كل المؤشرات بتقول إن سامر المصري رجع بكل قوته.”
كريم سكت لحظات، وبعدها ابتسم ابتسامة باردة.
ابتسامة الشخص اللي قرر يدخل حرب مفتوحة.
قال: “لو سامر فاكر إنه كسب الجولة الأولى… يبقى لسه ما يعرفنيش.”
فتح درج مكتبه، وطلع ملف أحمر مكتوب عليه بخط كبير: “المشروع رقم 17”.
فضل يبصله ثواني، قبل ما يفتحه.
جواه صور…
وعقود…
وتسجيلات.
وأسماء شخصيات كبيرة.
ابتسم وقال لنفسه: “كل واحد فيهم مدين ليا بخدمة.”
في نفس الوقت، كنت قاعدة في مكتب سامر، ولسه مستغربة هدوءه.
قلت له: “إنت مش خايف؟”
ابتسم وهو بيقفل اللابتوب.
وقال: “اللي يخاف هو اللي بيخسر.”
قلت: “بس كريم مش شخص عادي.”
رد بثقة: “وأنا كمان مش شخص عادي.”
سكت شوية، وبعدها كمل: “في فرق كبير بين واحد بنى ثروته علشان يبقى أقوى من الناس… وواحد بناها علشان يحمي الناس اللي حواليه.”
الكلام دخل قلبي.
لأول مرة من سنين…
حسيت إن فيه حد بيتكلم من غير غرور.
في اللحظة دي دخلت السكرتيرة وقالت: “يا فندم… الدكاترة من المستشفى على الخط.”
قمت من مكاني بسرعة.
سامر شغل السماعة الخارجية.
صوت الدكتور جه واضح: “أستاذة نادين… عندنا خبر كويس.”
قلبي دق بسرعة.
“التحاليل الأخيرة مطمئنة… وتم تحديد ميعاد العملية بكرة الصبح.”
حطيت إيدي على وشي وأنا بعيط من الفرحة.
الدكتور كمل: “وفيه متبرع مطابق بنسبة كبيرة جدًا، وكل الإجراءات القانونية خلصت.”
قفلت المكالمة وأنا مش قادرة أتكلم.
بصيت لسامر.
قلت بصوت مبحوح: “أنا مهما شكرتك…”
قاطعني بابتسامة هادئة.
“اشكريني لما والدتك تخرج بالسلامة.”
في اللحظة دي، رن موبايل سامر.
بص للشاشة.
الاسم اللي ظهر خلا ملامحه تتغير.
كان مكتوب:
“اللواء عادل.”
رد فورًا.
“أيوه يا فندم.”
سكت وهو بيسمع.
بعدها وقف مرة واحدة.
“إمتى؟”
فضل ساكت ثواني.
ثم قال: “أنا جاي حالًا.”
قفل المكالمة.
بص ناحيتي.
وقال بهدوء غير مطمئن:
“فيه مشكلة.”
اتوترت.
“إيه اللي حصل؟”
قال: “واحد من الناس اللي شاركوا في محاولة اغتيالي… قرر يتكلم.”
اتنفست براحة.
لكن سامر كمل الجملة اللي جمدت الدم في عروقي.
“قبل ما يتكلم بخمس دقايق… اتق*تل جوه الحجز.”
ساد الصمت.
وسامر عرف من اللحظة دي إن اللي بيدير اللعبة من الضل…
أكبر وأخطر بكتير من كريم الحديدي وحده.
وإن الحرب الحقيقية…
لسه ما بدأتش…
وصل سامر إلى مبنى النيابة بعد أقل من نصف ساعة. المكان كله كان محاطًا برجال الأمن، والوجوه متوترة بشكل غير طبيعي. أول ما نزل من العربية، استقبله اللواء عادل بنفسه، وصافحه وهو بيقول: “كنت أتمنى أقابلك في ظروف أحسن من دي.”
سامر هز رأسه بهدوء وسأله مباشرة: “مين اللي مات؟”
رد اللواء: “اسمه رأفت الشهاوي… كان واحد من أفراد المجموعة اللي نفذت حادث العربية بتاعك.”
سامر ضيق عينيه.
“اعترف؟”
اللواء تنهد وقال: “كان لسه هيبدأ.”
“يعني؟”
“طلب يقابلني أنا والنيابة بنفسه… وقال إنه مستعد يقول اسم الشخص اللي خطط لكل حاجة… لكن قبل التحقيق بخمس دقايق، وقع على الأرض.”
سامر قال بحدة: “سم.”
اللواء رد: “الطب الشرعي بيقول كده مبدئيًا.”
ساد الصمت للحظات.
ثم قال سامر: “يبقى فيه حد وصل له جوه الحجز.”
اللواء بص له وقال: “وده اللي مقلقني.”
في نفس الوقت…
كنت قاعدة جنب أمي في المستشفى.
كانت نايمة تحت تأثير الأدوية، ووشها شاحب، لكن نفسها بقى أهدى من الأيام اللي فاتت.
مسكت إيدها وأنا بدعي من قلبي إن العملية تنجح.
الممرضة دخلت بابتسامة وقالت: “اطمني… الفريق الطبي كله جاهز.”
هزيت رأسي وأنا بحاول أتماسك.
لكن جوايا كان فيه خوف كبير.
خوف من العملية…
وخوف أكبر من اللي داخلين فيه أنا وسامر.
وفجأة…
الموبايل بتاعي رن.
رقم غريب.
رديت.
جالي صوت راجل خشن.
“أستاذة نادين؟”
قلت بحذر: “أيوه.”
قال: “لو عايزة أمك تعيش… ابعدي عن سامر المصري.”
اتجمد الدم في عروقي.
قبل ما أتكلم…
قفل الخط.
فضلت أبص للموبايل ثواني.
إيدي كانت بتترعش.
حاولت أكلم سامر.
لكن كان موبايله مغلق.
في نفس اللحظة…
كان كريم الحديدي قاعد في فيلته.
قدامه أربعة رجال.
ولا واحد فيهم معروف للإعلام.
قال كريم وهو بيبص في وشوشهم: “أنا خسرت أول جولة.”
واحد منهم ابتسم وقال: “الحرب لسه في أولها.”
التاني قال: “سامر المصري فاكر إنه رجع أقوى من الأول.”
كريم شرب رشفة من القهوة وقال: “القوة مش في الفلوس… القوة إن خصمك يخاف على الناس اللي بيحبهم.”
ثم طلع صورة من الملف الأحمر.
الصورة كانت ليا…
وأنا قاعدة جنب سرير أمي.
حطها على الترابيزة وقال: “من النهارده… نادين هي نقطة ضعفه.”
في نفس الوقت…
خرج سامر من مبنى النيابة.
ركب عربيته.
لكن قبل ما العربية تتحرك…
لفت انتباهه عربية نقل صغيرة واقفة على الناحية التانية من الشارع.
السواق كان لابس كاب أسود.
وأول ما لمح سامر…
ضغط على زر صغير كان في إيده.
بعد أقل من ثانية…
دوى انفجار هائل هز الشارع كله.
النيران ارتفعت في الهواء.
والزجاج اتكسر في كل الاتجاهات.
رجال الحراسة جَروا ناحية عربية سامر.
والدخان غطى المكان بالكامل.
أما أنا…
ففي نفس اللحظة بالضبط…
وصلتني رسالة على الموبايل من رقم مجهول.
فتحتها.
كان فيها صورة الانفجار.
وتحتها سطر واحد فقط:
“قلنا لك… ابعدي عنه قبل ما تخسريه زي ما خسرتي أبوكي.”
الموبايل وقع من إيدي على أرضية المستشفى. فضلت أبص للصورة وأنا مش قادرة أتنفس. الانفجار كان ضخم لدرجة إن العربية نفسها ما كانتش باينة وسط الدخان. أول حاجة جت في دماغي كانت سامر. من غير ما أفكر جريت ناحية باب الأوضة، لكن الدكتور وقفني وهو بيقول: “إنتِ رايحة فين؟ والدتك هتدخل العمليات بعد أقل من ساعة.” وقفت مكاني. قلبي كان بيتقطع بين أمي وسامر. في اللحظة دي رن الموبايل تاني. نفس الرقم المجهول. رفضت المكالمة. رن مرة تالتة. رديت وأنا بصرخ: “إنتوا عايزين إيه؟” ضحكة باردة خرجت من الطرف التاني. “لسه عندك فرصة تنقذي اللي باقي من حياتك… سامر هيكون التالي… وبعده أمك.” وقبل ما أتكلم كان الخط اتقفل.
فضلت واقفة ثواني، وبعدها قررت أكلم اللواء عادل. رد بسرعة، ولما سمع صوتي قال: “اطمني… سامر بخير.” حسيت إن رجليا مش شايلاني من شدة الارتياح. سألته بسرعة: “الانفجار؟” قال: “العربية اللي انفجرت كانت عربية التمويه. سامر غير العربية قبل خروجه بدقائق، وإحنا كنا واخدين احتياطات.” قفلت المكالمة وأنا بحمد ربنا.
بعد أقل من ربع ساعة دخل سامر المستشفى بنفسه. هدومه كان عليها تراب بسيط، لكن كان واقف بثبات كأن حاجة ما حصلتش. أول ما شفته جريت عليه من غير ما أحس بنفسي. وقفت قدامه وأنا دموعي نازلة. قلت: “افتكرت…” ما عرفتش أكمل. هو ابتسم وقال بهدوء: “لسه ربنا كاتبلي عمر.”
بص حواليه، ولما اتأكد إن محدش قريب، قال بصوت منخفض: “اللي حصل أكد شكي.” سألته: “شكك في إيه؟” قال: “إن كريم مش هو اللي بيدير كل حاجة.” استغربت. قال: “كريم عنده فلوس ونفوذ… لكن اللي حصل النهارده محتاج شبكة أكبر بكتير. حد عنده ناس جوه مؤسسات مختلفة، وبيتحرك قبلنا بخطوة.”
قبل ما أتكلم خرج الدكتور من غرفة العمليات وهو لابس الملابس المعقمة، وقال: “أستاذة نادين… جاهزين.” دخلوا أمي على غرفة العمليات، وباب الغرفة اتقفل قدام عيني. الساعتين اللي بعد كده كانوا من أطول ساعات عمري. كنت ماشية في الممر رايحة جاية، وسامر قاعد بهدوء، لكني كنت ملاحظة إنه كل شوية بيبص في ساعته، وكأنه مستني خبر معين.
بعد حوالي ساعة ونصف، دخل عليه واحد من رجال الحراسة وسلمه ظرف بني صغير. فتحه بسرعة، وقلب اللي جواه. فجأة ملامحه اتغيرت. لأول مرة شفته متوتر. سألته: “فيه إيه؟”
ناولني صورة.
أول ما بصيت عليها، اتجمدت.
الصورة كانت لأبويا.
مش صورة قديمة…
صورة متصورة قبل وفاته بأيام.
وكان واقف جنب كريم الحديدي…
لكن المفاجأة الحقيقية إن كان معاهم شخص تالت، وشه متشال عليه علامة بالقلم الأسود، كأن حد متعمد يخفي هويته.
قلبت الصورة.
كان مكتوب بخط اليد:
“أبوك ما ماتش بسبب القهر… أبوك مات لأنه عرف السر.”
رفعت عيني ناحية سامر وأنا حاسة إن الدنيا بتلف بيا.
قلت بصوت مرتعش: “يعني… وفاة أبويا ما كانتش طبيعية؟”
سامر فضل ساكت لحظات، ثم قال بهدوء:
“من اللحظة دي… إحنا مش بندور على اللي دمر شركتكم بس… إحنا بندور على قاتل.”
الكلمة الأخيرة وقعت على قلبي كالرصاص.
“قاتل؟”
بصيت لسامر وأنا حاسة إن رجليا مش شايلاني.
قال بهدوء: “أنا مش بحب أتهم حد من غير دليل… لكن الصورة دي معناها إن والدك وصل لحقيقة كانت هتدمر ناس كتير.”
في اللحظة دي خرج الدكتور من غرفة العمليات.
كل اللي في الممر وقف.
ابتسم الدكتور وقال: “الحمد لله… العملية نجحت.”
ما سمعتش غير الجملة دي.
جريت حضنته وأنا بعيط.
بعد دقائق دخلت أشوف أمي.
كانت لسه تحت تأثير البنج، لكن أجهزة المتابعة كلها مستقرة.
وقفت جنبها وأنا بحمد ربنا.
سامر كان واقف عند الباب.
بصلي وقال: “أول معركة كسبناها.”
لكننا كنا عارفين إن الحرب لسه ما خلصتش.
خلال الأيام اللي بعدها، فريق سامر بدأ يراجع كل ملفات شركة أبويا.
كل ورقة.
كل عقد.
كل تحويل بنكي.
وبعد أسبوع كامل…
ظهر أول خيط.
قبل انهيار شركة أبويا بشهر واحد، كان فيه عرض استحواذ ضخم من شركة وسيطة.
المدهش إن الشركة دي كانت مملوكة لرجل أعمال في الخارج.
لكن بعد تتبع الملكية…
اتضح إن المالك الحقيقي شخص واحد.
كريم الحديدي.
والأخطر…
إن أبويا رفض يبيع.
وبعدها بدأت الحرب عليه.
إلغاء العقود.
سحب التمويل.
تشويه السمعة.
ثم انهيار الشركة بالكامل.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في تسجيل صوتي قديم.
واحد من مديري شركة أبويا كان محتفظ بيه.
فتح سامر التسجيل.
وجلسنا كلنا نسمع.
صوت كريم كان واضحًا.
“اضغطوا عليه لحد ما يوقع.
ولو رفض…
هيبقى هو اللي اختار نهايته.”
ساد الصمت.
الكلمات كانت كافية لإعادة فتح التحقيق في وفاة أبويا.
بعد أيام قليلة…
ألقت الشرطة القبض على مدير الأمن السابق لشركة كريم.
وبعد ساعات من التحقيق…
انهار بالكامل.
واعترف إن فرامل عربية أبويا تم العبث بيها قبل الحادث بأيام.
وإن الحادث ما كانش قضاء وقدر.
كان ج*ريمة مدبرة.
لما سمعت الاعتراف…
حسيت إن الدنيا كلها اسودت قدامي.
فضلت أعيط ساعات.
مش على خسارة الشركة.
ولا على الفلوس.
على أبويا.
الإنسان اللي مات وهو بيدافع عن شرفه وتعب عمره.
أما كريم…
فكان لسه فاكر إنه هيهرب.
جمع جزء كبير من فلوسه.
وحاول يسافر بطائرة خاصة.
لكن أول ما وصل للمطار…
اتفاجأ بقوة أمنية في استقباله.
ضابط الشرطة قال بهدوء:
“أستاذ كريم الحديدي…
حضرتك مقبوض عليك.”
صرخ كريم.
“إنتوا عارفين أنا مين؟”
الضابط رد:
“دلوقتي…
إنت متهم.”
حاول يقاوم.
لكن الأصفاد اتقفلت في إيده.
وكل القنوات نقلت المشهد على الهواء.
نفس الكاميرات…
اللي صور بيها إذلالي يوم الفرح…
صورت خروجه وهو مكبل بالقيود.
بدأت المحاكمات.
واستمرت شهور.
وخلالها ظهرت مستندات جديدة.
وقضايا تهرب ضريبي.
ورشاوى.
وغسل أموال.
وشركات وهمية.
وشهود من داخل إمبراطوريته.
وفي النهاية…
صدر الحكم.
السجن المشدد لسنوات طويلة.
ومصادرة جزء كبير من ممتلكاته.
أما الشركات…
فدخلت تحت إدارة قضائية.
الإمبراطورية اللي بناها بالظلم…
انهارت في شهور.
بعد سنة كاملة…
كانت أمي رجعت تمشي على رجليها.
وصحتها بقت أفضل.
ورجع اسم أبويا يترد باحترام.
وصدر حكم بتعويض عيلتنا عن الأضرار اللي لحقت بينا.
أما أنا…
فكنت واقفة في نفس قاعة الأفراح.
لكن المرة دي…
ماكانش فيها صحفيين جايين يتفرجوا على فضيحة.
كانوا جايين يغطوا حفل زفاف حقيقي.
لبست فستان بسيط.
وسامر كان واقف قدامي.
نفس الراجل اللي الناس ضحكت عليه وقالوا إنه مشرد.
ابتسم وهو بيلبسني الدبلة من جديد.
وقال وهو بيضحك:
“المرة دي…
من غير إجبار.”
ضحكت لأول مرة من قلبي.
وقلت:
“ومن غير خوف.”
صفق الحضور.
وأمي كانت أول واحدة تزغرط.
وقفت أبص لسامر.
وافتكرت اليوم اللي دخل فيه القاعة بملابس بالية.
وقتها الناس حكمت عليه من شكله.
لكن الحقيقة…
إن أغنى إنسان مش هو اللي يملك أكبر ثروة.
أغنى إنسان…
هو اللي يملك الشرف وقت ما كل حاجة حواليه بتنهار.
وهكذا انتهت الحكاية…
بعدما حاول رجل أن يهين امرأة أمام العالم كله…
فاكتشف أن الشخص الذي اختاره ليسحقها…
كان هو السبب في سقوط إمبراطوريته بالكامل.
تمت
