جوزي غادر روماني مكرم 2

قالت أطياف الجملة وهي تقف عند باب غرفتي كأنها لا تخشى شيئًا، لكن عينيها كانتا تفضحان رعبًا حقيقيًا.
— كرار راح يق*ت*لني أنا بعد.
تراجعت خطوة إلى الخلف، وأنا ما زلت أمسك ظرف أبي تحت عباءتي.
نظرت إليها بكره لم أعرف أنني أقدر عليه.
— جاية تعزيني؟ ولا جاية تكملي التمثيلية؟
خلعت نظارتها بيد مرتجفة، فظهرت كدمة زرقاء واضحة تحت عينها.
قالت بصوت مكسور:
— أنا مو عشيقته مثل ما تظنين.
ضحكت بسخرية، ضحكة خرجت من وجعي لا من قلبي.
— الصورة اللي نشرتيها من الفندق كانت صدقة مثلًا؟
هزت رأسها بسرعة.
— نشرتها غصبًا عني. كرار أخذ هاتفي ونشرها حتى يوجعكِ… وحتى يخليكِ تصدقين إنه في دهوك.
اقتربت منها ببطء.
— ليش؟ ليش يعمل كل هذا؟
نظرت حولها بخوف ثم أغلقت الباب خلفها.
— لأنكِ لو عرفتي إنه في النجف، راح تشكين. وهو كان لازم يوصل المقبرة قبلچ.
لم أجب.
كانت كل كلمة تقولها تؤكد أن حياتي كلها كانت كذبة.
قلت ببرود:
— تكلّمي. وعندچ دقيقة وحدة قبل ما أصرخ وأجمع البيت كله عليچ.
وضعت يدها على صدرها كأنها تحاول تهدئة نفسها.
— أنا أخت كرار من الأم.
تجمدت.
لم أستطع حتى أن أرمش.
— شنو؟
قالت بسرعة:
— مو أخته رسميًا. أمه تزوجت أبوي بعد ما تركت أبوه. كرار كان صغير، وأنا كنت أصغر. كبرنا في نفس البيت فترة. بعدها صار يكره كل الناس. دخل مع غالب من سنين، وبعدين سحبني وياهم. كنت أشتغل في شركة واجهة عندهم. لما حاولت أطلع… هددني.
قلت وأنا أشعر أن رأسي سينفجر:
— يعني كل صوركم…؟
خفضت عينيها بخزي.
— تمثيل. أحيانًا تمثيل، وأحيانًا ابتزاز. كان يريدكِ تنهارين وتروحين له وتستسلمين. كان يعرف إنكِ بعد وفاة أبوچ راح تكونين وحدچ.
جلست على طرف السرير لأن ساقي لم تعودا تحملاني.
— وأبوي؟ من ق*ت*له؟
صمتت.
وكان صمتها جوابًا.
صرخت فيها بصوت مكتوم:
— من ق*ت*له يا أطياف؟!
انفجرت بالبكاء.
— غالب أعطاه الدواء.
شعرت كأن س*ك*ينا دخل صدري.
أخي غالب.
الذي وقف في العزاء يتحدث عن الأرض والمخازن.
الذي لم ينظر في عيني مرة واحدة بعد دفن أبي.
أخي هو من دسّ السم لأبي.
همست:
— ومهدي؟
قالت:
— مهدي جبان… يعرف جزءًا من الحقيقة، لكنه لم يشارك في الق*ت*ل. غالب كان رأس الخيط داخل العائلة. كرار كان عينهم عليچ.
كأن الجدران ضاقت حولي.
كل الوجوه التي كنت أظنها عائلتي صارت أقنعة.
قلت:
— والصندوق؟
مسحت دموعها وقالت:
— ليس صندوقًا في المقبرة. الحاج عبد الزهرة خدعهم. ترك لهم إشارات تقودهم لقبر س*ك*ينة، لكنه نقل كل شيء إلى صندوق أمانات في مصرف الرافدين. كرار لا يعرف الرقم. غالب يشك أن المفتاح عندكِ.
وضعت يدي على جيبي حيث أخفيت المفتاح.
لاحظت أطياف الحركة لكنها لم تتكلم.
قالت فقط:
— لا تبقي هنا. كرار سيعود. وغالب سيحاول يأخذكِ قبل الظهر بحجة تقسيم التركة.
في تلك اللحظة، سمعت طرقًا على الباب.
تجمدنا نحن الاثنتين.
جاء صوت غالب من الخارج:
— زينب؟ افتحي يا أختي. لازم نحچي شوي عن ورق الوالد.
نظرت إلى أطياف، فرأيت وجهها يفقد لونه.
همسَت:
— قلت لكِ.
أخفيت الظرف تحت الفراش بسرعة، ثم فتحت الباب نصف فتحة.
كان غالب يقف بابتسامة مصطنعة، وخلفه مهدي يبدو قلقًا.
قال غالب:
— ليش قافلة على نفسچ؟ الناس برّه، وهذا مو وقت ضعف.
كان يتحدث عن ضعفي وكأنه لم يدفن أبي بالأمس.
قلت بهدوء حاولت أن أتمسك به:
— تعبانة.
نظر خلفي، فرأى أطياف.
تغير وجهه فورًا.
— إنتِ شتسوين هنا؟
رفعت أطياف رأسها لأول مرة وقالت:
— أعزي.
ابتسم غالب ابتسامة باردة.
— تعزين؟ لو تفتشين؟
عرفت لحظتها أنها صارت في خطر مثلي.
تدخل مهدي بصوت متوتر:
— غالب، خلّيها. البيت مليان ناس.
اقترب غالب مني وقال:
— بعد ساعة نروح للمحامي. لازم نفتح وصية أبونا.
قلت:
— أي وصية؟
نظر في عيني مباشرة.
— الوصية اللي راح تثبت إن كل شيء لازم يتقسم صح.
كلمة “صح” خرجت من فمه كتهديد.
ثم مال نحوي وهمس:
— ولا تحاولين تعاندين. أبوچ مات، وما عاد عندچ ظهر.
أغلقت الباب في وجهه.
كانت يدي ترتجف، لكن داخلي شيء جديد بدأ يستيقظ.
شيء أبي زرعه فيّ منذ سنوات ولم أعرفه إلا الآن.
لم أعد فقط ابنة مفجوعة.
صرت امرأة محاصرة وسط ذئاب.
والذئاب حين تشم الخوف… تأكل.
فتحت الورقة التي تركها أبي ونظرت إلى رقم العميد سيف التميمي.
اتصلت.
رنة واحدة.
اثنتان.
ثم جاء صوت رجل هادئ:
— نعم؟
قلت بصوت مخنوق:
— حضرتك العميد سيف التميمي؟
سكت لحظة.
— من معي؟
— أنا زينب… بنت الحاج عبد الزهرة.
تغير صوته فورًا.
— أين أنتِ الآن؟
— في بيت العزاء.
قال بسرعة حاسمة:
— لا تثقي بأحد. هل وصلتكِ رسالة من رقم والدكِ؟
شهقت.
— أنت الذي أرسلتها؟
قال:
— نعم. هاتف والدكِ ليس في قبره يا زينب. والدكِ سلّمني الهاتف قبل وفاته بيومين، وقال لي إنهم سيضعون هاتفًا آخر في الكفن حتى تصدقوا أنه دُفن معه.
أغمضت عيني بقوة.
إذن أبي كان يعرف كل شيء.
كان يلعب آخر لعبة في حياته وهو يحتضر.
قال العميد:
— هل معكِ المفتاح؟
صمتت.
قال بصوت أخفض:
— لا تجيبي. فقط اخرجي من البيت الآن. اذهبي إلى المصرف. سأرسل لكِ سيارة لا تحمل أي علامة شرطة. لا تخرجي من الباب الأمامي.
سألته:
— وأبو حيدر؟!
ساد صمت ثقيل.
ثم قال:
— وجدناه مصابًا. ما زال حيًا… لكن حالته خطيرة.
بكيت لأول مرة براحة صغيرة.
— الحمد لله…
قال:
— اسمعيني جيدًا. كرار وغالب يراقبان البيت. يجب أن تخرجي بطريقة لا يتوقعونها.
نظرت إلى أطياف.
قالت بسرعة:
— عندي سيارة في الزقاق الخلفي.
قلت للعميد:
— معي أطياف.
سكت ثانية، ثم قال:
— لا أثق بها. لكن إن كانت طريقكِ الوحيد، استخدميها… ولا تعطيها المفتاح.
أغلقت الهاتف.
وقفت أمام أطياف.
— لو خنتيني الآن، أقسم بالله ما راح ألحق أسامحچ قبل ما نموت كلنا.
قالت بعينين دامعتين:
— أنا تعبت من الخوف يا زينب. أريد أن أنجو. وأريد أمي تنجو. كرار ماسك علاجها وملفات علاجها حتى يخليني أطيعه.
لم أعد أملك وقتًا للحكم عليها.
خرجنا من باب المطبخ الخلفي، ذلك الباب الذي كان أبي يستخدمه كل فجر ليطعم القطط الضالة.
كان البيت من الداخل مليئًا بالنساء والبخور والقرآن، ومن الخارج محاصرًا بالصمت والعيون.
سِرنا بمحاذاة الجدار حتى وصلنا إلى الزقاق.
كانت سيارة صغيرة قديمة متوقفة.
ركبنا بسرعة.
وقبل أن تتحرك أطياف، رأيت من المرآة رجلًا يخرج من زاوية الشارع.
الرجل الأصلع.
صرخت:
— اتحركي!
انطلقت السيارة بعنف.
ركض الرجل خلفنا قليلًا ثم رفع هاتفه واتصل.
قالت أطياف وهي تضغط على البنزين:
— الآن عرفوا.
وخلال دقائق، بدأت سيارة سوداء تلحق بنا.
كانت سيارة كرار.
لم ألتفت، لكنني شعرت به خلفنا كظلّ الموت.
قالت أطياف:
— اربطي حزامچ.
انحرفت في شارع ضيق بين البيوت القديمة، ثم دخلت في سوق شعبي بدأ يفتح أبوابه.
الباعة كانوا يرفعون الأقفاص، والنساء يشترين الخبز، والحياة تمشي كأن لا أحد يطاردنا.
لكن سيارة كرار لم تبتعد.
صدم مؤخرة سيارتنا مرة.
صرخت أطياف.
ثم صدمنا مرة ثانية.
اصطدمت رأسي بالزجاج الجانبي، وشعرت بطعم الدم في فمي.
أمسكت الهاتف واتصلت بالعميد.
— يلحقون بنا!
قال:
— أين أنتم؟
صرخت باسم الشارع.
قال:
— تابعي نحو الجسر. لا تتوقفي.
أطياف سمعت الكلام وانطلقت ناحية الجسر.
لكن قبل أن نصل، ظهرت شاحنة صغيرة وسدت الطريق.
فرملت أطياف بقوة.
خرج من الشاحنة رجلان.
وخلفنا توقفت سيارة كرار.
انتهى الطريق.
نظرت إليّ أطياف وقالت:
— سامحيني.
ظننتها ستسلمني.
لكنها فتحت الباب وصرخت بصوت عالٍ وسط الناس:
— حرامية! خطف! ساعدونا!
تجمع الناس فورًا.
هذا الصراخ أنقذنا.
لأن كرار لم يكن يستطيع أن يختطفني أمام عشرات العيون.
نزل من السيارة وهو يحاول تمثيل الهدوء.
— زينب، كافي فضايح. إنتِ تعبانة ومتوترة بعد وفاة أبوچ.
اقترب مني كزوج حنون أمام الناس.
لكن عينيه كانتا تقولان: سأدفنك.
رفعت صوتي لأول مرة أمامه:
— لا تلمسني.
سكت السوق كله تقريبًا.
قال بابتسامة متشنجة:
— زوجتي منهارة، سامحوها.
قلت بصوت أعلى:
— زوجتك اكتشفت إنك كنت في المقبرة تحفر قبر أمها بعد منتصف الليل.
تغير وجهه.
همس:
— اسكتي.
قلت:
— وإنك كذبت وقلت إنك في دهوك.
بدأ الناس يتهامسون.
وفجأة، سمعنا صوت سيارات تقترب.
سيارتان مدنيتان توقفتا قرب السوق.
نزل منهما رجال بملابس عادية.
وفي مقدمتهم رجل خمسيني طويل، ملامحه صارمة، وعيناه هادئتان.
عرفته فورًا.
العميد سيف التميمي.
لم يقل الكثير.
اقترب من كرار وقال:
— انتهت اللعبة.
حاول كرار الضحك.
— من حضرتك؟
أخرج الرجل هويته بسرعة.
— الشخص الذي حذرك منه عبد الزهرة قبل أن يموت.
وفي لحظة خاطفة، حاول كرار الهرب.
لكن الرجال أمسكوه.
أما الرجل الأصلع فركض ناحية الشاحنة، لكن أحد الضباط أسقطه أرضًا.
كنت أرتجف وأنا أرى زوجي مقيد اليدين.
صرخ في وجهي:
— تظنين انتصرتِ؟ المفتاح وحده لا يكفي! غالب سيحرق كل شيء!
اقترب العميد مني.
— هل معكِ المفتاح؟
نظرت حولي، ثم أومأت.
قال:
— إذن يجب أن نصل قبل غالب.
في المصرف، كان الوقت يمر كأنه س*ك*ين فوق رقبتي.
جلس العميد معي في غرفة مدير الفرع، وأمر بإغلاق المداخل مؤقتًا.
أخرجت المفتاح بيد مرتجفة.
نظر إليه المدير، ثم إلى العميد.
قال:
— صندوق رقم سبعة عشر. مسجل باسم س*ك*ينة عبد الزهرة.
أمي.
لم يكن باسم أبي.
أبي أخفى كل شيء باسم أمي الميتة.
دخلنا إلى غرفة الخزائن.
كان صوت خطواتنا فوق الرخام باردًا ومخيفًا.
فتح المدير القفل الأول.
ثم وضعت المفتاح في القفل الثاني.
دار بصعوبة.
فتح الصندوق.
كان صغيرًا، لكن ما بداخله كان أثقل من حياة كاملة.
ملفات. أقراص تخزين. دفتر أسود. وسلسلة أمي الذهبية.
أمسكت السلسلة وبكيت بصمت.
داخلها ورقة صغيرة مطوية.
فتحتها.
كان خط أمي.
“زينب… إن وصلت هذه السلسلة إليكِ، فاعرفي أن أمك لم تمت كما قالوا.”
لم أستطع الوقوف.
كادت ساقاي تخونانني، لكن العميد أمسك الكرسي ودفعه خلفي.
أكملت القراءة وأنا أبكي.
“أبوك لم يكن ملاكًا، لكنه تاب. حاول أن يحميكم ويصلح ما أفسده. غالب اختار المال. وكرار كان باب الشر الذي دخل بيتنا. إن سامحتِ يومًا، فلا تسامحي من باع دم أهله.”
وضعت الورقة على صدري.
كل ما كنت أظنه ماضيًا… كان جر*يمة لم تُدفن.
فتح العميد الدفتر الأسود.
بدأ يتصفح بسرعة.
كل صفحة كانت تحتوي أسماء، مبالغ، تواريخ، أختام شركات، أرقام حسابات.
ثم فتح أحد أقراص التخزين على جهاز آمن داخل المصرف.
ظهر تسجيل فيديو.
أبي.
كان يجلس في غرفة مكتبه قبل وفاته بثلاثة أيام.
وجهه متعب، لكنه ثابت.
قال في التسجيل:
“أنا عبد الزهرة الموسوي. أسجل هذه الشهادة بإرادتي، بعد أن تأكدت أن حياتي صارت مهددة. كل ما في هذه الملفات يثبت تورط غالب ابني، وكرار زوج ابنتي، ورجل يُدعى جبار الساعدي، وآخرين في تهريب أموال وأراضٍ مزورة وجرائم ق*ت*ل، منها ق*ت*ل زوجتي س*ك*ينة.”
هنا انهرت.
أمي لم تكن فقط ضحية. أبي عاش سبع سنوات وهو يحمل ذنب معرفته.
تابع أبي:
“س*ك*ينة اكتشفت ما يفعله غالب. حاولت منعه. فدسّوا لها دواءً في المستشفى. يومها كنت جبانًا. خفت على زينب. خفت من الفضيحة ومن الدم. فسكت. وهذا السكوت ق*ت*لني قبل أن يق*ت*لوني.”
بكيت حتى شعرت أن صدري يتمزق.
تابع:
“زينب… يا ابنتي… أنتِ الوحيدة التي لم تتلوث. لذلك سيحاولون كسر قلبكِ أولًا. كرار لم يحبكِ. دخل بيتنا بأمر منهم. لكن لا تجعلي خيانته تهزمكِ. اجعليها الدليل الذي يفتح الباب.”
توقف الفيديو.
ثم ظهر مقطع آخر.
غالب.
كان يجلس مع كرار وجبار في مخزن قديم.
غالب يقول:
— أبي لن يسلّم الملفات. لازم نخلص الموضوع قبل ما يوصل لسيف التميمي.
كرار يرد:
— وزينب؟
غالب يضحك:
— زينب بيدي. زوجها منك، وقلبها ضعيف. بعد العزا نضغط عليها وتوقّع.
كرار قال ببرود:
— وإذا رفضت؟
غالب أجاب دون تردد:
— مثل أمها.
لم أصرخ.
لم أبكِ.
في تلك اللحظة مات الجزء الضعيف في داخلي.
أخي قال “مثل أمها” كأنه يتحدث عن غصن يابس، لا عن امرأة حملته في بطنها.
نظر العميد إلى رجاله وقال:
— اتحركوا الآن.
خرجنا من المصرف بسرعة.
كان غالب قد بدأ فعلاً.
وصلتنا مكالمة من أحد عناصر العميد يخبره أن غالب دخل بيت العزاء ومعه محامٍ مزيف، ويحاول إقناع مهدي والناس أنني مختلة وهربت ومعي أوراق تخص التركة.
ابتسمت بمرارة.
كان يريد أن يسرق الحقيقة أمام صورة أبي.
طلبت من العميد:
— أريد أن أرجع.
قال:
— خطر.
قلت:
— هذه المرة لن أهرب.
نظر إليّ طويلًا، ثم أومأ.
عندما دخلت البيت، كان صيوان العزاء ممتلئًا.
غالب كان واقفًا في المنتصف يتحدث بصوت حزين مزيف.
— أختي زينب تمر بحالة نفسية صعبة، ونتمنى من الجميع ألا يصدق أي كلام تقوله في هذه الفترة.
وعندما رآني، تجمد.
دخلت وأنا أرتدي العباءة السوداء نفسها.
لكنني لم أكن المرأة التي خرجت قبل ساعات.
كانت أطياف خلفي. والعميد ورجاله عند الباب.
قلت بصوت واضح:
— كمل يا غالب. كنت تقول إني مجنونة؟
حاول الابتسام.
— زينب، حبيبتي، تعالي ارتاحي…
قلت:
— لا تقول حبيبتي. أمي ماتت بسببك. وأبي مات بسببك. وأنا كنت التالية.
ساد الصمت.
صرخت إحدى النساء:
— بسم الله الرحمن الرحيم!
مهدي وقف مصدومًا.
— زينب، شتقولين؟
نظرت إليه.
— أقول الحقيقة اللي أنت كنت خايف تسمعها.
غالب حاول الاقتراب مني، لكن رجال العميد وقفوا بيننا.
قال بعصبية:
— هذه اتهامات باطلة! وين الدليل؟
رفع العميد يده.
تم تشغيل التسجيل عبر شاشة كبيرة كانت موضوعة أصلًا لعرض صور أبي في العزاء.
ظهر وجه أبي.
وعاد صوته يملأ البيت:
“غالب ابني اختار المال على الدم…”
لم يتحرك أحد.
حتى قارئ القرآن سكت.
كان وجه غالب يتحول من الغضب إلى الرعب.
ثم ظهر تسجيل المخزن.
صوته. وجهه. ضحكته.
“وإذا رفضت؟” “مثل أمها.”
صرخت إحدى خالاتي وسقطت على الكرسي.
أما مهدي فجلس على الأرض كطفل ضائع.
غالب حاول الهرب نحو الباب الجانبي.
لكن الشرطة أمسكته.
صرخ وهو يقاوم:
— كلنا كنا مستفيدين! أبوكم مو ملاك! لا تمثلون الشرف!
اقتربت منه ببطء.
كانت يداه مقيدتين، ووجهه مشوهًا بالخوف.
قلت بهدوء:
— أبي دفع ثمن ذنبه. وأنت ستدفع ثمن جريمتك.
نظر إليّ بكره.
— راح تندمين. العائلة كلها راح تنفضح.
قلت:
— العائلة انفضحت يوم ق*ت*لت أمك.
لم يجد جوابًا.
أخذوه.
وأخذوا معه سنوات من الكذب.
لكن النهاية لم تأتِ بعد.
لأن كرار، رغم القبض عليه، كان لا يزال يملك آخر ورقة.
في المساء، وأنا في مركز الشرطة أدلي بأقوالي، طلب كرار أن يراني.
رفضت.
ثم قال للعميد:
— عندي شيء يخص زينب وحدها. إذا ما سمعتني، طفل راح يموت.
طفل؟
شعرت بالخوف يعود.
دخلت غرفة التحقيق تحت حماية العميد.
كان كرار جالسًا، وجهه متورم من المقاومة، لكن عينيه ما زالتا تحملان ذلك البرود الذي عشت معه سنوات ولم أفهمه.
قال بابتسامة صغيرة:
— أخيرًا صرتِ قوية.
لم أجلس.
— أين الطفل؟
قال:
— ابن أطياف.
التفتُّ نحو العميد.
قال كرار:
— أطياف عندها ولد عمره خمس سنوات. مخفي عند جبار. إذا ما خرجت من هنا الليلة، الطفل يموت.
دخلت أطياف الغرفة كأنها سمعت اسمه من بعيد.
صرخت:
— كذاب! قلت لي إنه عند أمي!
ضحك كرار.
— أمكِ لا تعرف شيئًا. ابنكِ عند جبار من شهرين. كنت أحتاج ضمان.
انهارت أطياف على الأرض.
رغم كل شيء، رغم أنها كانت جزءًا من خديعتي، لم أستطع إلا أن أرى أمًا مرعوبة.
نظر العميد إلى كرار:
— أين المكان؟
قال كرار:
— أريد اتفاقًا.
قبل أن يرد العميد، اقتربت أنا من الطاولة.
وضعت كفي فوقها وانحنيت نحوه.
— اسمعني جيدًا يا كرار. أنت طوال عمرك كنت تظن أن الناس تتحرك بالخوف. لكن الخائف إذا لم يعد لديه ما يخسره، يصبح أخطر منك.
ابتسم بسخرية.
— تهدديني؟
قلت:
— لا. أذكرك أن جبار تم القبض عليه صباحًا. والرجل الأصلع الذي كان معك اعترف بنصف الشبكة. والملفات معنا. أنت لم تعد تملك إلا كذبة.
لأول مرة… ارتبك.
نظر إلى العميد.
عرفت أنه لم يكن يعلم أن جبار وقع.
قال العميد ببرود:
— لدينا موقعان مشتبه بهما. وكلامك لن ينقذك. لكنه قد ينقذ الطفل ويخفف بعض الاتهامات.
صمت كرار طويلًا.
ثم قال العنوان.
مزرعة مهجورة خارج الكوفة.
تحركت القوة فورًا.
وأصرّت أطياف أن تذهب.
ذهبت معها.
لا أعرف لماذا.
ربما لأنني في تلك الليلة فهمت أن الخيانة درجات، وأن أطياف لم تكن بريئة، لكنها لم تكن الوحش الأكبر.
وصلنا إلى المزرعة بعد ساعة.
كانت السماء مظلمة، والهواء ثقيلًا برائحة الطين والماء الراكد.
دخلت القوة أولًا.
سمعنا صراخًا.
ثم طلقة.
ثم صمتًا.
بعد دقائق، خرج ضابط يحمل طفلًا صغيرًا ملفوفًا ببطانية.
ركضت أطياف نحوه وهي تصرخ باسمه:
— يوسف!
احتضنته كأن روحها عادت إلى جسدها.
كان الطفل شاحبًا وخائفًا، لكنه حي.
نظرت إليّ أطياف من بين دموعها.
— سامحيني… أعرف أني لا أستحق.
لم أجب فورًا.
ثم قلت:
— لا تطلبي مني السماح الآن. أنقذي ابنكِ، وقولي كل الحقيقة.
هزت رأسها.
— سأقول كل شيء.
وبالفعل… في الأيام التالية، انهارت الشبكة.
اعترافات أطياف، وتسجيلات أبي، ودفتر أمي، وشهادة أبو حيدر بعد أن نجا من الطلقة بأعجوبة، فتحت أبوابًا كثيرة كانت مغلقة بالرشاوي والخوف.
ظهر أن أبي قبل موته كان يتعاون سرًا مع العميد سيف، وأن رسالة “يا ابنتي تعالي إلى وادي السلام” لم تكن خدعة رعب، بل خطة أخيرة لإنقاذي وإبعاد كرار عن الصندوق الحقيقي.
أبي عرف أن كرار سيبحث في قبر أمي.
لذلك جعلهم يضيعون وقتهم هناك.
وجعلني أرى الحقيقة بعيني.
أما الهاتف… فكان عند العميد طوال الوقت.
كل رسالة وصلتني كانت من أبي بشكل غير مباشر، لأنه كتبها مسبقًا وطلب إرسالها في توقيت محدد إذا مات.
حتى بعد موته… كان يحاول أن يمسك يدي.
بعد أسبوع، شيّعنا أمي مرة أخرى في قلوبنا.
لم ننقل قبرها، لكننا قرأنا لها الفاتحة ونحن نعرف الحقيقة.
وقفت عند قبرها، ووضعت سلسلة الذهب فوق التراب للحظة ثم أخذتها.
قلت:
— سامحيني يا أمي… لم أعرف.
وكان الهواء هادئًا كأنها تجيبني.
ثم ذهبت إلى قبر أبي.
لم أبكِ كما بكيت أول مرة.
جلست بجانبه وقلت:
— كنت أتمنى أن تخبرني وأنت حي. كنت أتمنى ألا تحمل كل هذا وحدك. لكنك في النهاية حميتني.
وضعت مسبحة أمي قرب شاهد قبره.
وفي تلك اللحظة، اقترب مهدي.
كان وجهه شاحبًا، وعيناه غائرتين.
قال:
— زينب… أنا جبان. كنت أعرف أن غالب يتعامل مع ناس سيئين. لكن ما كنت أعرف أنهم ق*ت*لوا أمي. أقسم لكِ.
نظرت إليه طويلًا.
كنت أريد أن أصرخ فيه. أن ألومه على صمته. أن أقول له إن الجبن أيضًا ج*ريمة.
لكنني كنت متعبة من الكراهية.
قلت فقط:
— الصمت ق*ت*لنا يا مهدي. إذا بقيت صامتًا مرة أخرى، لا تعتبرني أختك.
بكى.
ولأول مرة منذ سنوات، رأيت أخي كما كان صغيرًا، لا كما صار.
أما غالب… فلم أزره.
حكمت عليه المحكمة لاحقًا بالسجن الطويل بعد ثبوت تورطه في ق*ت*ل أمي والمشاركة في ق*ت*ل أبي وجرائم أخرى.
وفي يوم النطق بالحكم، نظر إليّ من خلف القفص.
لم يكن في عينيه ندم.
فقط حقد.
قال بصوت وصلني رغم الضجيج:
— خسرتِ العائلة.
رفعت رأسي وقلت:
— لا. دفنتُ العفن الذي كان يأكلها.
أما كرار… فحاول في البداية أن ينكر كل شيء.
ثم حاول أن يدّعي أنه ضحية غالب.
ثم حاول أن يرسل لي رسالة من السجن.
لم أفتحها.
طلبت الطلاق رسميًا.
وفي جلسة المحكمة، وقف كرار أمامي بوجه شاحب، بلا عطره الغالي، بلا ساعته الفاخرة، بلا نظرة التعالي التي كان يق*ت*لني بها كل يوم.
قال القاضي:
— هل لديكِ ما تقولينه؟
نظرت إلى كرار.
تذكرت يوم قال لي: “والدك مات… والحياة لا تتوقف.”
فقلت بهدوء:
— نعم. الحياة لا تتوقف فعلًا… لكنها تتوقف عن حمل الموتى الأحياء.
لم يفهم الجميع جملتي.
لكنه فهم.
تم الطلاق.
وخرجت من المحكمة وأنا أشعر أن العباءة السوداء التي ارتديتها يوم دفن أبي سقطت أخيرًا عن روحي.
بعد أشهر، تغير كل شيء.
تمت مصادرة بعض ممتلكات الشبكة، وعادت أراضٍ كثيرة إلى أصحابها، وأُغلقت مخازن أبي القديمة بالشمع الأحمر حتى انتهاء التحقيقات.
أما ما يخصني من ميراث، فقد تركته فترة طويلة دون أن ألمسه.
لم أكن أريد مالًا خرجت منه رائحة الدم.
ثم قررت أن أبيع جزءًا من الأرض وأبني به مركزًا صغيرًا باسم أمي.
“دار س*ك*ينة للنساء المعيلات.”
مكان آمن لنساء لا يملكن ظهرًا، ولا يملكن إلا قلوبًا تعبت من الخوف.
وأول امرأة ساعدت في إدارته كانت أطياف.
لم نصبح صديقتين.
لا.
بعض الجراح لا تتحول إلى صداقة.
لكنها شهدت بالحقيقة، وأنقذت طفلها، وبدأت حياة جديدة بعيدًا عن كرار.
وكان هذا كافيًا.
أبو حيدر تعافى ببطء.
كنت أزوره كل أسبوع.
وفي كل مرة كان يقول لي:
— أبوچ كان يقول زينب أقوى من كل أولادي.
كنت أبتسم بحزن.
— بس هو تأخر حتى يقولها لي.
فيرد:
— بعض الآباء يخبئون حبهم مثل الأسرار… لا يظهر إلا بعد فوات الأوان.
وفي ليلة هادئة، بعد عام كامل من موت أبي، ذهبت وحدي إلى وادي السلام.
لم يكن هناك رعب هذه المرة.
ولا سيارات سوداء.
ولا رسائل من الموتى.
فقط قمر باهت، وريح خفيفة، وقبور ساكنة.
وقفت بين قبر أبي وقبر أمي.
قرأت الفاتحة.
ثم أخرجت هاتفي.
كان رقم أبي ما زال محفوظًا عندي باسم “أبي”.
لم أحذفه.
فتحت آخر رسالة وصلتني منه:
“وإياكِ أن تثقي بكرار.”
ابتسمت والدموع في عيني.
ثم كتبت رسالة، رغم أنني أعرف أنها لن تصل:
“لم أثق به يا أبي. وثقت بك في النهاية.”
أغلقت الهاتف.
وقبل أن أغادر، شعرت بالهواء يمر حولي دافئًا، كيد أبي حين كان يربّت على رأسي وأنا صغيرة.
مشيت نحو الباب الخلفي الذي دخلت منه تلك الليلة.
لكنني لم أخرج خائفة كما دخلت.
خرجت وأنا أعرف أن بعض القبور لا تخفي الموتى فقط… بل تخفي الحقيقة.
وبعض الرسائل التي تأتينا من أرقام أُطفئت… لا تكون من الأشباح.
بل من قلوب أحبتنا التي ترفض أن تتركنا فريسة للظلام.
ومن يومها، كلما سألني أحدهم عن كرار، أو غالب، أو تلك الليلة في وادي السلام، كنت أقول:
الخيانة لا تبدأ حين يطعنك شخص في ظهرك.
الخيانة تبدأ حين ترى الحقيقة… وتختار أن تظل أعمى.
أما أنا…
فقد فتحت عينيّ أخيرًا.
ولم أغمضهما مرة أخرى.
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *