اجازه عائليه اسما السيد 2

فتحت ملفًا سميكًا.
وقالت:
— خلال آخر خمس سنوات، الزوجة هي اللي كانت بتسدد أقساط البيت من حسابها.
وهي اللي دفعت تجديد المطبخ.
وهي اللي سددت أقساط العربية.
أما تحويلات الزوج…
فكان أغلبها رايح لحساب والدته.
ساد الصمت.
أخوه بصله بدهشة.
— الكلام ده بجد؟
ما ردش.
لأنه عارف…
إن كل كلمة مكتوبة بالأرقام.
…
المحامية طلعت كشفًا تاني.
وقالت:
— وفيه نقطة مهمة.
حضرتك استخدمت البطاقة الإضافية الخاصة بالزوجة في حجز آخر رحلتين للعيلة.
بصيتله.
كانت دي أول مرة يعرف…
إني عرفت الحقيقة من زمان.
قال بصوت مرتعش:
— إنتِ… كنتِ عارفة؟
قلت:
— من أول رحلة.
اتسعت عينه.
— أمال ليه سكتي؟
ابتسمت ابتسامة حزينة.
— كنت مستنية أشوف…
في يوم هتختارني بإرادتك؟
ولا هفضل دايمًا آخر واحدة في حياتك؟
وللأسف…
الإجابة جات بعد تلات سنين.
لكن بعد ما قلبي بطل يستناك.
…
نزلت دموعه لأول مرة.
وقال:
— أنا خسرتك.
بصيتله آخر نظرة.
وقلت:
— لا…
إنت خسرت نفسك…
لما سمحت لأي حد يقنعك إن مراتك مش من عيلتك.
ثم وقعت على آخر ورقة في الملف…
وأغلقت الصفحة الأخيرة من قصة استحملت فيها أكثر مما ينبغي.
لكنها كانت أيضًا…
أول صفحة في حياة جديدة بدأت فيها أختار نفسي قبل أي شخص آخر.
الفصل الخامس
بعد ما وقعت على آخر ورقة…
قفلت المحامية الملف بهدوء.
وقالت:
— كده خلصنا إجراءات جلسة التسوية.
لو ما حصلش اتفاق… هنكمل في المحكمة.
هزيت راسي.
— مفيش اتفاق.
بصلي جوزي برجاء.
— حتى مش هتسمعيني؟
رديت من غير انفعال:
— أنا سمعتك تلات سنين.
دلوقتي جه دوري.
…
خرجت المحامية.
وأخوه وقف قدامي وقال:
— والله أنا ما كنتش أعرف إن الموضوع وصل لكده.
ابتسمت ابتسامة باهتة.
— لأنكم كنتوا شايفين اللي يعجبكم بس.
قال باستغراب:
— يعني إيه؟
قلت:
— فاكر كل مرة كنتوا تسافروا؟
كلكم كنتوا بتتصوروا.
وتضحكوا.
ولا مرة حد فيكم سأل:
“فين مرات أخونا؟”
ولا مرة طفل من ولادكم قال:
“هي مش جاية ليه؟”
ولا مرة واحدة من مراتكم استغربت.
كلكم كنتوا عارفين…
وساكتين.
نزل عينه في الأرض.
لأنه ما قدرش ينكر.
…
أمه قالت بعناد:
— وإيه يعني؟
هي كانت قاعدة في بيتها.
ما حصلهاش حاجة.
لفيت ناحيتها.
وقلت بهدوء:
— لأ… حصل.
كل مرة كنتوا تستبعدوني فيها…
كنتوا بتق/تلوا جزء من احترامي لنفسي.
وأنا اللي غلطانة…
إني فضلت أديكم فرص.
…
جوزي قرب من أمه.
وقال لأول مرة بنبرة حادة:
— كفاية.
رفعت حاجبها.
— نعم؟
— أنا السبب.
مش هي.
أنا اللي كنت لازم أقول:
“يا مراتي تيجي…
يا أنا مش مسافر.”
كل الموجودين سكتوا.
حتى أبوه…
اللي كان طول الوقت بيتفرج.
اتنهد وقال:
— كنت فاكر الموضوع بسيط.
لكن الظاهر إننا ظلمناها.
أمه بصتله بصدمة.
— إنت كمان؟
قال وهو بيقوم من مكانه:
— آه.
لأن مرات ابني كانت المفروض تبقى بنتي.
مش ضيفة بنستبعدها وقت ما نحب.
…
الكلمات دي…
لو كنت سمعتها من تلات سنين…
يمكن كانت غيرت كل حاجة.
لكن دلوقتي…
كانت متأخرة.
…
جوزي طلع من جيبه خاتم جوازنا.
كان دايمًا بيلبسه.
نزعه…
وحطه على الترابيزة.
وقال بصوت مكسور:
— لو ده آخر يوم بينا…
أنا مستحقش التسامح.
بس مستحق تعرفي الحقيقة.
بصيتله من غير كلام.
قال:
— أول سنة…
كنت ضعيف.
خفت أزعل أمي.
تاني سنة…
بقيت مستعر من إني ما وقفتش جنبك.
فكررت نفس الغلط.
تالت سنة…
كنت عارف إني بخسرك…
بس كنت جبان.
أمه صرخت:
— إنت بتعتذر لها قدامي؟!
لف ناحيتها وقال:
— لا…
أنا بعتذر لنفسي…
إني سمحت لحد يدمر بيتي وأنا واقف أتفرج.
…
أخد مفاتيح العربية.
وقال لأمه:
— من النهارده…
كل واحد مسؤول عن نفسه.
أنا مش هصرف على رحلات…
ولا هحجز مصايف…
ولا هفضل عايش علشان أرضي حد غير ضميري.
قالت بغضب:
— يعني هتقطعنا عشانها؟
رد بهدوء:
— لا…
أنا بخسر مراتي بسببكم.
ومش هخسر نفسي كمان.
…
خرج من البيت.
وأول ما الباب اتقفل…
أمه قعدت على الكنبة.
كانت أول مرة أشوفها ساكتة.
أما أنا…
فدخلت أوضة النوم.
فتحت الدولاب.
لقيت مكان هدومه فاضي.
مش لأنه خدها…
لكن لأني كنت جمعتها في كراتين من أسبوع.
كنت عارفة…
إن الليلة دي جاية.
قفلت الدولاب.
وبصيت في المراية.
لأول مرة…
ما شفتش الست اللي كانت مستنية دعوة.
شفت ست…
عرفت إن قيمتها ما ينفعش تكون مرتبطة بموافقة حد عليها.
يتبع…