سر العائلة المفقود حكايات اسما ×2
بدأ القصر كله يتحرك في لحظة واحدة.
لم يكن الأمر صراخًا ولا فوضى عشوائية… بل كان نوعًا مخيفًا من النظام. رجال يخرجون من الأبواب الجانبية بصمت، أجهزة لاسلكي تهمس بأوامر قصيرة، ستائر تُغلق، أضواء خارجية تشتعل فوق الحديقة كأن الليل نفسه انكشف فجأة.
أما أنا فبقيت واقفة في منتصف المكتب، والرسالة ما تزال تدور في رأسي كرصاصة لم تستقر بعد.
“المرة دي أنا اللي هاخدها بنفسي.”
لم يقل “هقتلها”.
لم يقل “هنتقم”.
قال “هاخدها”.
كأنني شيء ضاع منه.
كأن حياتي كلها كانت ملكية متنازع عليها بين رجال لا أعرفهم.
نظرت إلى سليم الحديدي، الرجل الذي كان قبل ساعة فقط أخطر غريب دخلت حياته بالخطأ، والآن يقول إنه أبي. كان واقفًا أمام المدفأة، الهاتف في يده، وجهه هادئ بطريقة مرعبة، لكن عينيه كانتا تحترقان.
قال لحازم:
ــ اقفلوا المداخل كلها. محدش يدخل ومحدش يخرج غير بأمري.
ثم التفت إلى رجلين عند الباب.
ــ الكاميرات الخلفية… المخزن… البوابة الغربية… عايز التسجيلات قدامي خلال دقيقتين.
تحرك الجميع.
كلهم أطاعوه دون سؤال.
وأنا كنت أراقب هذا العالم الذي سقطت داخله فجأة: عالم الحراس والأسوار والدم القديم والرسائل التي تصل بعد إطلاق النار.
قلت بصوت مبحوح:
ــ أنا لازم أمشي.
التفت إليّ ببطء.
ــ تمشي فين؟
ــ بعيد. بعيد عن هنا. بعيد عنك. بعيد عن كل ده.
اقترب خطوة.
ــ الباب اللي بره اتضرب عليه نار من خمس دقايق، والراجل اللي بعت الرسالة عارف إنك هنا.
قلت وأنا أرتجف:
ــ ويمكن لو خرجت مش هيهاجم القصر تاني.
نظر إليّ نظرة جعلتني أصمت.
ــ رفعت فولاذ ما بيهاجمش علشان يخوف. بيهاجم علشان يعلن إن المعركة بدأت.
ضغطت على السلسلة الفضية في يدي حتى آلمتني أطراف أصابعي.
ــ وأنا مالي بمعارككم؟
لأول مرة، انكسر شيء في وجهه.
شيء سريع… لكنه حقيقي.
ــ إنتي مركزها.
ضحكت بمرارة.
ــ أنا كنت ببيع ورد الصبح يا سليم باشا. كنت بزعل لما الزبونة ترجع البوكيه علشان اللون مش مناسب. كنت بدفع إيجار المحل بالعافية. كنت بخاف من آخر الشهر. فجأة بقيت بنتك المختفية وسر مدفون وعدوك عايزني؟
اقترب أكثر، لكن صوته بقي منخفضًا.
ــ أنا فاهم إن كل ده أكبر من قدرتك.
ــ لا. أنت مش فاهم حاجة.
خرجت الكلمات مني حادة ومكسورة.
ــ أنت مش فاهم يعني إيه حياتك كلها تطلع كذبة. مش فاهم يعني إيه الست اللي ربتك ونامت جنبك وإنت عندك سخونية، وفضلت تاكل أقل علشان تأكلك، تكتشف إنها خطفتك. مش فاهم يعني إيه تبص لراجل قدامك وتقول يمكن ده أبويا… وفي نفس اللحظة تخاف منه أكتر من أي حد.
ساد صمت قاسٍ.
ثم قال سليم:
ــ أنا خوّفت ناس كتير في حياتي، يارا. بس عمري ما كنت عايز أخوفك.
لم أعرف لماذا جعلتني الجملة أبكي أكثر.
ربما لأنها كانت هادئة.
وربما لأنها بدت صادقة.
قبل أن أرد، عاد حازم ومعه جهاز لوحي. وضعه أمام سليم وقال:
ــ التسجيلات وصلت.
اقتربت دون إرادة مني.
ظهرت البوابة الخارجية على الشاشة. الليل، المطر الخفيف، الضوء الأبيض الحاد، ثم سيارة سوداء بلا لوحات توقفت أمام البوابة. نزل منها رجل واحد فقط. كان طويلًا، يرتدي معطفًا رماديًا، ويمشي ببطء كأنه ليس خائفًا من عشرات الحراس خلف الأسوار.
رفع يده.
أطلق طلقة واحدة على الكاميرا الجانبية.
الصورة اهتزت.
ثم أخرج ورقة صغيرة وثبتها على البوابة بسكين.
بعدها عاد إلى السيارة وغادر.
حازم قال:
ــ الوش مش واضح. متعمد يفضل في نقطة عمياء.
قال سليم:
ــ قرب على الإيد.
كبّر حازم الصورة.
تجمد دمي.
نفس الوشم.
أفعى ملتفة حول خنجر.
همست:
ــ هو.
نظر إليّ سليم.
ــ فريد الروسي.
ابتلعت ريقي.
ــ الراجل اللي شفته في المخزن.
قال حازم:
ــ معنى كده إنه ما هربش بعيد. كان هنا بعدها بأقل من ساعة.
تصلب فك سليم.
ــ لأنه كان بيتأكد إنها وصلتلي.
شعرت بقشعريرة تصعد من قدمي إلى رأسي.
ــ ليه؟ ليه يسيبني أوصل لك؟
نظر سليم إلى الشاشة ثم إليّ.
ــ لأنه عايز يفتح باب قديم.
ــ أي باب؟
لم يجب فورًا.
بل اتجه إلى المكتب، أخرج مفتاحًا صغيرًا من سلسلة في جيبه، وفتح درجًا سفليًا لم أكن قد لاحظته. أخرج منه ظرفًا أسود قديمًا، مختومًا بشمع أحمر متشقق.
قال:
ــ ده وصلني بعد اختفائك بأسبوع.
رمق حازم الظرف بنظرة متوترة كأنه يعرفه جيدًا.
أما أنا فشعرت أنني لا أريد أن أسمع ما بداخله.
لكن سليم فتحه.
كانت الورقة قديمة، حوافها صفراء، والخط عليها واضح وقاسٍ.
قرأ بصوت منخفض:
ــ “ابنتك لم تمت يا سليم. لكنها لن تعود إلا يوم تدفع ثمن ما دفنته عائلتك.”
توقف قلبي.
ــ ما دفنته عائلتك؟
أعاد الورقة إلى المكتب.
ــ وقتها ظننتها محاولة ابتزاز.
ــ وماذا دفنتم؟
لم يرفع عينيه نحوي.
وهنا عرفت.
كان هناك شيء.
شيء لم يخبرني به.
قلت ببطء:
ــ أنت تعرف.
لم يجب.
فصرخت:
ــ أنت تعرف!
تحرك حازم خطوة كأنه يريد تهدئتي، لكن سليم رفع يده فمنعه.
ثم قال:
ــ أعرف جزءًا.
ــ احكيه.
ــ مش دلوقتي.
ضحكت بغضب.
ــ طبعًا. مش دلوقتي. دايمًا مش دلوقتي. عشرين سنة وأنا مش عارفة أنا مين، ولما أوصل للحقيقة، برضه مش دلوقتي؟
قال بحزم:
ــ لأن الحقيقة دي ممكن تكسرك.
اقتربت منه حتى صرت أمام مكتبه مباشرة.
ــ أنا اتكسرت خلاص.
تغيرت عيناه.
ثم قال أخيرًا:
ــ قبل ولادتك بسنوات، عائلة الحديدي وعائلة فولاذ كانوا شركاء.
توقفت أنفاسي.
ــ شركاء؟
ــ جدك، كمال الحديدي، ورفعت فولاذ بدأوا من نفس النقطة. تجارة حديد وموانئ ومخازن. في الظاهر كانوا رجال أعمال. في الحقيقة… كان في صفقات قذرة كتير.
استندت إلى الكرسي حتى لا أقع.
ــ وأنت؟
ــ كنت وقتها في الجامعة. لم أدخل الشغل إلا بعد وفاة جدك.
ــ كمل.
بدا كأن كل كلمة تخرج من صدره بصعوبة.
ــ حصل خلاف بينهما على شحنة كبيرة. رفعت قال إن جدك خانه وسرق نصيبه. جدك قال إن رفعت كان بيغرق الشركة كلها في تهريب وسلاح. وفي ليلة واحدة… اختفى ابن رفعت الصغير.
فتحت عيني بصدمة.
ــ ابن رفعت؟
أومأ ببطء.
ــ طفل عمره ست سنين. اسمه آدم.
ــ ماذا حدث له؟
ــ اتقال إنه مات في حريق بمخزن تابع لعيلتنا.
ارتجف صوتي.
ــ اتقال؟
نظر إليّ نظرة ثقيلة.
ــ الجثة كانت متفحمة. التحقيق اتقفل بسرعة. رفعت اتهم عائلتي إنها قتلته انتقامًا. وجدك أنكر. وبعدها بدأت الحرب بين العيلتين.
شعرت بالغرفة تضيق.
ــ وده علاقته بيا إيه؟
قال سليم:
ــ بعد سنين، تزوجت أمك. كانت اسمها ليلى السيوفي.
توقفت عند الاسم.
السيوفي.
نادر السيوفي.
ــ نادر…
ــ أخوها.
وضعت يدي فوق فمي.
ــ الراجل اللي مات كان خالي؟
أخفض سليم نظره للحظة.
ــ نعم.
لم أستطع الكلام.
الرجل الذي رأيته يسقط في المخزن، الرجل الذي ارتطم بالأرض أمام عيني، لم يكن مجرد شاهد أو خائن أو موظف سابق.
كان دمي.
كان عائلتي.
همست:
ــ كان يعرفني؟
ــ ربما اكتشفك مؤخرًا. أو ربما عرف من زمان وخاف.
دموعي انهمرت بصمت.
لا أعرف لماذا بكيت عليه وأنا لا أعرفه.
ربما لأنني فقدت رجلًا من عائلتي في نفس الليلة التي عرفت أنه موجود.
ربما لأن الحقيقة كلما فتحت بابًا، وجدت خلفه جنازة.
قلت:
ــ أمي ماتت في حادث. وخالي اتقتل. وأنا اتخطفت. وكل ده مرتبط برفعت فولاذ وبجدك.
سكت سليم.
فسألته:
ــ وأنت عايزني أصدق إنك بريء؟
كانت الجملة قاسية.
رأيت أثرها في وجهه.
لكنه لم يغضب.
قال فقط:
ــ لا أطلب منك تصدقيني. أطلب منك تفضلي حية لحد ما تعرفي بنفسك.
في تلك اللحظة دخلت دكتورة منى بسرعة، وعلى وجهها قلق واضح.
ــ سمعت ضرب نار.
قال سليم:
ــ اتصرفنا.
نظرت إليّ ثم إليه.
ــ البنت مش حمل اللي بتعملوه ده.
قلت فورًا:
ــ أنا مش بنت صغيرة.
ردت بهدوء:
ــ أيوه. واضح. علشان كده وشك أبيض وشفايفك بتترعش وإيدك ماسكة السلسلة كأنها آخر حبل نجاة.
لم أجب.
اقتربت مني ووضعت يدها على كتفي.
ــ تعالي معايا.
نظرت إلى سليم بحذر.
قال:
ــ روحي. مفيش تحقيق تاني الليلة.
ضحكت بسخرية.
ــ تقدر تمنع نفسك؟
قال بصوت منخفض:
ــ هحاول.
سارت دكتورة منى بي عبر ممر طويل خارج المكتب. لأول مرة رأيت القصر بعيدًا عن الخوف المباشر. لوحات قديمة، ثريات ثقيلة، سجاد فارسي، نوافذ عالية مطلة على حديقة مظلمة تلمع بالمطر. كان المكان جميلًا بطريقة خانقة، كأنه متحف للأسرار.
دخلنا غرفة ضيوف في الطابق الأول. كانت واسعة، دافئة، وستائرها مغلقة. أخرجت لي منى ملابس نظيفة من خزانة جانبية.
ــ خدي دش سريع وغيّري هدومك. وهجيبلك شاي.
سألتها قبل أن تخرج:
ــ هل كنتِ تعرفينني؟
توقفت عند الباب.
استدارت ببطء.
ــ شفتك مرة واحدة وإنتي رضيعة.
حبست أنفاسي.
ــ وكنتِ تعرفين أنني ابنته؟
اقتربت مني ثانية.
ــ يا يارا… ليلة اختفائك كسرت سليم بطريقة محدش شافها غيري.
ابتلعت دموعي.
ــ هو كان يحبني؟
نظرت إليّ طويلاً.
ــ كان بيخاف يشيلك من كتر ما كان حاسس إنك حاجة أغلى من إيديه.
خرجت وتركتني وحدي.
دخلت الحمام، ووقفت تحت الماء الدافئ، لكن جسدي لم يشعر بالدفء. كل كلمة سمعتها كانت تنغرس في رأسي. يارا الحديدي. نوال خطفتك. أمك ليلى ماتت. خالك نادر قُتل. رفعت فولاذ يريدك. وعائلة الحديدي دفنت شيئًا منذ عشرين عامًا.
عندما خرجت، وجدت شايًا على الطاولة، وطبقًا صغيرًا فيه عسل وبسكويت. جلست على طرف السرير وأنا أرتدي قميصًا قطنيًا واسعًا وبنطالًا رياضيًا لا أعرف لمن كانا. شعرت للحظة أنني طفلة ضائعة في بيت غريب.
ثم رأيت حقيبتي القديمة موضوعة قرب الباب.
اقتربت منها بسرعة.
كانت حقيبتي التي تركتها عند سور المخزن أثناء الهروب.
فتحتها بيد مرتجفة.
هاتفي، محفظتي، مفاتيح محل الورود، دفتر صغير أكتب فيه طلبات الزبائن… وكلها تبدو الآن كأشياء من حياة بعيدة.
فتحت الهاتف.
كان هناك سبعة عشر اتصالًا فائتًا.
كلها من رقم واحد.
نوال.
تجمدت أصابعي فوق الشاشة.
ثم وصلت رسالة جديدة.
“يارا… اسمعيني قبل ما تصدقيه. سليم الحديدي هو السبب في موت أمك.”
شعرت أن الغرفة مالت بي.
جلست على الأرض.
ثم وصلت رسالة ثانية.
“واهربي من القصر فورًا. لأن لو فضلتي هناك، هتعرفي ليه خطفتك… وهتكرهيني.”
لم أتنفس.
لم أفكر.
فقط حدقت في الرسالة حتى صارت الحروف مشوشة.
وفجأة سمعت طرقًا خفيفًا على الباب.
خبأت الهاتف بسرعة تحت الوسادة.
دخل حازم بعد أن استأذن.
كان يحمل حقيبة صغيرة.
ــ دي حاجاتك. لقيتها الرجالة جنب السور.
قلت بصوت حاولت أن أجعله طبيعيًا:
ــ شكرًا.
توقف عند الباب، ثم قال:
ــ سليم باشا مش وحش زي ما شكله بيقول.
نظرت إليه.
ــ وأنت تعرفه من زمان؟
ــ من قبل ما أتعلم أخبي خوفي.
ابتسم ابتسامة صغيرة ثم اختفت.
ــ اشتغلت معاه بعد ما أنقذ أخويا من ناس رفعت فولاذ. من يومها وأنا عارف إن الراجل ده يعمل حاجات قاسية… بس مش من النوع اللي يبيع دمه.
سألته:
ــ ونوال؟
تغير وجهه قليلًا.
ــ إنتي كلمتيها؟
لم أجب بسرعة كافية.
فهم.
اقترب خطوة.
ــ قالتلك إيه؟
قلت بحدة:
ــ دي حياتي. من حقي أسمع من كل الناس.
ــ من حقك. بس مش كل الناس هتقولك الحقيقة علشان تنقذك. في ناس بتقول نص الحقيقة علشان تقودك للمكان اللي عايزاه.
كلماته خوفتني أكثر مما طمأنتني.
خرج حازم، وبقيت وحدي مرة أخرى.
أمسكت الهاتف.
اتصلت بنوال.
رن مرة.
مرتين.
ثم جاء صوتها.
ــ يارا!
كان صوتها منهارًا.
وللحظة… نسيت كل شيء.
نسيت الخطف والدم والحديدي وفولاذ.
سمعت فقط صوت المرأة التي ربتني.
قلت باكية:
ــ إنتِ كذبتي عليا؟
صمتت.
كان صمتها اعترافًا.
صرخت بصوت مكتوم:
ــ قوليلي إنهم كذابين.
سمعتها تبكي.
ــ أنا آسفة.
تصلب جسدي.
ــ اسمي إيه؟
همست:
ــ يارا.
ــ يارا إيه؟
صمتت أطول.
ثم قالت:
ــ الحديدي.
أغمضت عيني.
كان الاعتراف أقسى من كل دليل.
قلت:
ــ ليه؟
ــ علشان أنقذك.
ــ من أبويا؟
ــ من البيت كله.
ــ هو قال إنك خطفتيني.
ــ أيوه.
قالتها بلا مراوغة.
بلا دفاع.
بلا تزيين.
ــ خطفتك. بس لو ما كنتش عملت كده… كانوا هيدفنوك جنب أمك.
توقفت أنفاسي.
ــ مين؟
همست نوال:
ــ اسمعيني كويس. متثقيش في الملف اللي وراه. متثقيش في صورته معاك. متثقيش في السلسلة. كل دي حقيقة… بس مش الحقيقة كلها.
ــ أمي ماتت إزاي؟
بكت.
ــ مش حادث.
برد جسدي كله.
ــ مين قتلها؟
قبل أن تجيب، سمعت صوتًا بعيدًا في الخلفية. كأن بابًا فُتح بقوة.
ثم شهقت نوال.
ــ يارا… اقفلي دلوقتي.
ــ في إيه؟
صار صوتها همسًا مرتعبًا.
ــ هو وصل.
ــ مين؟
لم تجبني.
سمعت خطوات.
ثم صوت رجل ناعم، ساخر، قريب من الهاتف:
ــ مساء الخير يا بنت سليم.
تجمدت.
لم يكن صوت سليم.
قال الرجل:
ــ أخيرًا سمعنا صوتك.
همست:
ــ مين معاك؟
ضحك بهدوء.
ــ اسألي أبوكي. هو عارفني كويس.
ثم انقطع الخط.
بقيت الهاتف ملتصقًا بأذني، وأنا عاجزة عن الحركة.
ثانية واحدة.
ثانيتان.
ثم انفتح الباب فجأة.
دخل سليم بنفسه، وخلفه حازم.
عيناه وقعتا على الهاتف في يدي.
لم يحتج أن يسأل.
قال:
ــ كلمتي نوال.
لم أستطع الرد.
قال حازم بسرعة:
ــ قدرنا نحدد موقع المكالمة. شبرا الخيمة… بس الإشارة اتحركت بعدها.
وقف سليم أمامي.
ــ قال إيه؟
همست:
ــ رجل رد عليا.
تغير وجهه فورًا.
ــ صوته؟
قلت بصعوبة:
ــ هادي… وساخر… وقال اسألي أبوكي.
أغلق سليم عينيه لحظة واحدة.
قال حازم:
ــ رفعت؟
فتح سليم عينيه.
ــ لا.
ثم نظر إليّ.
ــ ده أسوأ.
كاد قلبي يتوقف.
ــ مين؟
قال بصوت منخفض:
ــ آدم فولاذ.
بقيت أحدق فيه دون فهم.
ــ ابن رفعت مات من عشرين سنة.
قال سليم:
ــ ده اللي كلنا صدقناه.
شعرت أن كل الماضي الذي رواه لي منذ قليل انقلب فوق رأسي.
ــ يعني… حي؟
ــ يبدو كده.
قال حازم:
ــ لو آدم عايش، يبقى الحريق كان تمثيلية.
رد سليم:
ــ أو كان فيه طفل تاني اتحرق مكانه.
غثيت.
وضعت يدي على فمي.
ــ كفاية…
لكن سليم تابع كأنه لا يملك رفاهية التوقف:
ــ وده يفسر كل حاجة. رفعت ما خطفكيش علشان ينتقم بس. هو كان بيوازن الدم بالدم.
رفعت رأسي إليه ببطء.
ــ يعني أنا كنت مقابل ابنه؟
لم يجب.
وهذا كان جوابًا.
جلست على السرير لأن ساقيّ لم تعودا تحملاني.
قلت بصوت متكسر:
ــ أنا لا أعرف مَن الضحية ومَن الجاني في القصة دي.
اقترب سليم وجلس أمامي على المقعد القريب.
ــ ولا أنا.
كانت تلك أول مرة يعترف فيها بالجهل.
وأخافتني أكثر.
قال حازم فجأة:
ــ سليم باشا… في حاجة لازم تشوفها.
أعطاه الجهاز اللوحي مرة أخرى.
ظهرت صورة ملتقطة من كاميرا طريق جانبي قرب القصر.
سيارة سوداء.
ثم نافذة نصف مفتوحة.
وفي الداخل وجه رجل.
كان في أواخر العشرينات أو بداية الثلاثينات، ملامحه حادة، عيناه غامقتان، وعلى خده أثر جرح قديم.
كبر حازم الصورة.
قال:
ــ التعرف الأولي طلع مطابق بنسبة كبيرة لصورة آدم فولاذ وهو طفل… بعد المعالجة العمرية.
نظر سليم إلى الصورة وكأنه يرى شبحًا.
أما أنا…
فشعرت بشيء أغرب من الخوف.
ذلك الوجه.
كنت قد رأيته من قبل.
ليس في المخزن.
ليس الليلة.
بل منذ أسبوع.
في محل الورود.
جاء وطلب باقة توليب أبيض.
لم يبتسم.
لم يساوم.
فقط ترك ورقة نقدية كبيرة وقال:
“الورد الأبيض مناسب للجنازات… وللبدايات الجديدة.”
وقتها ظننته رجلًا غريب الأطوار.
الآن عرفت أنه كان يراقبني.
همست:
ــ أنا أعرفه.
التفت سليم إليّ بسرعة.
ــ إزاي؟
قلت، والبرد يسري في عروقي:
ــ كان في المحل عندي.
ــ إمتى؟
ــ من أسبوع.
تبادل سليم وحازم نظرة ثقيلة.
ثم قال سليم:
ــ يعني هو عرفك قبل نادر ما يموت.
سألته بخوف:
ــ طب ليه ما أخدنيش وقتها؟
لم يجب أحد.
حتى قال حازم بصوت منخفض:
ــ يمكن كان مستنيها تدخل بيت الحديدي بنفسها.
شعرت وكأن الفخ أُغلق حولي من كل الجهات.
كل خطوة الليلة لم تكن هروبًا.
كانت طريقًا مرسومًا.
المخزن.
الجريمة.
المطاردة.
السور.
غرفة النوم الخطأ.
سليم.
الملف.
الرسالة.
كلها خيوط تسحبني إلى قلب حرب لم تبدأ الليلة… بل بدأت قبل ولادتي.
نهض سليم فجأة.
ــ هتتنقلي لمكان آمن.
قلت فورًا:
ــ لا.
ــ يارا…
ــ لا. كفاية ناس تقرر مكاني وحياتي واسمي. أنا مش هتحرك غير وأنا فاهمة.
قال بحدة:
ــ الفهم مش هينفعك لو آدم فولاذ دخل هنا.
وقفت أمامه رغم خوفي.
ــ والهرب مش هينفعني لو الحقيقة بتطاردني.
نظر إليّ طويلًا.
ثم قال:
ــ عندك عناد أمك.
تجمدت.
كانت أول مرة يذكرها بهذه الطريقة.
ليس كجثة.
ليس كحادث.
بل كإنسانة.
سألته بهدوء مكسور:
ــ كانت عاملة إزاي؟
تغير وجهه.
جلس ببطء، وكأن السؤال أصابه في مكان لم يلمسه أحد منذ سنوات.
ــ كانت لا تخاف من اسمي.
ابتسم ابتسامة صغيرة حزينة.
ــ وده كان أول شيء أحببته فيها. كل الناس كانت تحسب خطواتها معايا. ليلى كانت تدخل مكتبي وتقول رأيها كأنها صاحبة المكان.
جلست دون أن أشعر.
تابع:
ــ كانت تحب الورد الأبيض. تقول إنه مش ورد حزن، ورد بداية. وكانت كل مرة تزعل مني تجيب توليب أبيض وتحطه على مكتبي بدل ما تعتذر.
شهقت بصوت خافت.
التوليب الأبيض.
المحل.
آدم.
كل شيء يدور حول نفس الرمز.
قال سليم:
ــ يوم ماتت… كانت رايحة تقابل نادر.
ــ ليه؟
ــ لأنها اكتشفت شيئًا في حسابات العائلة. تحويلات قديمة باسم جدك… مرتبطة بحريق مخزن آدم فولاذ.
ــ يعني أمّي كانت تعرف الحقيقة؟
ــ كانت قريبة منها.
ــ وأنت؟
نظر إلى يديه.
ــ هي حاولت تقولي. وأنا ما سمعتهاش.
لأول مرة، رأيت ندمًا حقيقيًا يثقل كتفيه.
ــ كنت مشغولًا بالحرب مع رفعت. كنت فاكر كل حاجة منه خدعة. لما قالتلي إن في خيانة من جوه بيتنا… اتهمتها بالخوف والارتباك.
صوته انخفض.
ــ وبعدها بساعات ماتت.
الصمت الذي تبع كلماته كان أشبه بقبر مفتوح.
قلت:
ــ عشان كده نوال هربت بيا.
ــ ربما.
ــ لأنها صدقت أمي.
ــ وربما لأنها عرفت القاتل.
رن هاتف سليم هذه المرة.
نظر إلى الشاشة.
لم يرد فورًا.
كان الرقم مجهولًا.
قال حازم:
ــ ما تردش.
لكن سليم ضغط زر السماعة وفتح المكالمة على الصوت العالي.
جاء نفس الصوت الذي سمعته عبر هاتف نوال.
هادئًا.
ناعمًا.
ومرعبًا.
ــ وحشتني يا سليم الحديدي.
تجمدت يداي.
قال سليم:
ــ آدم.
ضحك الرجل.
ــ كنت أفضل تقول: مرحبًا بالميت العائد.
رد سليم ببرود:
ــ نوال معاك؟
ــ مؤقتًا.
اندفعت للأمام.
ــ سيبها!
صمت الرجل لحظة.
ثم قال بنبرة مختلفة:
ــ يارا.
كان يعرف اسمي كأنه يتذوقه.
ــ إنتي كبرتي فعلًا.
شعرت بالقشعريرة.
قال سليم بصوت حاد:
ــ كلمها تاني وأنا…
قاطعه آدم:
ــ هتعمل إيه؟ هتقتلني؟ زي ما عيلتك قتلت طفل مكان طفل؟ زي ما دفنت الحقيقة تحت الخرسانة؟ لا يا سليم. أنت محتاجني حي. لأن أنا الوحيد اللي أقدر أقول لبنتك أمها ماتت ليه.
ارتجفت.
صرخت:
ــ إنت تعرف؟
قال آدم:
ــ أعرف أكتر منه. وأكتر من نوال. وأكتر من نادر قبل ما يسكتوه.
قال سليم:
ــ ماذا تريد؟
ضحك آدم بهدوء.
ــ أخيرًا السؤال الصح.
ثم قال:
ــ بكرة قبل الفجر، يارا تيجي لوحدها لمخزن الورود القديم على طريق الإسماعيلية. نفس المكان اللي ماتت فيه ليلى. لو حد جه معاها… نوال تموت. ولو ما جتش… هبعتلها الحقيقة قطعة قطعة.
قال سليم بصرامة:
ــ مش هتحصل.
رد آدم:
ــ هتحصل. لأنها مش بنتك بس يا سليم… هي الشاهدة الأخيرة على الليلة اللي فاكرينها نسيتها.
التفتت عيوني إلى سليم.
همست:
ــ شاهدة؟
قال آدم:
ــ اسأليه عن الأغنية اللي كانت أمك بتغنيهالك في العربية قبل ما النار تبدأ.
شعرت بصداع حاد يضرب رأسي.
أغنية؟
نار؟
طريق؟
وفجأة… ومضة.
ظلام.
مطر على زجاج سيارة.
يد امرأة تمسك يدي.
صوت ناعم يغني:
“نامي يا يارا… الليل حارس…”
ثم ضوء أبيض قوي.
صرخة.
رائحة بنزين.
فتحت عيني وأنا ألهث.
كان سليم يمسك كتفيّ حتى لا أسقط.
وصوت آدم ما يزال في الهاتف يقول:
ــ الذاكرة مش ماتت… هي بس مستنية اللي يصحيها.
ثم انقطعت المكالمة.
لم يقل أحد شيئًا.
لأن الحقيقة، لأول مرة، لم تعد ملفًا أو صورة أو شهادة ميلاد.
كانت داخلي.
مدفونة في مكان أعمق من الخوف.
رفعت رأسي إلى سليم وقلت بصوت لم أعرفه:
ــ أنا هروح.
اشتعلت عيناه.
ــ لا.
قلت:
ــ نوال معاه.
ــ هجيب نوال بطريقتي.
ــ وأمي؟
توقف.
ــ لو هو يعرف الحقيقة…
ــ هو عايز يستخدمك.
قلت والدموع على وجهي:
ــ الكل استخدمني. الفرق إن المرة دي أنا هعرف ليه.
اقترب مني وقال بصوت خافت لكنه حاد:
ــ لن أستعيدك بعد عشرين سنة علشان أسلمك له قبل الفجر.
نظرت إليه مباشرة.
ــ إذًا لا تسلمني. ساعدني.
ساد صمت طويل.
حازم قال بقلق:
ــ سليم باشا…
لكن سليم رفع يده.
كان ينظر إليّ كما لو كان يرى ليلى في ملامحي، أو يرى كل الأخطاء التي ارتكبها تقف أمامه وتطالبه بثمنها.
أخيرًا قال:
ــ هتروحي… لكن مش لوحدك.
قلت:
ــ قال لو حد جه معايا…
ــ مش هيشوف حد.
تدخل حازم:
ــ نجهز فريق ظل؟
أومأ سليم.
ــ من غير عربيات قريبة. من غير أجهزة ظاهرة. ومن غير أي حركة قبل ما يثبت مكان نوال.
ثم نظر إليّ.
ــ لكن في شرط.
ــ إيه؟
ــ لو قلتلك تنزلي على الأرض… تنزلي. لو قلتلك تجري… تجري. لو قلتلك تصمتي… تصمتي. العناد هناك مش شجاعة. العناد هناك موت.
هززت رأسي ببطء.
لكن داخلي لم يكن مطيعًا.
كان يحترق.
بعد نصف ساعة، كنت أجلس في سيارة سوداء صغيرة لا تحمل أي علامة فخمة، أرتدي معطفًا داكنًا فوق ملابس بسيطة. شعري كان مربوطًا للخلف، وقلبي يخبط كأنه يريد كسر ضلوعي.
سليم جلس بجانبي في الخلف.
لم يأخذ موكبًا.
لم يأخذ حراسه الظاهرين.
فقط حازم يقود، وسيارتان بعيدتان لا تكادان تُريان في المرايا.
القاهرة قبل الفجر كانت غريبة. شوارع شبه خالية، محلات مغلقة، كلاب تفتش في الظلال، وأضواء صفراء تجعل المدينة تبدو كأنها لم تستيقظ بعد من كابوس طويل.
لم نتكلم في البداية.
ثم قلت:
ــ هل تمنيت يومًا أنني متّ بدل أن أختفي؟
التفت إليّ بسرعة وكأن السؤال ضربه.
ــ لا تقولي كده.
ــ أحيانًا الحقيقة بتكون أقسى من الموت.
قال بصوت مبحوح:
ــ أنا عشت عشرين سنة وأنا لا أملك قبرًا أبكي عنده ولا بابًا أطرقه. كنت بين أمل يعذبني ويأس يقتلني. فلا… لم أتمن موتك ولا ثانية.
شعرت بشيء داخل صدري يرتجف.
لم يكن غفرانًا.
لكنه كان بداية سؤال جديد:
ماذا لو كان هذا الرجل يحبني فعلًا؟
وصلنا إلى طريق مهجور قرب منطقة مخازن قديمة. كان الفجر يقترب، والسماء رمادية ثقيلة. وقفنا على بعد كبير.
قال حازم:
ــ المكان قدامنا بخمسمية متر.
سليم أخرج سماعة صغيرة ووضعها في يدي.
ــ هتفضلي سامعاني.
أخذتها.
ــ ولو قطعوا الإشارة؟
ــ بصي في عينيه. خليكي هادية. آدم مش هيقتلك بسرعة. هو عايز يحكي.
ــ هذا يطمئن جدًا.
لأول مرة كاد يبتسم، لكنه لم يفعل.
ثم قال:
ــ يارا.
توقفت قبل أن أفتح الباب.
ــ نعم؟
نظر إليّ طويلًا.
ــ لو شوفت نوال… لا تقرري بقلبك فقط.
لم أرد.
نزلت من السيارة.
كان الهواء باردًا ورائحته تراب وبنزين قديم. بدأت أمشي نحو المخزن وحدي، وكل خطوة تجعل الماضي يعلو داخلي كصوت موج بعيد.
المبنى ظهر أمامي أخيرًا.
مخزن قديم، بابه المعدني نصف مفتوح، وعلى جانبه ورود بيضاء مبعثرة فوق الأرض.
توليب أبيض.
دخلت.
كان المكان مظلمًا إلا من ضوء واحد متدلٍ من السقف.
وفي منتصف المخزن كانت نوال جالسة على كرسي، يداها مقيدتان، وعلى وجهها كدمة.
صرخت:
ــ ماما!
نعم.
قلت ماما.
رغم كل شيء.
رفعت نوال رأسها وبكت فورًا.
ــ يارا… ليه جيتي؟
وقبل أن أقترب، ظهر رجل من الظل.
آدم فولاذ.
نفس الرجل من محل الورود.
نفس العينين الباردتين.
قال بابتسامة هادئة:
ــ لأنها بنت أمها.
ثبت مكاني.
قالت نوال وهي ترتجف:
ــ اهربي.
لكن آدم رفع يده.
ــ لا. مفيش هروب الليلة. الليلة هنرجع عشرين سنة لورا.
نظرت إليه وقلت:
ــ أنت عايز مني إيه؟
اقترب خطوة.
ــ عايزك تفتكري.
ــ أفتكر ماذا؟
أخرج من جيبه شريط كاسيت صغير قديم.
ثم وضعه في جهاز تسجيل على طاولة صدئة.
بدأ الصوت يخرج مشوشًا.
امرأة تبكي.
رجل يصرخ.
ثم صوت أمي.
عرفته دون أن أعرفه.
صوتها كان نفسه الصوت الذي غنى في الذاكرة.
قالت في التسجيل:
“سليم… لو سمعت الشريط ده، يبقى أنا فشلت أهرب. يارا شافت كل حاجة. بنتنا شافت مين حط البنزين… ومين قفل الباب… ومين أمر بالحريق الأول من عشرين سنة.”
تجمد الدم في عروقي.
ثم جاء صوت آخر في التسجيل.
صوت رجل مسن.
قاسٍ.
آمر.
“البنت الصغيرة لازم تختفي. طالما شافت، هتكبر وتفضحنا.”
نظرت إلى آدم.
قال بهدوء:
ــ ده صوت جدك… كمال الحديدي.
شعرت أن الأرض انشقت تحتي.
وقبل أن أستوعب، أضاف آدم:
ــ والسؤال الحقيقي يا يارا… هل أبوكي كان يعرف؟
في السماعة داخل أذني، سمعت نفس سليم ينقطع.
ولأول مرة منذ عرفته…
لم يكن لديه جواب.
يتبع

