١٢٠ مليون حكـايـات أسمـا ×٤
الفصل السادس: الشاهد الذي عاد من الظل
الصمت سيطر على قاعة الاجتماعات بالكامل.
كل العيون اتجهت ناحية المستشار عادل المنياوي.
الرجل الذي اختفى فجأة من المشهد قبل شهور.
والذي كان يعتبر اليد اليمنى لوالد سارة لأكثر من عشرين سنة.
حتى كريم فقد لونه للحظات.
لكن سرعان ما استعاد هدوءه المصطنع.
وقال بابتسامة متوترة:
“أستاذ عادل… أخيرًا رجعت.”
عادل لم يبتسم.
لم يمد يده.
لم يرد التحية أصلًا.
فقط سحب كرسيًا وجلس.
ثم قال:
“أنا ما رجعتش.”
“أنا اتطلب مني أحضر.”
ثم نظر نحو سارة.
وأضاف:
“علشان الحقيقة لازم تتقال.”
أحد أعضاء مجلس الإدارة قال باستغراب:
“إيه الحقيقة؟”
فتح عادل حقيبة جلدية قديمة.
وأخرج ملفًا أصفر.
واضح إنه قديم.
لكن محتواه كان كافيًا ليجعل كريم يبلع ريقه بصعوبة.
قال عادل:
“قبل وفاة الحاج محمود الشاذلي بثلاثة أسابيع.”
“طلب مني أبدأ تحقيق سري.”
همهمات بدأت تنتشر في القاعة.
أما كريم فظل ساكتًا.
لكن أصابعه بدأت تتحرك بعصبية فوق الطاولة.
عادل فتح الملف.
وأخرج عدة صور.
ثم وضعها أمام الجميع.
قال:
“دي صور لاجتماعات حصلت خارج الشركة.”
“بين كريم الشاذلي.”
ثم وضع صورة ثانية.
“وياسمين السيوفي.”
ثم صورة ثالثة.
“والمستشار المالي السابق للشركة.”
أحد الأعضاء شهق.
لأنه كان يعرف الرجل جيدًا.
سارة كانت تراقب كريم فقط.
وكانت تلاحظ أن العرق بدأ يظهر فوق جبينه.
لأول مرة.
التمثيل بدأ ينهار.
قال عادل:
“الحاج محمود شاف حاجة غلط.”
“وكلمني بنفسه.”
ثم أخرج ورقة أخرى.
“ودي نسخة من آخر رسالة وصلتني منه.”
سارة شعرت بقلبها يقف.
لأنها كانت ترى خط والدها مرة أخرى.
قرأ عادل بصوت مرتفع:
“إذا حصل لي أي شيء بشكل مفاجئ… افتح الملف الأحمر.”
الصمت عاد من جديد.
ثم أكمل:
“بعد وفاته بيومين.”
“الملف الأحمر اختفى.”
كل الموجودين تبادلوا النظرات.
أما كريم فبقى جامدًا في مكانه.
لكن عيناه كانتا مليئتين بالرعب.
فجأة قال أحد الأعضاء:
“حضرتك بتلمح لإيه؟”
عادل رد بهدوء:
“مش بلمح.”
ثم أخرج فلاشة صغيرة.
ووضعها على الطاولة.
“أنا بتكلم بأدلة.”
في اللحظة نفسها.
وقف كريم فجأة.
وقال بصوت مرتفع:
“كفاية مهزلة.”
الجميع التفت إليه.
وقال:
“كل الكلام ده اتهامات.”
ثم نظر نحو سارة.
وأضاف:
“وأنتِ مصدقة الكلام ده؟”
سارة لم ترد.
فأكمل:
“بعد عشر سنين جواز؟”
“بعد كل اللي عملته علشانك؟”
لثوانٍ.
بدا كأنه الضحية.
لكن سارة فتحت الملف الأسود أمامها.
وأخرجت ورقة واحدة.
ثم دفعتها ناحية كريم.
“إيه ده؟”
سأل بعصبية.
قالت بهدوء:
“بص.”
نظر للورقة.
وفي أقل من ثانية…
اختفى آخر لون من وجهه.
لأن الورقة كانت كشف تحويل مالي.
بتوقيعه هو.
وبمبلغ سبعة وعشرين مليون جنيه.
إلى شركة الأفق.
همسات انفجرت في القاعة.
أما كريم فقال بسرعة:
“ده استثمار.”
قالت سارة:
“بجد؟”
ثم أخرجت ورقة ثانية.
وثالثة.
ورابعة.
وعشرات الصفحات.
كلها تحويلات.
وكلها باسمه.
عادل تنهد.
ثم قال:
“لسه ما وصلناش للنقطة المهمة.”
رفع الجميع رؤوسهم.
فأكمل:
“في شخص كان موجود ليلة وفاة الحاج محمود.”
“وشاف حاجة محدش شافها.”
الباب انفتح.
ودخل رجل نحيف في الخمسينات.
يرتدي ملابس بسيطة.
ويتحرك بتوتر واضح.
سارة لم تعرفه.
لكن كريم عرفه فورًا.
والدليل…
أنه تراجع خطوة للخلف.
قال عادل:
“عرفته؟”
كريم لم يرد.
الرجل الجديد قال بصوت مرتعش:
“أنا سامي.”
“كنت فني صيانة أجهزة في المستشفى.”
ثم نظر ناحية سارة.
وأضاف:
“وأشهد قدام ربنا إني شوفت الأستاذ كريم ليلة وفاة والد حضرتك.”
القاعة كلها تجمدت.
حتى الهواء بدا وكأنه توقف.
قال سامي:
“كنت بصلح جهاز مراقبة في الممر.”
“وشفت الأستاذ كريم خارج من غرفة الحاج محمود بعد منتصف الليل.”
ثم سكت.
وبدأت يداه ترتعشان.
سأله أحد الأعضاء:
“وبعدين؟”
أخذ نفسًا عميقًا.
وقال:
“بعد ما خرج.”
“دخلت الغرفة علشان أراجع الجهاز.”
“ولقيت حاجة غريبة.”
سارة شعرت بأن قلبها يكاد ينفجر.
“إيه هي؟”
نظر إليها.
ثم قال:
“كيس المحلول كان متغير.”
الصمت تحول إلى صدمة كاملة.
أما كريم فصرخ فجأة:
“كداب!”
لكن سامي أكمل:
“أنا بلغت المشرف وقتها.”
“بس بعدها بأيام اختفى التقرير.”
ثم نظر مباشرة إلى كريم.
وقال:
“واتعرض عليا فلوس علشان أسكت.”
لم يعد أحد ينظر إلى سارة.
ولا إلى عادل.
كل الأنظار أصبحت على كريم.
الرجل الذي بدأ يفقد السيطرة.
لكن المفاجأة الأكبر جاءت في اللحظة التالية.
حين دخل أحد موظفي الأمن القاعة مسرعًا.
ووجهه شاحب.
وقال:
“في مشكلة كبيرة.”
عادل سأله:
“إيه؟”
قال الموظف:
“الشرطة وصلت.”
ثم نظر مباشرة إلى سارة.
وأضاف:
“ومعاهم أمر ضبط وإحضار.”
الجميع تجمد.
لكن الصدمة الحقيقية كانت في الجملة التالية:
“الأمر صادر باسم…”
توقف لحظة.
ثم أكمل:
“سارة الشاذلي.”
انفجرت القاعة بالكامل.
أما سارة فشعرت وكأن الأرض اختفت من تحت قدميها.
لأنها أدركت في تلك اللحظة…
أن كريم لم يكن فقط يخطط للسرقة.
بل كان قد أعد خطة كاملة تجعلها هي المتهمة الرئيسية إذا انكشف كل شيء.
يتبع في الفصل السابع… عندما تكتشف سارة أن اسمها موجود في ملفات الجريمة كلها، وأن شخصًا ما زرع الأدلة ضدها منذ شهور.
الفصل السابع: الفخ الأخير
دخل ضباط الشرطة إلى القاعة.
والوجوم سيطر على الجميع.
اقترب الضابط المسؤول من سارة وقال باحترام:
“أستاذة سارة الشاذلي؟”
وقفت.
“أنا.”
أخرج ملفًا رسميًا.
وقال:
“وردت إلينا بلاغات وتحويلات مالية مشبوهة مرتبطة باسم حضرتك.”
قبل أن تتكلم.
قفز كريم من مكانه.
وكأنه مصدوم.
“إيه؟ سارة؟ مستحيل!”
لأول مرة لمعت عينا سارة.
لأن تمثيله كان مكشوفًا تمامًا الآن.
خلال ساعة كاملة.
تم نقل الجميع إلى مقر التحقيق.
وهناك بدأت الصورة الحقيقية تظهر.
كل التحويلات التي اختفت.
كل الشركات الوهمية.
كل المستندات.
كانت تحمل اسم سارة.
وتوقيعها.
وبصمتها الإلكترونية.
كل شيء مرتب بإتقان.
وكأن شخصًا قضى شهورًا يبني قضية كاملة ضدها.
لكن كريم ارتكب خطأً صغيرًا جدًا.
والأذكياء يسقطون أحيانًا بسبب أصغر الأخطاء.
في منتصف التحقيق.
دخل المحامي الخاص بسارة.
ومعه خبير جرائم إلكترونية.
طلب الاطلاع على سجلات الدخول للحسابات.
وبعد ساعات من الفحص.
ظهر ما لم يكن كريم يتوقعه.
جميع العمليات تمت من جهاز واحد.
وفي أوقات كانت سارة خارج البلاد.
أو في المستشفى بجوار والدها.
أو في أماكن مثبتة بالكاميرات.
لكن الأهم…
أن الجهاز نفسه كان مسجلًا باسم الشركة.
ويستخدمه شخص واحد فقط.
كريم الشاذلي.
عند هذه النقطة بدأ المحققون يركزون عليه.
وبدأت إجاباته تتناقض.
مرة يقول إنه لا يعرف.
ومرة يقول إن سارة طلبت منه.
ومرة يدعي أن المحاسب مسؤول.
ثم بدأ الجميع ينهار.
المحاسب اعترف.
مدير الحسابات اعترف.
المستشار المالي اعترف.
وياسمين اعترفت أيضًا.
كل واحد منهم كان يحاول إنقاذ نفسه.
وكل اعتراف كان يقود إلى اسم واحد.
كريم.
بعد ثلاثة أيام.
تم القبض عليه رسميًا.
وأثناء خروجه من مبنى التحقيقات مكبل اليدين.
كانت الكاميرات في كل مكان.
الصحفيون يصرخون.
والأسئلة تتطاير من كل اتجاه.
أما سارة فكانت تراقب المشهد من داخل سيارتها.
في صمت.
لكن النهاية الحقيقية لم تأتِ بعد.
لأن هناك سؤالًا واحدًا ظل معلقًا.
هل كريم كان له علاقة بوفاة والدها؟
استمر التحقيق أشهرًا.
وتمت مراجعة التسجيلات الطبية.
والتقارير.
وشهادات العاملين.
وفي النهاية ظهرت الحقيقة.
لم يتمكن الادعاء من إثبات جريمة قتل متعمدة.
لكن تم إثبات العبث ببعض الإجراءات الطبية ومحاولة إخفاء تقارير مهمة تخص حالة والدها.
وهو ما أدى إلى توجيه اتهامات إضافية لكريم والمتورطين معه.
بعد عام كامل.
كانت سارة تقف في نفس مكتب المحامي الذي بدأت فيه القصة.
لكن هذه المرة لم تكن منهارة.
ولا خائفة.
ولا مخدوعة.
كانت أقوى مما كانت عليه يومًا.
جلس المحامي أمامها.
ووضع ملفًا أخيرًا على المكتب.
وقال مبتسمًا:
“مبروك.”
فتحت الملف.
كان الحكم النهائي.
استعادة جميع أصولها.
استعادة حصتها في الشركة.
إلغاء كل التنازلات التي تمت بالخداع.
وتثبيت ملكيتها الكاملة للميراث.
120 مليون جنيه.
وكل ما تركه والدها لها.
خرجت من المكتب.
وتوجهت مباشرة إلى مقبرة والدها.
جلست أمام قبره طويلًا.
ثم وضعت باقة ورد بيضاء.
وقالت بهدوء:
“كنت صح يا بابا.”
“وأنا كنت غلط.”
“بس الحمد لله إنك حميتني حتى بعد ما مشيت.”
هبّت نسمة هواء خفيفة.
فابتسمت لأول مرة منذ شهور.
بعد أسابيع.
تم تعيين مجلس إدارة جديد.
وتم طرد كل من شارك في المؤامرة.
وأصبحت سارة الرئيس التنفيذي لمجموعة الشاذلي.
وفي أول اجتماع رسمي لها.
جلست على المقعد الذي كان يجلس عليه والدها.
نظرت إلى الجميع.
ثم قالت:
“الشركة دي اتبنت بالشرف.”
“وأي حد يفتكر إنه يقدر يسرقها أو يخونها…”
سكتت لحظة.
ثم أكملت:
“هيتعلم إن الحقيقة ممكن تتأخر.”
“لكن عمرها ما بتموت.”
أما كريم…
ففي زنزانته الضيقة.
كان يجلس وحده.
لا شركات.
لا أموال.
لا ياسمين.
لا نفوذ.
ولا الميراث الذي حلم به سنوات.
كل ما تبقى له كان ذكرى لحظة واحدة.
اللحظة التي جعل فيها سارة توقع تلك الأوراق داخل المستشفى.
كان يظن يومها أنه انتصر.
لكنه لم يدرك أن التوقيع الذي سرق به مستقبلها…
كان في الحقيقة التوقيع الذي دمر مستقبله هو.
تمت.
حكايات أسمـا السـيد ✨
