قبل فرحي بيوم حكـايـات أسمـا ×2

الفصل الثاني

 

فضلت ماسكة الموبايل بإيدي وأنا سامعة شهقات دنيا على الطرف التاني.

 

كان صوتها مختلف عن أي مرة سمعت فيها صوتها قبل كده.

 

لا فيه فرحة عروسة…

 

ولا حتى صوت واحدة خايفة على جوازها.

 

كان صوت إنسانة منهارة.

 

قالت وهي بتحاول تاخد نفسها:

 

“أرجوكي يا سارة… متقفليش السكة… إحنا الاتنين ضحايا.”

 

ضحكت بمرارة.

 

“ضحايا؟ إنتي بتهزري؟”

 

“والله لأ.”

 

“إنتي كنتي عارفة إنه خطيبي.”

 

“أقسم بالله ما كنتش أعرف.”

 

بصيت ناحية كريم.

 

كان واقف قدام المحامين بيحاول يثبت إن فيه سوء تفاهم، لكن واضح من ارتباكه إنه فاهم إن اللعبة انتهت.

 

رجعت ركزت مع دنيا.

 

“إزاي ما كنتيش تعرفي؟”

 

قالت وهي بتبكي:

 

“أنا أعرفه باسم كريم الحسيني… وإنتي تعرفيه باسم كريم الشاذلي.”

 

اتجمدت.

 

بصيت ناحية كريم تاني.

 

أول مرة أسأل نفسي…

 

أنا فعلًا أعرف اسمه كامل؟

 

فضل دايمًا يقول إن اسمه كريم.

 

ولما كنت أسأله عن الورق أو البطاقات كان يضحك ويغير الموضوع.

 

افتكرت إن دي تفاصيل ملهاش أهمية.

 

لكن دلوقتي…

 

كل حاجة بقت مهمة.

 

سألتها:

 

“يعني إيه؟”

 

قالت:

 

“أنا متجوزاه من خمس سنين باسم… كريم الحسيني.”

 

“وأنا مخطوبة لكريم الشاذلي.”

 

“أيوه.”

 

سكتنا إحنا الاتنين.

 

وفجأة قالت:

 

“بس دي مش أكبر مصيبة.”

 

قلبي انقبض.

 

“في إيه تاني؟”

 

“إحنا مش أول اتنين.”

 

فضلت باصة قدامي.

 

“قصدك إيه؟”

 

قالت:

 

“في بنت في المنصورة… وفي واحدة في أسيوط… وفي واحدة كانت في الغردقة.”

 

كل كلمة كانت بتنزل عليا زي الحجر.

 

“كل واحدة فاكرة إنها الوحيدة.”

 

“إيه؟”

 

“كان بيعيش بكل اسم في محافظة مختلفة.”

 

حسيت إني مش قادرة أتنفس.

 

إزاي إنسان يقدر يعمل ده كله؟

 

في نفس اللحظة…

 

المحامين خرجوا بعد ما سلموا كريم إنذار رسمي.

 

وقبل ما يقفلوا الباب…

 

واحد منهم بصلي وقال:

 

“لو حضرتك محتاجة أي مستندات تخص القضية، هتلاقي اسمك ضمن قائمة الشهود.”

 

أول ما الباب اتقفل…

 

لف كريم ناحيتي.

 

ملامحه اتغيرت تمامًا.

 

اختفت شخصية الراجل الهادئ.

 

وبان وش تاني…

 

وش مليان غضب.

 

قرب مني وقال بصوت منخفض:

 

“إنتي اللي عملتي كده؟”

 

بصيتله باحتقار.

 

“أنا نفسي لسه عرفت.”

 

مسك دراعي بعنف.

 

“قوليلهم مين اللي بعت الورق.”

 

شديت إيدي منه.

 

“سيبني.”

 

لكن قبضته زادت.

 

“مين؟”

 

وفي اللحظة دي…

 

سمع صوت جاي من الموبايل.

 

دنيا كانت لسه على الخط.

 

صرخت بأعلى صوتها:

 

“سيبها يا كريم… الشرطة في الطريق.”

 

أول ما سمع كلمة الشرطة…

 

ساب إيدي بسرعة.

 

جري ناحية أوضة النوم.

 

فتح الدولاب.

 

بدأ يحط هدومه في شنطة سفر بشكل هستيري.

 

أنا واقفة ببصله.

 

مش مصدقة إن الراجل اللي كنت بحلم أبني معاه بيت وأسرة…

 

بقى دلوقتي بيفكر إزاي يهرب.

 

بعد أقل من دقيقة…

 

رن جرس الباب بعنف.

 

المرة دي كان الخبط مختلف.

 

خبط رسمي.

 

كريم وقف مكانه.

 

بص للشباك.

 

بعدين بص لباب المطبخ المؤدي لسلم الطوارئ.

 

كان واضح إنه بيدور على أي مخرج.

 

لكن قبل ما يتحرك…

 

الموبايل بتاعي وصلته رسالة جديدة من رقم مجهول.

 

فتحتها.

 

كانت صورة قديمة جدًا.

 

الصورة فيها كريم…

 

واقف جنب راجل كبير في السن.

 

وبينهم طفل صغير عمره يمكن خمس سنين.

 

وتحت الصورة مكتوب:

 

“اسأليه عن ابنه… اللي بيقول لكل واحدة إنه مش متجوز، مع إن عنده طفل بقاله ست سنين.”

 

رفعت عيني ناحية كريم.

 

كان لسه بيدور على طريقة يهرب بيها.

 

وقلت بهدوء:

 

“قبل ما تمشي… هتجاوب على سؤال واحد.”

 

لف ناحيتي بتوتر.

 

رفعت الموبايل قدامه.

 

وقلت:

 

“مين الطفل ده؟”

 

لأول مرة…

 

شفت الخوف الحقيقي في عينيه.

 

الخوف اللي بيبان لما الإنسان يعرف إن كل الأسرار اللي دفنها سنين…

 

بدأت تطلع للنور واحدة وراء التانية.

الفصل الثالث

 

فضل كريم واقف مكانه، وعينه معلقة على الصورة اللي في إيدي.

 

لأول مرة من ساعة ما دخل الشقة، شفت وشه يفقد كل لون.

 

حاول ياخد الموبايل من إيدي، لكني رجعت خطوة لورا.

 

قلتله بهدوء:

 

“مين الطفل ده؟”

 

بلع ريقه.

 

“الموضوع مش زي ما إنتي فاهمة.”

 

ضحكت بسخرية.

 

“دي الجملة الوحيدة اللي حافظها؟”

 

سكت.

 

كررت السؤال.

 

“مين الطفل؟”

 

قعد على الكنبة فجأة، وكأنه فقد القدرة على الوقوف.

 

مرر إيده في شعره وقال بصوت واطي:

 

“اسمه يوسف.”

 

“ابنك؟”

 

أغمض عينه.

 

“…أيوه.”

 

الكلمة دي كانت كفاية.

 

حسيت إن آخر خيط كان رابطني بيه اتقطع.

 

قعدت على الكرسي المقابل ليه وأنا ببصله في صمت.

 

“كام سنة؟”

 

“ست سنين.”

 

يعني لما كان بيقولي إنه نفسه يبقى أب معايا…

 

كان عنده ابن بالفعل.

 

افتكرت كل مرة كان يبتسم وهو يقول:

 

“نفسي أول طفل يبقى منك.”

 

دلوقتي عرفت إنه كان بيكذب وهو بيبص في عيني.

 

قلتله:

 

“وأمه مين؟”

 

سكت.

 

كررت السؤال.

 

“مين أم يوسف؟”

 

رد بعد تردد:

 

“واحدة اسمها نهى.”

 

“متجوزها؟”

 

هز راسه بالنفي.

 

“كنا مخطوبين.”

 

“وسبتها بعد ما خلفت؟”

 

“لا… هي اللي اختفت.”

 

في اللحظة دي رن موبايلي.

 

كان الرقم المجهول نفسه.

 

رديت.

 

جالي صوت ست كبيره في السن.

 

قالت:

 

“أنا والدة نهى.”

 

اتسعت عيني.

 

“حضرتك مين؟”

 

“أنا أم الطفل اللي في الصورة.”

 

بصيت ناحية كريم.

 

كان واضح إنه سمع الصوت.

 

وقف بسرعة وقال:

 

“اقفلي المكالمة.”

 

لكن الست كملت.

 

“متقفليش يا بنتي… أنا بدور عليه من ست سنين.”

 

قلبي بدأ يدق بعنف.

 

سألتها:

 

“حضرتك تعرفي هو فين؟”

 

قالت:

 

“لا… لكنه سرق ابني.”

 

اتجمدت.

 

“إيه؟”

 

“يوسف كان عندي أنا وأمه… وفي يوم أخده بحجة إنه هيخرجه يتمشى… واختفى.”

 

بصيت لكريم.

 

صرخت فيه:

 

“الكلام ده حقيقي؟”

 

قال بانفعال:

 

“كذب.”

 

لكن صوته كان مهزوز.

 

قالت الست من الناحية التانية:

 

“قدمت فيه بلاغات كتير… لكنه كان كل مرة يغير اسمه ومحافظته.”

 

حسيت إن الصورة بدأت تكتمل.

 

مش دنيا بس.

 

ولا أنا.

 

ولا حتى نهى.

 

كان بيهرب من مدينة لمدينة.

 

ومن اسم لاسم.

 

ومن قصة لقصة.

 

فجأة سمعنا صوت سيارات بتقف تحت العمارة.

 

بعدها بثواني…

 

رن جرس الباب.

 

وبعدين خبط قوي.

 

“افتح يا أستاذ كريم.”

 

اتغير لون وشه.

 

لف ناحية سلم الطوارئ وجري.

 

جريت وراه.

 

لكن أول ما فتح الباب الحديد…

 

وقف مكانه.

 

كان فيه اتنين واقفين قدامه.

 

واحد منهم قال بهدوء:

 

“واضح إنك كنت مستعجل.”

 

بصيت كويس.

 

ماكنوش رجال شرطة.

 

كانوا لابسين بدل رسمية.

 

واحد منهم مد بطاقة تعريف.

 

وقال:

 

“إحنا محققون خاصون.”

 

استغرب كريم.

 

“إنتوا عايزين إيه؟”

 

رد الرجل:

 

“إحنا بنشتغل لصالح أربع سيدات.”

 

وبص ناحيتي.

 

“والآن… بقوا خمس.”

 

فتح الملف اللي في إيده.

 

طلع خمس صور.

 

أنا.

 

دنيا.

 

نهى.

 

بنت من المنصورة.

 

وبنت من أسيوط.

 

وقال بهدوء:

 

“كل واحدة فيكم كانت فاكرة إنها قصة الحب الوحيدة في حياته.”

 

ثم وضع صورة سادسة على الترابيزة.

 

الصورة كانت لفتاة لم أرها من قبل.

 

ترتدي فستان زفاف أبيض.

 

وعلى الصورة شريط أسود.

 

سألت وأنا حاسة بقشعريرة:

 

“مين دي؟”

 

نظر المحقق إلى كريم طويلًا قبل أن يجيب:

 

“دي كانت أول واحدة صدقته… لكن للأسف، قصتها انتهت بطريقة غامضة قبل سبع سنين… ومن يومها وإحنا بنحاول نعرف الحقيقة.”

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *