وجع صامت حكايات اسما ×1
زوجي وعائلته الثرية حاصروني داخل غرفة الولادة لأوقّع على أوراق الطلاق وأنا في لحظة خروج طفلي… لكنهم لم يعرفوا السر المظلم خلف هويتي المزيفة.
كان الألم وحشًا حيًا يتنفس داخل الجدران المعقمة في مستشفى السلام الدولي بالقاهرة.
كانت الساعة 2:14 بعد منتصف الليل.
كنت في المخاض منذ اثنتين وعشرين ساعة كاملة. كل جهاز مراقبة داخل جناح الولادة الفاخر كان يطلق صفيرًا متقطعًا وفوضويًا بلا أي رحمة.
ظهري كان كأنه بيتكسر نصين مع كل طلقة ألم. قبضت على حواف السرير المعدني البارد بقوة لدرجة إن مفاصل إيدي ابيضّت.
صرخت بصوت مخنوق من التعب:
— ياسين!
الغرفة كانت فاضية تمامًا.
جوزي من سنتين، وريث مجموعة “الديب” العقارية الشهيرة، ماكانش موجود في أي مكان.
كان واعدني إنه هيفضل جنبي. حضر معايا جلسات الولادة. باس راسي من أربع ساعات بس وقال إنه نازل الكافيتريا يجيب قهوة سريعة.
وما رجعش.
ضربة ألم جديدة ضربتني بعنف، كأن موجة نار شقت جسمي كله وانتزعت النفس من صدري.
اتلويت فوق الملايات المبلولة بالعرق. مفعول التخدير اختفى تمامًا، والممرضات اختفوا بشكل غريب. ضغطت زر النداء خمس مرات خلال آخر عشرين دقيقة.
ولا حد رد.
بدأ خوف بدائي يزحف لجسمي. ده ماكانش طبيعي. أنا أصلًا حالتي كانت حمل خطر. والمفروض إني دافعة ملايين علشان أفضل رعاية خاصة في القاهرة.
فين الدكتورة؟ فين الطاقم؟
فجأة، الباب الخشب الثقيل اتفتح بنقرة هادية.
شهقت بالعافية:
— الحقوني… أرجوكم… البيبي نازل.
لكن اللي دخلت ما كانتش ممرضة.
كانت سلوى الديب.
جدة ياسين. الست الحديدية اللي ماسكة كل ثروة العيلة وتحركهم زي قطع الشطرنج.
وكان معاها اتنين رجالة ببدل فخمة رمادي غامق، شايلين شنط جلد.
محامين.
دخلت سلوى بخطوات بطيئة محسوبة، وكأنها داخلة صفقة مش غرفة ولادة. كانت لابسة معطف أسود شيك وكعبها العالي بيخبط في الأرضية بصوت حاد.
ما بصتش على بطني.
ما بصتش على الأجهزة اللي بتراقب نبض حفيدها.
بصتلي أنا… بنظرة باردة خلت أوضة المستشفى المتجمدة تبان أدفى منها.
قالت ببرود:
— بطلي الصويت المقرف ده يا حنين.
بصيتلها وأنا شبه مش شايفة من الألم.
— فين… فين ياسين؟
ردت وهي بتلوح بإيدها:
— ياسين مشغول تحت بيخلص الترتيبات الأخيرة.
شهقت:
— ترتيبات إيه؟
ضربة ألم عنيفة خلتني أصرخ غصب عني. كنت خلاص في آخر مرحلة. الطفل جاهز ينزل.
صرخت وأنا بدور بعيني على أي حد يساعدني:
— حد ينادي الدكتورة… بالله عليكم!
سلوى شبكت صوابعها بإشارة بسيطة.
المحامي الأول راح قفل الباب الخشب الثقيل، وصوت القفل وهو بيتقفل رجّع الرعب لقلبي.
قفلوا عليّا.
قالت سلوى بهدوء مرعب:
— محدش هييجي يا حنين. أنا حاجزة الدور كله الليلة دي. والممرضات أخدوا تعليمات يسيبونا عشر دقايق لوحدنا.
قلبي خبط بعنف. والبيبي اتحرك جوه بطني بقوة كأنه حاسس بخوفي.
همست بصوت متكسر:
— إنتوا بتعملوا إيه؟
المحامي التاني فتح شنطته بهدوء وطلع رزمة أوراق سميكة، حطها جنب المحلول.
وبعدين حط قلم دهبي فوقها.
قالت سلوى وكأنها بتتكلم عن طلب عشا:
— دي أوراق طلاق. وتنازل كامل عن الطفل.
في الأول عقلي ما استوعبش.
كنت غرقانة في وجع الولادة لدرجة إن الكلام نفسه وصل متأخر.
همست:
— طلاق…؟
قربت مني سلوى وقالت:
— أيوه. إنتِ بجد افتكرتي إن بنت ملجأ مجهولة هتفضل مربوطة باسم عيلة الديب طول عمرها؟
الدموع نزلت من عيني من شدة الألم والصدمة.
— ياسين بيحبني… إحنا عندنا طفل.
ضحكت ضحكة ناشفة قاسية.
— ياسين بيحب فلوسه. قلتله لو كمل الجوازة دي هحرمه من الورث. لكن حملك لخبط الحسابات.
بصت على بطني باشمئزاز واضح.
— إحنا عايزين الطفل. دم الديب بيجري فيه. لكن إنتِ؟ مجرد رحم مؤقت… وخلص دورك.
هزيت راسي بعنف:
— لا… مستحيل.
قالت ببرود:
— هتوقعي يا حنين. هتتنازلي عن النفقة وعن الطفل. وفي المقابل هحولك مبلغ محترم وتختفي من القاهرة الليلة دي.
صرخت وأنا حاسة جسمي بيتقطع:
— مش هوقّع! اطلعوا بره!
المحامي قرب وقال:
— الأفضل تتعاوني يا مدام. القاضي مستني يخلص الإجراءات فورًا.
سلوى قربت أكتر وعينيها ضاقت بخبث:
— ولو ما وقعتيش… محدش هيعالجك الليلة دي. هتولدي لوحدك هنا. وبعدها هنرميكي في قضية حضانة تخلص عمرك كله.
كانوا مرتبّين كل حاجة.
ياسين خدعني.
عزلني في الجناح ده.
واستنوا اللحظة اللي أبقى فيها مكسورة من الوجع وخايفة على ابني.
افتكروا إن بنت يتيمة فقيرة من غير سند هتنهار بسهولة قدام عيلة مليارديرات.
افتكروا إني ضعيفة.
افتكروا إني “حنين السيوفي”، البنت الهادية اللي مالهاش ماضي.
لكن وأنا غرقانة في العرق والدموع… حاجة تانية بدأت تصحى جوايا.
غضب أسود.
غضب دفنته سنين طويلة.
سلوى خبطت بالقلم على الورق.
— وقّعي. حالًا.
فتحت عيني وبصتلها مباشرة.
هي ما كانتش تعرف.
وياسين ما كانش يعرف.
ولا أي محقق خاص قدر يوصل للحقيقة… لأن أجهزة الدولة بنفسها دفنتها.
أنا ماكنتش حنين السيوفي.
وماكنتش يتيمة من طنطا.
وبالتأكيد ماكنتش ست ضعيفة سهل تهديدها.
اسمي الحقيقي متقفل عليه داخل ملفات سرية تحت حماية جهات سيادية في القاهرة.
أخدت نفس عميق وأنا حاسة بالطفل بينزل أكتر.
وهمست بابتسامة باردة:
— كان لازم تدوروا ورايا أكتر يا سلوى هانم.
عبست سلوى لأول مرة.
— وقّعي الورق يا بنت.
مدّيت إيدي ببطء.
مش ناحية القلم.
لكن ناحية زر إنذار مخفي تحت المرتبة… زر اتثبت يوم دخولي المستشفى بأوامر من الشخص المسؤول عن حمايتي.
قلت وأنا ببصلها بثبات:
— المشكلة إنكم افتكرتوا إنكم بتحاصروا ضحية.
وقبل ما تستوعب كلامي…
دوّى انفجار هائل رجّ المستشفى كلها.
الباب الخشب ما اتفتحش…
الباب اتخلع بالكامل واترمى على الأرض بعنف ووو
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
الباب الخشب اتخلع من مكانه واترمى بعنف فوق الأرضية الرخام، وصوت الانفجار رجّ جناح الولادة كله لدرجة إن أجهزة المراقبة بدأت تصرخ بصفارات حادة متقطعة.
المحاميَين اتراجعوا بخضة.
سلوى الديب نفسها شهقت خطوة لورا لأول مرة من ساعة ما دخلت الغرفة.
أما أنا…
فكنت ببص ناحية الدخان اللي مالي المدخل… وقلبي أخيرًا هدي.
دخلوا ست رجالة لابسين أسود بالكامل. أسلحة قصيرة في إيديهم، وسماعات اتصال في ودانهم، وتحركاتهم سريعة ومرعبة كأنهم متدربين على اقتحام حروب مش مستشفى.
واحد منهم بصلي فورًا وقال بصوت ثابت: — الهدف آمن.
وفي اللحظة اللي بعدها… دخل الرجل اللي خلّى الدم يهرب من وش سلوى الديب بالكامل.
اللواء فؤاد الكاشف.
رئيس جهاز سيادي سابق… والرجل اللي الإعلام زمان كان بيسميه “الشبح”.
كان شعره اتحول للرمادي بالكامل تقريبًا، لكن هيبته لسه كفيلة تخرّس أوضة كاملة.
عينه وقعت عليّا فورًا.
ولأول مرة من ساعات… شوفت خوف حقيقي في عينيه.
اتجه ناحيتي بسرعة غير معتادة لرجل في سنه، وصوته خرج حاد: — حنين!
هزيت راسي بالعافية وأنا بحاول أتنفس. — الطلق… قرب جدًا.
لف ناحية الطاقم اللي دخل وراه: — فين الدكتورة؟ حالًا!
وفي أقل من ثواني، المكان اتقلب بالكامل.
ممرضات دخلوا جري. أطباء. أجهزة إضافية. أوامر بتتقال بسرعة.
أما سلوى…
فكانت واقفة في نص الفوضى وعينيها متسعة بعدم استيعاب.
همست: — لواء… فؤاد الكاشف؟
بصلها الرجل بنظرة خلتها تسكت فورًا.
ثم قال ببطء مرعب: — إنتِ لمسِتِ بنت مين يا سلوى؟
قلبي انقبض مع طلقة ألم جديدة عنيفة خلتني أصرخ غصب عني.
الدكتورة قربت بسرعة: — الطفل نازل حالًا! لازم نبدأ الولادة فورًا!
بدأوا يحركوا السرير بسرعة بينما الممرضات بيبعدوا الأوراق بتاعة الطلاق من فوقه.
لكن قبل ما يتحرك السرير… دخل ياسين أخيرًا.
كان نازل من المصعد وهو بيضحك وبيبص في موبايله… لكن أول ما شاف رجال الأمن والسلاح والباب المخلوع وقف مكانه كأن الأرض اتسحبت من تحته.
رفع عينه ببطء… وشافني.
ثم شاف اللواء فؤاد واقف جنبي.
اللون اختفى من وشه فورًا.
— إيه… إيه اللي بيحصل هنا؟
سلوى لفت ناحيته بعصبية: — إنت كنت تعرف بحاجة زي دي؟!
ياسين بص بينا بعدم فهم: — أعرف إيه؟
اللواء قرب منه خطوة واحدة فقط… لكن ياسين اتراجع تلقائيًا.
— إنت ياسين الديب؟ — أيوه…
صوت الرجل كان هادي جدًا، وده خلاه أخطر: — إبقى بص كويس على وش مراتك… لأن دي آخر مرة هتشوفها فيها من غير قيود حوالين إيديك.
ياسين بلع ريقه: — حضرتك فاهم غلط… دي مراتي وأنا—
قاطعه صوتي وأنا بصرخ من الألم: — كداب!
الدكتورة قالت بعجلة: — لو سمحتوا اطلعوا بره! حالًا!
لكن سلوى كانت لسه مصدومة: — مين دي؟
ساد الصمت ثانية.
ثم اللواء فؤاد رد أخيرًا: — الاسم اللي تعرفوه مزيف. “حنين السيوفي” ما كانتش موجودة أصلًا.
ياسين بصلي كأني شخص غريب لأول مرة.
أما أنا… فكنت حاسة طفلي بيدفع بعنف أكبر، وجسمي كله بيترعش.
اللواء كمل: — الاسم الحقيقي: ليلى الكاشف.
شهقة طلعت من سلوى.
ياسين همس: — الكاشف…؟
فؤاد بصله باحتقار: — بنتي.
الغرفة سكتت تمامًا.
حتى أجهزة المراقبة حسيتها بطلت صوت للحظة.
ياسين بدأ يهز راسه بعنف: — لا… مستحيل… حضرتك ماعندكش أولاد أصلًا.
عين اللواء اسودّت.
— رسميًا؟ أيوه. ثم بصلي للحظة قصيرة مليانة ألم قديم: — لأننا اضطرينا نموتها من عشرين سنة.
قلبي اتقبض.
الذكريات ضربتني فجأة.
النار. الصريخ. العربية المقلوبة. إيديا الصغيرة المغرقة بالدم. والراجل اللي شالني وهو بيقول: “من النهارده… البنت دي ماتت.”
سلوى اتراجعت بخوف حقيقي: — لا… لا… إحنا مالناش دعوة—
— خطف. ابتزاز. محاولة قتل بالإهمال الطبي. وتآمر للاستيلاء على أصول سيادية متغطية بأسماء وهمية. صوت اللواء كان حاد كالسكين. — تحبي أكمل؟
المحاميَين حاولوا يهربوا بهدوء… لكن رجال الأمن وقفوا قدام الباب فورًا.
وفي اللحظة دي…
صرخت بأعلى صوت طلع مني.
الألم شق جسمي بالكامل.
الدكتورة صاحت: — الطفل ظاهر! يلا! ادفعي يا مدام ليلى!
العرق غرق وشي بالكامل. إيديا اتشبثت بالسرير بعنف. وكل حاجة حواليّا بدأت تضيع وسط الوجع.
لكن وسط الضباب ده كله… كنت شايفة حاجة واحدة بس.
وش ياسين.
كان واقف منهار بالكامل. مصدووم. مرعوب. حاسس إن الدنيا كلها وقعت فوق دماغه في ثواني.
قرب خطوة ناحيتي وهمس: — ليلى… أنا… والله ما كنت أعرف…
ضحكت رغم الألم.
ضحكة مكسورة وباردة.
— بس أنا كنت أعرف يا ياسين.
صرخت مرة تانية… ثم حسيت بجسمي كله بينفجر من الداخل.
وفجأة…
صوت بكاء طفل ملأ الغرفة كلها.
بكاء قوي. حي. غاضب.
ابني.
الدموع نزلت من عيني فورًا.
الدكتورة ابتسمت: — ولد.
كل الأصوات اختفت.
ماعدتش سامعة صريخ سلوى وهي بيتم تقييدها. ولا صوت ياسين وهو بيحاول يشرح. ولا حتى أجهزة المراقبة.
كنت بس ببص للطفل الصغير اللي اتحط فوق صدري.
دافي. حي. وأخيرًا بأمان.
همست وأنا ببوس راسه الصغيرة: — خلصت يا حبيبي… محدش هيقدر يأذينا تاني.
لكن اللواء فؤاد كان لسه باصص لياسين بنظرة مرعبة.
وقال آخر جملة دمّرت اللي باقي منه:
— على فكرة… الأسهم اللي كنت فاكر إنك سرقتها؟ كانت طُعم.
وبعدين طلع ملف أسود من معطفه ورماه قدامه.
— وإمضتك على العقود الوهمية سجّلتك رسميًا كشريك في أكبر قضية غسيل أموال مراقبة من الدولة بقالها سنتين.
ياسين وقع على ركبته حرفيًا.
وسلوى صرخت: — إنتوا نصبتوا علينا!
اللواء رد ببرود: — لا. ثم بصلي بفخر لأول مرة من سنين: — بنتي هي اللي عملت كده.
يتبع
