سخريه لاذعه حكـايـات أسمـا ×3

الفصل الخامس

في نفس الليلة…

كانت سارة آخر شخص غادر مبنى الشركة.

بعد ساعات طويلة من الاجتماعات والاتصالات والفوضى اللي سببتها أخبار الوصية.

الساعة كانت قرب منتصف الليل.

والمبنى كله تقريبًا أصبح فارغًا.

أغلقت الكمبيوتر.

جمعت أوراقها.

ثم وضعت ملف الحاج محمود داخل درج المكتب وأغلقته بالمفتاح.

لكن وهي خارجة…

حست بحاجة غريبة.

إحساس قديم.

إحساس إن فيه حد بيراقبها.

وقفت فجأة.

ونظرت خلفها.

الممر كان فارغًا.

الإضاءة خافتة.

ولا يوجد أي صوت.

لكن قلبها ما كانش مرتاح.

أخرجت هاتفها.

واتصلت بالأمن.

وطلبت منهم يراجعوا كاميرات الطابق بالكامل بعد مغادرتها.

بعد أقل من ساعة…

وصلها اتصال عاجل من مدير الأمن.

صوته كان متوترًا بشكل واضح.

قال:

“لازم ترجعي فورًا.”

سارة انتفضت.

“في إيه؟”

رد بسرعة:

“حد حاول يدخل مكتبك.”

وصلت الشركة خلال عشرين دقيقة.

وكان رجال الأمن واقفين أمام مكتبها.

الباب الخارجي مكسور.

والدرج اللي فيه الملف مفتوح بالقوة.

لكن الغريب…

إن الملف ما اتسرقش.

قال مدير الأمن:

“واضح إننا وصلنا قبل ما يهرب بحاجة.”

ثم أشار إلى شاشة المراقبة.

وبدأ تشغيل التسجيل.

ظهر شخص يرتدي ملابس سوداء.

ووجهه مغطى بالكامل.

دخل المبنى باستخدام بطاقة موظف.

وتحرك مباشرة نحو مكتب سارة.

من غير ما يتردد.

كأنه عارف المكان بالضبط.

وعارف هو جاي يدور على إيه.

قالت سارة:

“نقدر نعرف البطاقة بتاعة مين؟”

رد مسؤول الأمن:

“للأسف تم تعطيل النظام لمدة خمس دقائق.”

ثم أضاف:

“وده معناه إن اللي عمل كده عنده خبرة كبيرة.”

شعرت سارة بقشعريرة.

لأن الأمر لم يعد مجرد سر عائلي.

فيه حد خائف من الحقيقة.

وخائف لدرجة إنه مستعد يقتحم الشركة عشان يمنع ظهورها.

في صباح اليوم التالي.

اجتمعت مع المحامي كريم.

وحكت له كل شيء.

فجلس صامتًا للحظات.

ثم قال:

“أنا بدأت أشك في حاجة.”

سارة نظرت له.

“إيه هي؟”

فتح أحد الملفات القديمة.

وقال:

“قصة اختفاء ابن الحاج محمود.”

بدأ يقلب الأوراق.

ثم أخرج قصاصة جريدة صفراء قديمة.

عمرها أكثر من أربعين سنة.

العنوان كان يقول:

“اختفاء نجل رجل الأعمال الشاب محمود الجندي في ظروف غامضة.”

قال كريم:

“زمان الشرطة قالت إنه هرب.”

“وبعدين بعد الحادث اعتبروا إنه مات.”

“لكن فيه حاجة غريبة.”

رفع ورقة أخرى.

وقال:

“التحقيق الأصلي اتقفل بسرعة جدًا.”

“أسرع من الطبيعي.”

بدأت سارة تقرأ.

وكل سطر كان يزيد الصدمة.

شهود اختفوا.

أقوال متناقضة.

وأدلة لم يتم فحصها.

وكأن أحدًا كان يضغط لإغلاق القض..ية.

ثم ظهرت معلومة أخطر.

اسم شخص.

شخص كان شريكًا للحاج محمود في بداية تأسيس الشركة.

اسمه:

حسن الدمنهوري.

قال كريم:

“الراجل ده باع حصته واختفى بعد سنوات.”

“لكن الغريب إنه كان آخر شخص شاف الطفل قبل اختفائه.”

سارة رفعت رأسها.

“تقصد إنه متورط؟”

رد المحامي:

“ما عنديش دليل.”

“لكن عندي إحساس.”

وفي تلك اللحظة…

دخلت السكرتيرة فجأة.

ووجهها شاحب.

وقالت:

“الأستاذة سارة…”

“فيه حد تحت عايز يقابلك.”

“مين؟”

ردت:

“راجل كبير في السن.”

“بيقول إنه كان سواق الحاج محمود من أربعين سنة.”

نزلت سارة فورًا.

وكان هناك رجل عجوز يجلس في الاستقبال.

شعره أبيض بالكامل.

وعصاه بين يديه.

بمجرد ما رآها…

وقف بصعوبة.

وقال:

“أخيرًا لقيتك.”

أخذته إلى مكتبها.

وقدمت له كوب ماء.

ثم قالت:

“حضرتك تعرف الحاج محمود؟”

ضحك الرجل بحزن.

وقال:

“أنا كنت أشتغل عنده قبل ما الشركة تتأسس أصلًا.”

ثم أخرج من جيبه صورة قديمة.

ووضعها على المكتب.

الصورة كانت لطفل صغير.

عمره حوالي خمس سنوات.

يقف بجوار الحاج محمود.

قال الرجل:

“ده ياسر.”

شعرت سارة أن أنفاسها توقفت.

لكن العجوز أكمل:

“وفي يوم اختفى.”

“بس الحقيقة…”

سكت.

ثم نظر حوله.

وكأنه خائف حتى الآن.

وأضاف بصوت منخفض:

“الطفل ما اختفاش.”

سارة اقتربت منه.

“أمال حصل إيه؟”

الرجل تنهد.

وقال:

“اتخطف.”

ساد الصمت.

ثقيلاً.

مرعبًا.

“مين خطفه؟”

ارتجفت يد العجوز.

ثم قال:

“أنا شفتهم.”

“لكن طول عمري كنت خايف أتكلم.”

“مين؟”

رفع عينيه إليها.

وقال الجملة التي قلبت كل شيء:

“شريك الحاج محمود.”

“حسن الدمنهوري.”

وقبل أن يكمل…

دوى صوت انفجار هائل في الطابق السفلي.

اهتز المبنى بالكامل.

وتحطم زجاج النوافذ.

وسقطت الملفات من فوق المكاتب.

صرخت السكرتيرة في الخارج.

وبدأت أجهزة الإنذار تعمل.

أما العجوز…

فنظر إلى سارة بعينين مليئتين بالرعب.

وقال:

“عرفوا إني جيت.”

ثم همس:

“دلوقتي هيق..تلونا كلنا.”

يتبع… الفصل السادس: الانفجار يكشف شبكة أسرار عمرها أربعون سنة، وسارة تكتشف أن حسن الدمنهوري لم يختفِ أبدًا… بل ما زال داخل الشركة باسم آخر.

الفصل السادس

دوى صوت الإنفجار في أرجاء المبنى كله.

الأرض اهتزت تحت أقدامهم.

وأجهزة الإنذار بدأت تصرخ بجنون.

أما الموظفون الموجودون في الأدوار السفلى فاندفعوا ناحية المخارج في حالة ذعر.

سارة تمسكت بحافة المكتب حتى لا تسقط.

بينما الرجل العجوز كان يرتعش بشكل واضح.

وعيناه مليئتان بالخوف.

الخوف الحقيقي.

الخوف اللي بييجي من شخص عارف إنه مطارد.

بعد دقائق وصلت قوات الحماية المدنية والشرطة.

واتضح أن الانفجار لم يكن ضخمًا كما بدا.

عبوة صغيرة انفجرت داخل غرفة التخزين الخلفية.

الهدف منها لم يكن التدمير.

بل الرسالة.

رسالة واضحة جدًا.

“ابعدوا عن الحقيقة.”

وقفت سارة وسط الفوضى.

تراقب رجال الأمن وهم يتحركون.

وفجأة تذكرت الرجل العجوز.

التفتت بسرعة.

لكن الكرسي كان فارغًا.

اختفى.

كأنه تبخر.

بدأت تبحث عنه في كل مكان.

في الاستقبال.

في الممرات.

خارج المبنى.

لكن لم يكن هناك أي أثر له.

بعد ساعتين.

كانت جالسة مع المحامي كريم في غرفة الاجتماعات.

وأمامهما تسجيلات الكاميرات.

في أحد المشاهد ظهر العجوز وهو يغادر المبنى.

ثم توقفت الصورة فجأة.

ثلاثون ثانية كاملة من التسجيل اختفت.

ثم عادت الصورة للعمل من جديد.

لكن الرجل لم يعد موجودًا.

قال كريم وهو يمرر يده فوق وجهه:

“اللي بيحصل أكبر من مجرد قض..ية قديمة.”

سارة أومأت.

لأنها بدأت تشعر بذلك أيضًا.

وفي تلك الليلة.

رجعت إلى بيتها مرهقة.

لكن النوم رفض يزور عينيها.

ففتحت من جديد مذكرات الحاج محمود.

وبدأت تقلب الصفحات التي لم تقرأها من قبل.

إلى أن سقطت ورقة صغيرة من بين الأوراق.

ورقة لم تلاحظها سابقًا.

فتحتها.

وكان مكتوبًا عليها بخط مرتعش:

“لو وصلتِ هنا يا سارة… يبقى غالبًا هيبدأوا يتحركوا.”

تجمدت.

وأكملت القراءة.

“أخطر شخص في الشركة ليس من تتوقعينه.”

“وهو ليس بعيدًا عنك.”

شعرت بقشعريرة.

وأكملت.

“لو اختفى أي شاهد…”

“أو تعرض أحد للأذى…”

“ابحثي عن الرجل الذي غير اسمه.”

أسفل الجملة كان هناك رقم ملف.

ورقم موظف.

لا أكثر.

في صباح اليوم التالي.

ذهبت مباشرة إلى قسم الموارد البشرية.

وطلبت الملف.

في البداية رفضوا لأن الملف يعود لعشرات السنين.

لكن بصفتها المالكة الرئيسية حصلت عليه.

بدأت تقلب الصفحات.

إلى أن وصلت إلى الاسم.

وهنا شعرت أن قلبها توقف للحظة.

لأن الموظف المقصود لم يكن عاملًا عاديًا.

ولا مديرًا صغيرًا.

بل كان أحد أعضاء مجلس الإدارة.

رجل اسمه:

فؤاد السيوفي.

كان من أقدم الشخصيات داخل الشركة.

محترم.

هادئ.

ومعروف بنزاهته أمام الجميع.

لكن الملف كشف شيئًا غريبًا.

قبل ثلاثين سنة.

لم يكن اسمه فؤاد السيوفي.

كان اسمه:

حسن الدمنهوري.

سقط الملف من يد سارة.

واتسعت عيناها.

الرجل لم يختفِ.

لم يسافر.

ولم يمت.

كان يعيش بينهم طوال هذه السنوات.

تحت اسم جديد.

في نفس اللحظة.

فتح باب المكتب.

ودخل ياسر الجندي.

وكان يبدو غاضبًا.

لكنه توقف فجأة عندما رأى الملف المفتوح أمامها.

ثم نظر للاسم.

وتجمد مكانه.

قال بصوت منخفض:

“إنتِ لقيتيه.”

سارة رفعت رأسها ببطء.

“إنت كنت عارف؟”

تنهد ياسر.

وجلس أمامها.

ثم قال:

“من أسبوع.”

الصدمة ضربتها من جديد.

“إيه؟!”

أخرج ياسر ظرفًا من حقيبته.

ووضعه فوق المكتب.

“وصلني بعد وفاة الحاج محمود.”

فتحت الظرف.

وكان بداخله خطاب.

بخط الحاج محمود.

بدأت تقرأ.

“يا ياسر…”

“إذا كنت تقرأ هذه الرسالة فمعنى ذلك أنني لم أعد موجودًا.”

“وأغلب الظن أنك اكتشفت بالفعل جزءًا من الحقيقة.”

“لكن هناك حقيقة أكبر.”

سارة رفعت عينيها نحو ياسر.

أما هو فظل صامتًا.

أكملت القراءة.

“الشخص الذي خطفك وأنت طفل…”

“هو نفسه الشخص الذي حاول قت..لي مرتين.”

“وهو نفسه الذي سرق جزءًا من الشركة.”

“وهو نفسه الذي يجلس اليوم داخل مجلس الإدارة.”

تسارعت أنفاسها.

ثم وصلت إلى آخر سطر.

السطر الذي جعل الدم يتجمد في عروقها.

“إذا قرأت هذه الرسالة…”

“فلا تواجه حسن الدمنهوري وحدك.”

“لأنه لا يزال يعتقد أنك مت.”

ساد الصمت.

الصمت الثقيل.

المرعب.

ثم قال ياسر أخيرًا:

“أنا محتاج أعرف حاجة.”

“الحاج محمود كان يقصد إيه بكلمة مت؟”

سارة نظرت إليه.

وتذكرت صورة الطفل.

وتذكرت شهادة السائق.

وتذكرت الرسائل.

ثم همست:

“عشان…”

وتوقفت.

في اللحظة نفسها رن هاتفها.

رقم مجهول.

ردت بتردد.

لكن ما سمعته جعل لون وجهها يختفي تمامًا.

الصوت قال:

“لو عايزة تشوفي السواق العجوز حي…”

“تعالي لوحدك.”

ثم أغلق الخط.

وأرسل بعدها مباشرة صورة.

صورة للسائق.

مربوط على كرسي.

والخوف يملأ عينيه.

وخلفه وقف رجل لا يظهر منه سوى ظله.

لكن على يده اليمنى…

كان هناك خاتم ذهبي يحمل حرفًا واحدًا.

الحرف:

ح

الحرف نفسه الذي كان منقوشًا على توقيع حسن الدمنهوري في الملفات القديمة.

يتبع… الفصل السابع: سارة تذهب وحدها لمواجهة أخطر رجل في تاريخ الشركة، وتكتشف السر الذي أخفاه الحاج محمود أربعين عامًا عن الجميع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *