— انزلي من السرير وحضّري الفطار لابني! صحيت صباح يوم عيد ميلادي على صوت حماتي وهي بتزعق فوق دماغي. وقبل حتى ما ألحق أستوعب هي دخلت أوضتي إزاي من غير ما تخبط... المقلاة الحديد اللي كانت في إيدها طارت ناحيتي. عدّت من جنب وشي بمسافة صغيرة جدًا، وخبطت في ظهر السرير خبطة قوية خلتني أتجمد مكاني. فضلت كام ثانية مش قادرة أتحرك. بصيت للمقلاة. وبعدين بصيت لحماتي. كانت واقفة جنب السرير وكأن اللي حصل حاجة عادية جدًا. وقالت بعصبية: — قومي بقى! ابني راجع كمان شوية وعايز فطاره جاهز. اسمي مريم. وفي الوقت ده كنت شغالة ممرضة في مركز طبي كبير في القاهرة. قبل ما أستقر في شغلي الحالي، قضيت ست سنين في الطوارئ. شوفت حوادث، أزمات قلبية، حالات خطيرة، وستات ولدت قبل حتى ما تلحق تدخل المستشفى. شغلي علمني حاجة مهمة جدًا... وقت ما كل اللي حواليكي يفقدوا أعصابهم، إنتِ لازم تفضلي هادية. وده بالظبط اللي عملته. ما صرختش. ما عيطتش. وما رميتش عليها حاجة زي ما عملت. قعدت على طرف السرير وبصيتلها وقلت: — اخرجي من أوضتي. اتسعت عينيها كأن أنا اللي غلطانة. — نعم؟ — بقولك اخرجي من أوضتي. بصتلي باحتقار وقالت: — إنتِ ناسية نفسك ولا إيه؟ ده بيت ابني. ابتسمت ابتسامة صغيرة. الجملة دي تحديدًا كانت بتضحكني كل مرة تقولها. لأن البيت... ماكانش بيت ابنها أصلًا. بس هي ماكنتش تعرف كل حاجة. ولسه ماكانش جه الوقت تعرف. حماتي اسمها نوال. قبل ست شهور، جوزي كريم جه وقال لي إن أمه تعبانة نفسيًا بعد ما بقت لوحدها، وإنها محتاجة تقعد معانا فترة صغيرة. قال: — أسبوعين تلاتة بالكتير يا مريم... لحد ما حالتها تتحسن. وافقت. مش علشان كنت مرتاحة للفكرة، لكن علشان كريم كان جوزي بقاله سبع سنين، وكنت شايفة إن الوقوف جنب أمه واجب. الأسبوعين بقوا شهر. والشهر بقى تلاتة. وبعد ست شهور... نوال بقت بتتصرف كأن البيت بيتها وأنا الضيفة. في الأول كانت حاجات صغيرة. — مريم، اعمليلي قهوة. — مريم، الأكل مالح. — مريم، الستاير دي لونها وحش. بعدها الموضوع اتطور. بقت تدخل أوضتي من غير ما تخبط. تفتح دواليب المطبخ وتغير أماكن الحاجات. تدخل في مصاريف البيت. وتسألني رايحة فين وراجعة إمتى. ولو اعترضت... كريم كان دايمًا عنده نفس الجملة: — معلش يا مريم... دي أمي. كلمة "دي أمي" بقت تصريح مفتوح لأي حاجة. وأنا كل مرة كنت بسكت. كنت بقول لنفسي إن تجنب المشاكل أحسن. إنها ست كبيرة. وإن كريم أكيد هيحط حدود في يوم من الأيام. بس اليوم ده ماجاش. والأغرب إن كريم نفسه بدأ يتغير. بقى عصبي. كتوم. يسافر كتير بحجة شغله في المبيعات. وأوقات يختفي يومين أو تلاتة ومايردش غير برسائل قصيرة. وفي نفس الوقت تقريبًا... بطل يشارك في أي مصاريف حقيقية تخص البيت. لا بقالة. لا فواتير. لا صيانة. ولا حتى إصلاحات. كل ما أسأله فلوسك بتروح فين، يضحك ويقول: — الشغل واقف شوية. لكن هدومه كانت بتغلى. ساعته اتغيرت. وموبايله اتغير. وسفره زاد. بدأت أحس إن فيه حاجة مش راكبة. لكن ماكنش عندي دليل. لحد صباح عيد ميلادي. اليوم اللي قررت فيه نوال ترمي مقلاة حديد ناحيتي لأنها عايزاني أصحى أعمل لابنها الفطار. بصيتلها وقلت للمرة التالتة: — اخرجي من أوضتي يا نوال. رفعت صوتها: — وإنتِ هتعملي إيه يعني؟ مديت إيدي ناحية الكومودينو وجبت موبايلي. وشغلت الكاميرا. أول ما شافتني، وشها اتغير. — إنتِ بتعملي إيه؟ قلت بهدوء: — بوثق اللي حصل. — بتصوري حماتك؟! — بصور المقلاة اللي اترمت ناحية وشي، وبسجل إنك دخلتي أوضتي من غير إذني. سكتت لحظة. وبعدين قالت بسرعة: — المقلاة زحلقت من إيدي. بصيت للمقلاة اللي كانت مرمية بعيد عن المكان اللي كانت واقفة فيه وقلت: — إحنا الاتنين عارفين إنها مازحلقتش. قربت خطوة. — ناوية تبلغي الشرطة عني؟ — لسه مقررتش. قالت وهي بتجز على سنانها: — إنتِ من يوم ما دخلتي العيلة دي وإنتِ عايزة تبعدي ابني عني. رديت: — أنا متجوزة ابنك من سبع سنين. لو كنت عايزة أبعده عنك كنت عملتها من زمان. صرخت: — إنتِ فاكرة شغلك وفلوسك مخلينك أحسن مني؟ وقفت قدامها. — لأ. بس بيتي مخليني صاحبة حق إني أقرر مين يدخل أوضتي ومين لأ. ضحكت بسخرية. — بيتك؟! سكت. لأنها ماكنتش تعرف إن الجملة دي تحديدًا هتبقى أهم جملة في اليوم كله. خرجت نوال أخيرًا وهي بتتوعدني إن كريم لما يرجع "هيعرف يتصرف معايا". قفلت الباب. وبدل ما أرجع أنام... فتحت الدرج اللي جنب السرير. وطلعت منه ملف أخضر سميك. حطيته قدامي. جواه كانت أوراق ملكية البيت. كشوف حسابات. تحويلات بنكية. فواتير. إيصالات. ونسخ من حاجات بدأت أجمعها من شهور من غير ما كريم يعرف. لأني رغم سكوتي... ماكنتش غافلة. كنت ملاحظة كل حاجة. المبالغ اللي اختفت. السفر اللي ملوش تفسير. المصاريف اللي كريم كان بيقول إنه دفعها وهي أصلًا مدفوعة من حسابي. وحتى تحويلات مالية صغيرة ومتكررة لحساب ماعرفش صاحبه. فضلت شهور أقول لنفسي يمكن فيه تفسير. يمكن ضغط شغل. يمكن ديون. يمكن بيساعد أمه. لكن في صباح عيد ميلادي... قررت إني مش هقبل كلمة "يمكن" تاني. بعد حوالي ساعة، سمعت باب البيت بيتفتح. كريم رجع. سمعت صوت أمه وهي بتجري عليه. وبعد أقل من دقيقة، الباب اتفتح بعنف. دخل كريم وقال: — إيه اللي عملتيه مع أمي ده؟ كنت قاعدة قدام المراية بسرح شعري. بصيتله من خلال المراية. — صباح الخير الأول. — مريم، أنا مش بهزر. لفيت ناحيته. — ولا أنا. نوال ظهرت وراه وقالت: — قولتلها تعمل لك الفطار، قامت تهددني بالشرطة! بصيت لكريم. — قالتلك على المقلاة؟ سكت. بص لأمه. — مقلاة إيه؟ قالت بسرعة: — وقعت من إيدي. قلت: — لأ، اترمت ناحيتي. كريم نفخ بضيق. وبدل ما يسألني إذا كنت اتصبت... قال: — يا مريم، بلاش نكبر الموضوع. الجملة دي... هي اللي كسرت آخر حاجة جوايا. مش المقلاة. ولا صريخ أمه. لكن إن جوزي سمع إن أمه رمت حاجة حديد ناحية وشي، وأول حاجة فكر فيها كانت إني "ماكبرش الموضوع". قلتله: — تمام. اتوتر. هو كان عارف إن كلمة "تمام" لما أقولها بالطريقة دي معناها إن الموضوع مش تمام خالص. قمت وفتحت الملف الأخضر. قال: — إيه ده؟ — حاجات محتاجة تفسرها. بدأ يقلب في الورق. وكل ورقة كان بيشوفها، لون وشه بيتغير أكتر. — إنتِ جبتي الحاجات دي منين؟ — من حسابات بيتنا. — بتفتشي ورايا؟ — لأ... بتابع فلوسي. نوال قربت وهي بتحاول تشوف الأوراق. — فلوس إيه؟ قفلت الملف. — الكلام ده بيني وبين جوزي. صرخت: — مفيش حاجة بينك وبين ابني وأنا معرفهاش! بصيت لها. وقلت: — واضح إن فيه حاجات كتير جدًا إنتِ نفسك ما تعرفيهاش. كريم بصلي بعصبية. — إنتِ عايزة توصلي لإيه؟ قبل ما أرد... جرس الباب رن. مرة. وبعدين مرة تانية. نوال قالت: — مستنية حد؟ هزيت راسي. — لأ. راح كريم ناحية الباب. وأنا مشيت وراه. فتح. كان واقف بره راجل في أواخر الأربعينات، لابس بدلة بسيطة، وماسك ظرف بني كبير. بص لكريم. وبعدين بصلي. وقال: — حضرتك مريم؟ — أيوه. مد الظرف ناحيتي. كريم وقف بينا. — حضرتك مين؟ الراجل ما ردش عليه. فضل باصصلي أنا. وقال: — أنا آسف إني جيتلك بالطريقة دي... بس أعتقد إن من حقك تعرفي الحقيقة. قلبي بدأ يدق أسرع. كريم مد إيده ناحية الظرف. — حقيقة إيه؟ الراجل سحب إيده بسرعة. وبصله نظرة غريبة. — إنت عارف كويس. ساعتها... شوفت حاجة عمري ما شوفتها على وش كريم قبل كده. الخوف. خدت الظرف. فتحته. وأول صورة طلعتها خلت إيدي تتجمد. كريم. واقف قدام عمارة سكنية. وجنبه ست. إيده حوالين وسطها. طلعت الصورة اللي بعدها. نفس الست. نفس كريم. لكن المرة دي كانوا خارجين من مطعم. التالتة... كريم بيقبلها. سمعت نوال تقول من ورايا: — إيه ده؟ كريم حاول ياخد الصور مني. رجعت خطوة. — ماتلمسنيش. قال بسرعة: — مريم، الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة. ضحكت. لأول مرة من الصبح ضحكت فعلًا. — الجملة دي ناقصة بس علشان اليوم يبقى كامل. الراجل اللي جاب الصور قال: — فيه أكتر. رفعت عيني له. طلع مجموعة أوراق من الظرف. — الست اللي في الصور دي مراتي. الصمت نزل على البيت كله. وكمل: — وأنا اكتشفت علاقتها بجوزك من حوالي شهرين. بصيت لكريم. وشه بقى أبيض. لكن الراجل ماخلصش. حط ورقة فوق الصور وقال: — المشكلة مش الخيانة بس. وأشار ناحية الورقة. — الاتنين كانوا بيخططوا ياخدوا فلوس من الطرفين... وفيه تحويلات وحسابات ورسائل بينهم. بصيت للأرقام. وفجأة... عرفت الحساب اللي كنت بشوف تحويلات رايحة له كل شهر. رفعت عيني ناحية كريم. — دي فلوسي؟ ما ردش. صرخت نوال: — كريم؟! لأول مرة... أمه نفسها كانت بتبصله بصدمة. مسكت الملف الأخضر من على الترابيزة وحطيته جنب الصور. الصورة بدأت تكتمل. السفر. الفلوس. الأكاذيب. وحتى سبب إصرار كريم إن أمه تعيش معانا. بصيت له وقلت: — كنت بتجهز لإيه يا كريم؟ قال: — مريم، اسمعيني... — كنت ناوي تطلقني بعد ما تسحب اللي تقدر عليه؟ سكت. ودي كانت إجابته. نوال تدخلت فجأة: — مهما حصل، البيت ده بيت ابني! لفيت ناحيتها. وبهدوء شديد فتحت الملف على أول ورقة. حطيتها قدامها. — لأ يا نوال. قربت وبصت للورقة. قلت: — البيت باسمي أنا. رفعت راسها بسرعة. كملت: — وأنا اللي دفعت مقدم البيت. وأنا اللي بسدد أقساطه. وكل ورقة تثبت ده موجودة هنا. كريم قال بعصبية: — إحنا متجوزين، يعني البيت بيتنا إحنا الاتنين. قلت: — والمحامي هو اللي هيحدد حقوق كل واحد فينا. اتجمد مكانه. — محامي؟ بصيت للمقلاة الحديد اللي لسه موجودة فوق في أوضة النوم. وبعدين للصور اللي قدامي. وقلت: — أنا صحيت النهارده وأنا فاكرة إن أكبر مشكلة عندي إن حماتي رمت مقلاة ناحية وشي علشان ماعملتش لابنها الفطار. سكت لحظة. — طلع إن دي كانت أصغر مشكلة عندي. خدت موبايلي ومفاتيحي والملف. نوال قالت: — رايحة فين؟ وقفت عند الباب وبصيت لها هي وابنها. — أجيب لنفسي هدية عيد ميلاد. كريم سأل: — هدية إيه؟ ابتسمت. — محامي. وخرجت. لكن اللي ماكنتش أعرفه وقتها... إن الصور ماكشفتش غير نص الحقيقة. لأن لما المحامي بدأ يراجع التحويلات، اكتشف إن كريم ماكانش بيجهز بس علشان يسيبني. كان فيه خطة بدأت قبل شهور... ونوال نفسها كان اسمها موجود في ورقة من الأوراق. وساعتها فهمت إن المعركة الحقيقية ماكانتش على جوازي. كانت على البيت. وعلى مين فينا هيخرج منه في الآخر."الحكاية لم تنتهِ بعد..." الفصل الثاني: اسم نوال في الورق خرجت من البيت وأنا ماسكة الملف بإيد، والظرف البني بالإيد التانية. كنت متوقعة إني أول ما أركب العربية أنهار. أعيط. أصرخ. أضرب الدركسيون. أي حاجة. لكن الغريب إني كنت هادية جدًا. الهدوء اللي بييجي لما الصدمة تكون أكبر من إن مخك يستوعبها مرة واحدة. فضلت قاعدة في العربية حوالي خمس دقايق قبل ما أتحرك. وأول مكالمة عملتها كانت لمحامية اسمها داليا. داليا كانت واحدة من الناس اللي اتعرفت عليهم من خلال شغلي في المركز الطبي. ماحكتلهاش التفاصيل في التليفون. قلت بس: — محتاجة أقابلك النهارده... الموضوع يخص جوازي وبيتي وفلوسي. ردت فورًا: — تعالي. بعد ساعة تقريبًا كنت قاعدة قدامها. حطيت الملف الأخضر والظرف البني على مكتبها. قالت: — ابدئي من الأول. حكيت. من يوم ما نوال دخلت بيتنا. لتغير كريم. للتحويلات. لحد المقلاة والصور والراجل اللي ظهر على بابي. داليا ماقاطعتنيش. خلصت كلامي، فبدأت تقلب في الأوراق. وفجأة وقفت عند كشف حساب. قربته منها. — مريم... التحويلات دي إنتِ كنتِ عارفة عنها؟ — لأ. — والحساب ده؟ — معرفوش. فضلت تراجع الأرقام. وبعدين سألت: — كريم كان عنده وصول لأي حساب باسمك؟ — كان معاه بيانات حساب البيت، بس حسابي الشخصي لأ. هزت راسها. — محتاجين نعرف الفلوس راحت لمين بالظبط. اتصلت بجوز الست اللي كانت في الصور. كان اسمه حسام. وطلبت منه ييجي. وصل بعد حوالي نص ساعة. أول ما قعد قال: — أنا كنت فاكر إن المشكلة عندي أنا بس. طلع موبايله. فتح محادثات مصورة بين كريم ومراته سارة. في الأول كانت رسائل عاطفية. لكن بعد شوية... الموضوع اتغير. فلوس. حسابات. مواعيد. كريم كاتب لها: — "اصبري شوية. أول ما موضوع البيت يخلص، كل حاجة هتتغير." سارة ردت: — "وأمك وافقت؟" كريم: — "هي أكتر واحدة عايزة مريم تمشي." حسيت الدم بيتسحب من وشي. قلت: — أمه؟ حسام فتح صورة تانية. رسالة من كريم لسارة: — "ماما هتضغط عليها لحد ما تزهق وتسيب البيت بنفسها." بصيت لداليا. هي كمان كانت ساكتة. لكن المصيبة الحقيقية كانت في الرسالة اللي بعدها. سارة سألت: — "ولو ما مشيتش؟" رد كريم: — "عندي الخطة التانية." رفعت عيني. — إيه الخطة التانية؟ حسام قال: — ده اللي أنا معرفتوش. لكن داليا كانت لسه بتقلب في الملف. وفجأة سحبت ورقة. — استني. كانت نسخة من مستند قديم. اسمي موجود. اسم كريم موجود. وفي آخر الصفحة... اسم نوال. قلت: — اسمها بيعمل إيه هنا؟ داليا قرأت الورقة مرة تانية. وبعدين رفعت عيني ناحيتي. — واضح إن حماتك ماكنتش مجرد ضيفة في البيت يا مريم. سكتت لحظة. — كانت جزء من الخطة. يتيع