حقيقه وجوديه حكـايـات أسمـا ×2
الفصل الثالث
ظل كريم واقفًا مكانه.
كأن الأرض تجمدت تحت قدميه.
وعيناه لا تفارقان وجهي.
لأول مرة منذ عشر سنوات…
كان يراني حقًا.
ليس المرأة التي تحمل صينية الضيافة.
ولا الزوجة التي تختفي في المطبخ.
ولا الظل الذي اعتاد تجاهله.
بل المرأة التي أخفى نفسه عن حقيقتها طوال عمره.
—
أما الحضور…
فبدأت الهمسات تنتشر في القاعة.
بسرعة النار في الهشيم.
— دي بنت محمود المنصوري؟
— الوريثة الوحيدة؟
— إزاي محدش عرف؟
— مش دي مرات كريم الشاذلي؟
كل سؤال كان سهمًا جديدًا يصيب كبرياء كريم مباشرة.
أما ياسمين السيوفي…
فبدأت تنظر إليه بصدمة.
ثم قالت بصوت منخفض:
“إنت كنت عارف؟”
لم يجب.
لأنه لم يكن يعرف.
وهذا ما جعله يبدو أكثر غباءً أمام الجميع.
—
ابتسم الحاج محمود المنصوري.
ثم أمسك الميكروفون.
وقال:
“قبل ما نبدأ الحفل…”
“في حاجة مهمة لازم أوضحها.”
ساد الصمت داخل القاعة.
وتوقفت الأحاديث كلها.
ثم أشار نحوي.
وقال:
“كتير منكم يعرفوا سلمى المنصوري.”
“وكتير أكتر ما يعرفوهاش.”
ثم ابتسم.
وأضاف:
“بس اللي يمكن محدش يعرفه… إن بنتي كانت شريك أساسي في أكتر من مشروع ناجح خلال آخر عشر سنين.”
بدأ بعض رجال الأعمال يتبادلون النظرات.
أما كريم…
فبدأ يشعر بعدم الارتياح.
لأنه يعرف أن هناك شيئًا قادمًا.
شيئًا لا يريده أن يقال.
—
أشار والدي إلى الشاشة العملاقة خلف المنصة.
وفجأة ظهرت سلسلة من الوثائق والصور.
عقود.
اتفاقيات.
خطابات رسمية.
توقيعات.
ثم ظهر اسم شركة كريم الشاذلي.
شعرت بأن القاعة كلها تجمدت.
—
قال أبي بهدوء:
“من سبع سنين تقريبًا…”
“كانت شركة الشاذلي على بعد أسابيع من الإفلاس.”
اختفى اللون من وجه كريم.
أما أنا…
فظللت صامتة.
وأكمل والدي:
“وفي الوقت ده…”
“تم ضخ استثمارات سرية عن طريق شركة تابعة لمجموعة المنصوري.”
ثم ظهرت الوثائق على الشاشة.
واضحة أمام الجميع.
وبجانبها توقيعي.
—
بدأ الهمس يتحول إلى صدمة.
ثم أكمل:
“بعدها بثلاث سنين…”
“أكبر عقد حكومي للشركة كان هيروح لمنافس تاني.”
ظهرت وثيقة جديدة.
ثم أخرى.
ثم أخرى.
وجميعها تحمل اسمي.
—
شعرت أن ياسمين بدأت تبعد يدها عن ذراع كريم.
ببطء.
وكأنها تخشى أن تلمسه.
أما نادية الشاذلي…
فكانت تنظر إلى الشاشة وعيناها متسعتان من الرعب.
—
ثم جاءت الضربة الأقوى.
رفع والدي ملفًا أسود.
وقال:
“وده الملف اللي عمري ما كنت ناوي أطلعه.”
نظرت إليه باستغراب.
لأنني لم أعرف الملف.
حتى أنا.
—
فتح الملف.
وأخرج وثائق جديدة.
ثم قال:
“من سنتين…”
“كانت شركة الشاذلي مهددة بدعوى قضائية كانت كفيلة بإغلاقها نهائيًا.”
ساد الصمت.
وأكمل:
“وساعتها الشخص اللي دفع ملايين الجنيهات لإنهاء الأزمة…”
أشار نحوي.
“…كان سلمى.”
—
لم يعد أحد يتكلم.
حتى كريم نفسه.
بدا وكأنه فقد القدرة على التنفس.
لأن الحقيقة ظهرت أمام الجميع دفعة واحدة.
الإمبراطورية التي كان يفتخر بها.
والتي بنى عليها شهرته.
لم تنجُ مرة واحدة وحدها.
كانت سلمى هي من تنقذها كل مرة.
في الخفاء.
وبصمت.
وبدون أن تطلب أي تقدير.
—
ثم التفت والدي مباشرة نحو كريم.
ولأول مرة اختفت الابتسامة من وجهه.
وقال:
“أنا كنت مستني عشر سنين.”
“مستني أشوف اليوم اللي ابني بالتبني يكتشف قيمة النعمة اللي ربنا اداهاله.”
ساد الصمت.
ثم أكمل:
“لكن واضح إنك كنت مشغول تدور على قيمتها برا البيت.”
شعرت أن القاعة كلها حبست أنفاسها.
أما كريم…
فأنزل رأسه لأول مرة أمام الجميع.
—
في تلك اللحظة…
اقترب أحد كبار المستثمرين من والدي.
وقال:
“معنى كده إن مدام سلمى شريكة فعلية في كل ده؟”
ابتسم والدي.
وقال:
“لأ.”
نظر الرجل باستغراب.
فأكمل والدي:
“مش شريكة.”
ثم نظر إلى الجميع.
وأضاف:
“سلمى هي المالك الأكبر.”
انفجرت القاعة بالهمسات.
وتحولت الصدمة إلى ذهول حقيقي.
—
أما كريم…
فرفع رأسه ببطء.
ونظر نحوي.
وكانت الصدمة في عينيه أكبر من أي شيء آخر.
لأنه بدأ أخيرًا يفهم.
يفهم أن المرأة التي طلب منها قبل ساعات أن تملأ كؤوس الضيوف…
كانت تملك حصة أكبر من حصته في الشركة نفسها.
وأن الخادمة التي أخفاها عن العالم عشر سنوات…
كانت في الحقيقة صاحبة الإمبراطورية التي يتباهى بها أمام الناس.
لكن ما لم يكن يعرفه بعد…
أن ياسمين السيوفي كانت تخفي سرًا آخر.
سرًا سيُفجر الليلة بالكامل.
وسيجعل ما حدث حتى الآن يبدو مجرد بداية.
يتبع…
