صدمة العمر حكايات أسما السيد ×5

الفصل الخامس والأخير

 

بعد الليلة اللي وقفت فيها قدام ياسر وقلتله إن التسامح شيء والرجوع شيء تاني رجعت البيت وأنا حاسة براحة غريبة

 

مش راحة انتقام

 

ولا راحة شماتة

 

لكن راحة إن صفحة أخيرًا اتقفلت

 

سنين كاملة من الحب والخوف والمرض والخذلان كانت واقفة جوايا زي باب مقفول

 

وفي الليلة دي الباب ده اتقفل بالمفتاح

 

ولأول مرة من وقت طويل نمت من غير ما أصحى في نص الليل أبص للموبايل

 

من غير ما أتخيل حوار بيني وبينه

 

من غير ما أسأل نفسي ليه عمل كده

 

لأن الحقيقة كانت واضحة

 

بعض الناس لما الدنيا تظلم بيبان معدنهم الحقيقي

 

وياسر ظهر معدنه يوم مرضي

 

أما أنا فبدأت أرجع للحياة يوم بطلت أستناه

 

بعدها بأيام قليلة خرجت مع عمر لأول مرة بره إطار المستشفى والتحاليل والكلام عن العلاج

 

قعدنا في مكان هادي على النيل

 

والهوا كان لطيف بشكل خلاني أحس إني نسيت سنين من التعب

 

كنا بنتكلم عادي جدًا

 

عن الكتب

 

عن السفر

 

عن الشغل

 

عن الأحلام المؤجلة

 

وفجأة اكتشفت إني بضحك

 

ضحك حقيقي

 

مش مجاملة

 

مش محاولة للهروب من الوجع

 

ضحك خارج من القلب

 

ساعتها بصلي عمر وابتسم

 

وقال

 

أخيرًا

 

استغربت

 

وقلت

 

أخيرًا إيه

 

قال

 

أخيرًا شوفت الابتسامة اللي الدكتور سامح كان بيتكلم عنها

 

ضحكت أكتر

 

وحسيت بدفا غريب

 

الدفا اللي كنت فاكرة إني فقدته للأبد

 

في نفس الوقت تقريبًا كان ياسر بيعيش أسوأ أيام عمره

 

الشركة اللي كان شغال فيها دخلت في أزمة كبيرة

 

وخسر صفقة مهمة جدًا

 

والمحكمة حكمت لرانيا بمبالغ ما كانش متوقعها

 

وأصدقاؤه اللي كانوا حوالينه وقت الفلوس اختفوا واحد وراء التاني

 

وفجأة لقى نفسه لوحده

 

نفس الوحدة اللي سابني أعيشها

 

بس الفرق إن أهلي كانوا حواليا

 

أما هو فكان حرفيًا وحيد

 

وفي يوم كان خارج من شركته بعد اجتماع صعب

 

ولمحني بالصدفة

 

كنت ماشية أنا وعمر

 

كنا بنتكلم ونضحك

 

ولأول مرة من سنين كنت لابسة فستان حبيته

 

وشعري بدأ يرجع بشكل جميل

 

وصحتي بقت أحسن بكتير

 

وقف مكانه يتفرج علينا

 

وشاف عمر وهو بيفتحلي باب العربية

 

وشاف الابتسامة اللي على وشي

 

وشاف الراحة اللي كان زمان بيشوفها لنفسه

 

لكن المرة دي كانت مع راجل تاني

 

وقال بعدها لصديق مشترك بينا جملة وصلتني بعد فترة

 

قال

 

أول مرة أفهم معنى الخسارة الحقيقية

 

الخسارة مش إنك تفقد شخص

 

الخسارة إنك تشوف الشخص ده سعيد من غيرك بسببك

 

أما أنا فكنت مشغولة بحياتي الجديدة

 

ومع الوقت علاقتي بعمر كبرت

 

لكن الجميل فيها إنها ما بدأتش بحب

 

بدأت باحترام

 

وبعدين ثقة

 

وبعدين أمان

 

وبعدين مشاعر

 

ودي كانت أول مرة أفهم إن الحب الحقيقي مش لازم يكون نار تحرقك

 

ممكن يكون سكي..نة

 

ممكن يكون راحة

 

ممكن يكون حد يمسك إيدك وقت ضعفك بدل ما يهرب

 

بعد شهور قليلة الدكتور أعلن رسميًا إن نتائج الفحوصات ممتازة وإن حالتي مستقرة جدًا

 

اليوم ده كان عيد بالنسبة لعيلتي كلها

 

أمي كانت بتعيط من الفرحة

 

وأبويا فضل يحمد ربنا طول اليوم

 

أما أنا فدخلت أوضتي وقعدت لوحدي شوية

 

افتكرت أول جلسة كيماوي

 

وأول خصلة شعر وقعت

 

وأول ليلة نمت فيها من الوجع

 

وافتكرت اللحظة اللي قالتلي فيها الست دي إن جوزي معاها

 

وافتكرت الغيبوبة

 

وافتكرت كلمة ياسر

 

لما قال إنه بقى يقرف مني

 

وللمرة الأخيرة عيطت

 

لكن المرة دي ما كانش عياط حزن

 

كان عياط وداع

 

وداع لكل الألم اللي فات

 

بعدها بشهرين عمر طلب مني نتقابل في مكان هادي

 

ولما رحت لقيته متوتر بشكل غريب

 

استغربت

 

لأن عمر طول عمره هادي

 

ابتسم وقال

 

أنا عمري ما كنت شاطر في الكلام الكبير

 

فضحكت

 

وقال

 

بس في حاجة واحدة متأكد منها

 

إني من أول يوم شوفتك فيه عرفت إنك ست قوية بشكل نادر

 

وشفت فيكي إنسانة تستحق تتعوض عن كل لحظة وجع عاشتها

 

وساعتها طلع خاتم بسيط جدًا

 

وقال

 

تتجوزيني يا ندى

 

في اللحظة دي نزلت دموعي

 

دموع فرحة

 

مش لأن حد طلب إيدي

 

لكن لأن ربنا عوضني في الوقت اللي كنت فاكرة إن كل حاجة انتهت

 

وافقت

 

وبدأت أجهز لحياة جديدة

 

حياة مختلفة

 

هادية

 

نظيفة من الخداع

 

وفي يوم كتب الكتاب كان كل أهلي موجودين

 

والفرحة مالية البيت

 

وأثناء الاحتفال خرجت للحديقة الصغيرة قدام القاعة أخد نفس

 

وهناك شفت شخص واقف بعيد

 

ياسر

 

كان واقف من غير ما يقرب

 

ولا يحاول يكلمني

 

ولا يعمل أي مشهد

 

بس واقف

 

يبص من بعيد

 

ولما عيوننا اتقابلت ابتسم ابتسامة صغيرة كلها وجع

 

ورفع إيده بتحية خفيفة

 

كأنه بيقول مبروك

 

وكأنه بيعترف إن الفرصة ضاعت للأبد

 

رجعتله التحية بهدوء

 

ثم دخلت تاني

 

من غير ما أقف

 

من غير ما أتردد

 

من غير ما أبص ورايا

 

لأن الماضي مكانه ورا

 

مش قدام

 

وفي نفس الليلة سمعت من صديق مشترك إن الست اللي عرفتها عليا زمان كانت قاعدة مع أصحابها في كافيه

 

ولما عرفت بخبري ضحكت وقالت

 

يستاهل

 

هو اللي اختار يخسرها

 

المفارقة إن حتى الست اللي كانت سبب خراب بيتي كانت شايفة الحقيقة اللي هو رفض يشوفها

 

أما أنا

 

فكنت قاعدة جنب جوزي الجديد

 

بضحك

 

وبتكلم

 

وبخطط للمستقبل

 

المستقبل اللي كنت فاكرة إني مش هوصله

 

وعرفت وقتها إن المرض ما كانش نهاية حياتي

 

كان بداية حياة جديدة

 

وإن الخيانة ما كانتش نهاية الحب

 

كانت نهاية حب غلط

 

علشان ربنا يفتح باب لحب صح

 

وإن الإنسان مهما اتكسر

 

ومهما وقع

 

ومهما حس إن الدنيا ظلمته

 

ممكن يقوم تاني

 

أقوى

 

وأهدى

 

وأجمل من الأول

 

أما ياسر

 

ففضل طول عمره شايل حقيقة واحدة

 

إن الست اللي احتاجت منه حضن وقت المرض

 

فتركها

 

رجعت للحياة من غيره

 

ولما رجع يدور عليها

 

كانت قد سبقت الجميع إلى النور.

 

تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *