بنت مشرده حكايات اسما السيد ح1

بنت مشردة طلبت بواقي الأكل من سيدة أعمال مليونيرة… وهي ما تعرفش إنها أمها اللي فضلت تدور عليها أكتر من عشرين سنة.
المطر كان بينزل بغزارة على القاهرة، لما خرجت سارة من تحت الكوبري اللي كانت مستخبية تحته في شبرا.
كان عندها 22 سنة.
لابسة بنطلون قديم، وكوتشي مقطوع، وجاكيت خفيف المطر بيعدي منه كأنه مش موجود.
بقالها يومين تقريبًا ما دخلش بطنها غير نص رغيف ناشف لقيته مرمي في كيس.
الجوع كان بيعصر معدتها لدرجة إنها بالعافية قادرة تمشي.
من سنين وهي عايشة على أي شغلانة بسيطة تلاقيها…
مرة تمسح عربيات عند الإشارة…
ومرة تشيل شنط الناس في السوق…
ومرة تبيع ورد باقي من المحلات آخر اليوم.
أوقات كانت تنام في دار رعاية.
وأوقات لما المكان يتملي، كانت ترجع تنام تحت الكوبري، حاضنة شنطتها الصغيرة علشان محدش يسرقها.
الشنطة دي كانت كل اللي تملكه في الدنيا.
جواها صورة قديمة باهتة للست اللي ربتها…
وبطانية أطفال صغيرة مطرز عليها حرف واحد…
وسلسلة فضة متعلقة فيها هلال صغير.
الست اللي ربتها كان اسمها الحاجة أمينة.
طول عمرها كانت تقول لها:
— لقيتك قدام جامع في طنطا وإنتِ رضيعة… وأهلك سابوكي.
لكن قبل ما تموت بيوم…
غيرت كلامها.
قالت وهي نفسها بيطلع بالعافية:
— لا… أهلك ما سابوكيش… حد خبّاكي منهم.
سارة حاولت تسألها مين…
لكن الحاجة أمينة فارقت الحياة في نفس الليلة.
ومن يومها…
بقى عند سارة وجع أكبر من الجوع نفسه…
وجع إنها مش عارفة هي بنت مين.
في مساء اليوم ده…
راحت ناحية التجمع الخامس بعدما سمعت إن المطاعم الكبيرة ساعات بترمي أكل يكفي أسر كاملة.
وقفت قدام مطعم فاخر اسمه قصر النيل.
من وراء الإزاز…
شايفة الترابيزات البيضا…
والكاسات اللامعة…
وأطباق تمن الواحد منها أكتر من اللي بتكسبه في شهر كامل.
الأمن لمحها وهي بتقرب.
قال بحدة:
— إنتِ رايحة فين؟
قالت بهدوء:
— مش داخلة… كنت بس عايزة أسأل… لو فيه أكل هيفضل آخر اليوم… ممكن آخده؟
ضحك بسخرية.
— هو إحنا فاتحين جمعية خيرية؟
قالت:
— أنا مش بطلب فلوس.
— كله بيقول كده.
نزلت عينيها للأرض.
— والله بقالي يومين تقريبًا ما كلتش.
شدها من دراعها وزقها.
وقعت على الأرض وسط مية المطر.
الناس بصت…
واحدة حطت إيدها على بقها من الصدمة…
وواحد طلع موبايله وصور.
سارة قامت بالعافية.
وقالت بصوت مكسور:
— معلش… ماكنش قصدي أضايق حد.
في اللحظة دي…
وقفت عربية سوداء فخمة قدام المطعم.
مدير المطعم جري بنفسه يستقبل صاحبتها.
والموظفين وقفوا صف واحد.
نزلت منها سيدة في أوائل الخمسينات.
ملامحها هادية…
لابسة بدلة أوف وايت شيك…
وحاطة سلسلة فضة حوالين رقبتها.
دي كانت ليلى الشاذلي…
واحدة من أشهر سيدات الأعمال في مصر.
عندها سلسلة فنادق ومستشفيات وشركات استثمار.
الناس كلها كانت تعرفها كسيدة حديدية.
لكن محدش كان يعرف إنها كل ليلة…
أول ما تقفل باب أوضتها…
بتتحول لأم مكسورة القلب…
بقالها 22 سنة بتدور على بنتها.
بنتها نور اختفت وهي عندها أربع شهور.
الشرطة قالت وقتها إنها اتخطفت.
وبعدين ظهرت أدلة مزورة بتقول إنها ماتت.
لكن الج\ثة عمرها ما اتلقت.
ليلى عمرها ما صدقت.
صرفت ملايين على التحريات…
وسافرت تدور عليها في كل مكان.
لكن مع السنين…
الكل طلب منها تنسى.
الشخصين الوحيدين اللي كانوا مصرين تقفل الملف هما…
جوز أختها فؤاد…
ومراته منى.
أول ما سمعت صوت سارة وهي بتقول:
— يا هانم… بعد ما تخلصي أكلك… ينفع تديني الباقي؟ والله جعانة.
وقفت مكانها.
مدير المطعم اتوتر وقال بسرعة:
— يا فندم… هنبعدها حالًا.
بصت له وقالت ببرود:
— محدش يلمسها.
قربت من سارة.
وقالت برقة:
— اسمك إيه؟
— سارة.
— جعانة؟
— أيوه… بس هستنى بره.
قلعت جاكيتها الغالي…
وحطته على كتافها.
وقالت:
— مش هتستني في المطر علشان تاكلي بواقي أكل.
كل اللي في المطعم اتفاجئوا…
وهي ماسكة إيد البنت ودخلتها معاها.
مدير المطعم قال بتوتر:
— نجهز لها ترابيزة جنب المطبخ؟
بصت له نظرة حادة.
وقالت:
— لا…
هتقعد على نفس الترابيزة معايا.
دخلت سارة وسط نظرات الناس…
حاسّة إن هدومها المقطعة فضحتها.
في ناس همست…
وفي ناس عملت نفسها مش شايفاها.
طلبت ليلى…
شوربة…
ولحمة…
ورز…
وعيش…
وكوباية شوكولاتة سخنة.
الأكل اتحط قدام سارة…
لكن فضلت باصة له.
سألتها ليلى:
— مش جعانة؟
قالت:
— جعانة جدًا.
— أمال ليه مش بتاكلي؟
ردت وهي بتترعش:
— خايفة حد يقول إني سرقت حاجة.
الكلمة وجعت ليلى من جواها.
قالت لها بهدوء:
— طول ما إنتِ معايا… محدش هيقدر يتهمك بأي حاجة.
سارة أخدت أول معلقة شوربة…
وبعدين التانية…
وعند التالتة…
انفجرت في العياط.
— آسفة.
ابتسمت ليلى بحنان.
— ما تعتذريش.
قالت سارة وهي بتمسح دموعها:
— نسيت إحساس إني آكل من غير ما أخاف الأكل يخلص.
ليلى مدت إيدها تناوِلها منديل…
وفي اللحظة دي…
وقعت عينها على السلسلة اللي في رقبتها.
هلال فضة صغير…
بنفس التصميم…
اللي كانت علقته في رقبة بنتها وهي رضيعة.
اتسعَت عيناها…
وشحب لون وجهها.
اقرأوا القصة الكاملة من الرابط الموجود في أول تعليق.”الحكاية لم تنتهِ بعد…”
📖 رابط القصة الكاملة في أول تعليق.
✍️ الكاتبة أسما السيد
الفصل الثاني: الهلال
ليلى ما بقتش سامعة صوت المطعم.