الفلاح الوسيم حكايات اسما السيد 3

الفصل الثالث — الدين القديم اللي رجع بعد تلاتين سنة
رياض فضل واقف مكانه، وعينيه مثبتة على الراجل اللي دخل الجناح.
ملامحه كبرت. شعره شاب. لكن نفس النظرة. نفس الابتسامة الباردة. قال رياض: — فؤاد؟ الرجل ابتسم. — أخيرًا افتكرتني. شريف بص بينهم. وسارة كانت واقفة مش فاهمة أي حاجة. رياض قال: — إنت بتعمل إيه هنا؟ فؤاد دخل وقف جنب شريف. — ابنك ما قالكش؟ بص رياض لابنه. — قاللي إيه؟ فؤاد رد: — أنا الشريك التاني في الشركة. رياض سكت. ثم ضحك. — إنت؟ — أنا. — وشريف عرفك منين؟
فؤاد بص لشريف. — الحقيقة؟ رجع بصل لرياض. — أنا اللي دورت عليه. رياض قرب منه. — بعد تلاتين سنة؟ — أنا ما اختفيتش تلاتين سنة. — بالنسبة لي اختفيت. — لأ. ابتسامته اختفت. — إنت اللي عملت نفسك مش شايفني. شريف قال: — واضح إن عندكم كلام قديم. رياض رد من غير ما يبصله: — إنت اسكت. شريف ضحك. — لسه بتكلمني كأني عندي عشر سنين؟ رياض لف له.
— لو كنت ربيتك صح وإنت عندك عشر سنين، ما كنتش وقفت قدامي النهارده تعمل اللي بتعمله. الكلمة وجعت شريف. بانت في عينه. لكن فؤاد تدخل: — ما تحملش نفسك الذنب كله. رياض بص له. فؤاد كمل: — أنا ساعدته شوية. رياض قال: — عايز إيه؟ — حقي. — حقك في إيه؟ فؤاد بص حوالين الجناح. — في كل ده. رياض ضحك. — إنت لسه عايش في الوهم القديم؟ فؤاد قرب منه.
— الوهم اللي إنت بنيت منه إمبراطوريتك؟ سارة بصت لرياض. هو ما ردش. فؤاد قال: — قولهم. — أقول إيه؟ — قول لابنك إمبراطوريتك بدأت إزاي. شريف قال: — أنا عارف. رياض لف له بسرعة. — تعرف إيه؟ شريف رد: — إن أول أرض بنيت عليها مشروعك ما كانتش بتاعتك لوحدك. الصمت وقع. رياض بص لفؤاد. — إنت حكيتله؟ — حكيتله الجزء اللي إنت نسيته. رياض قال: — أنا ما نسيتش حاجة.
فؤاد: — أمال فاكر الاتفاق؟ رياض سكت.
من تلاتين سنة…
رياض ما كانش عنده فنادق. ولا شركات. ولا عربيات. ولا حتى مكتب. كان شاب بيشتغل من الصبح لليل. وفؤاد كان صاحبه. أقرب من أخ. الاتنين اشتروا قطعة أرض صغيرة على أطراف المدينة. نص بالنص. وكان حلمهم يبنوا عليها مطعم واستراحة. لكن المشروع وقع. ديون. خسائر. مشاكل. وفؤاد قرر يسافر. قبل سفره قال لرياض: — بيع نصي لو احتجت. رياض قال: — هرجعهولك لما أقف على رجلي. فؤاد سافر. ورياض فعلًا باع الأرض.
سدد الديون. وبالمبلغ اللي فضل… بدأ أول مشروع. المشروع نجح. وبعده التاني. وبعده التالت. لحد ما بقى رياض اللي الناس تعرفه. لكن فؤاد… ما رجعش. رياض بعت له مرة. واتنين. وبعدين الاتصال انقطع. وبعد سنين، لما حاول يدور عليه… قيل له إنه ما.ت في حادث. على الأقل… ده اللي صدقه رياض.
رجع رياض للحاضر.
قال: — قالولي إنك مت. فؤاد ضحك. — مين؟ رياض سكت. — جاوب. — أخوك. ابتسامة فؤاد اختفت. — أخويا؟ — أيوه. — إمتى؟ — من حوالي خمسة وعشرين سنة. فؤاد بص بعيد. ثم قال: — أخويا ما.ت من سبعة وعشرين سنة يا رياض. الصمت وقع. رياض حس بحاجة باردة جريت في ضهره. — مستحيل. — دي الحقيقة. — أنا قابلته. — قابلت مين؟ رياض بدأ يفتكر. الراجل اللي قابله وقتها كان شبه فؤاد.
قال إنه أخوه. اداله ورقة. وقال له: “فؤاد ما.ت.” رياض صدق. كان صغير. مشغول. والحياة بتجري. قال فؤاد: — حد كان عايز يقطعنا عن بعض. رياض سأله: — مين؟ فؤاد رد: — نفس الشخص اللي خلاني أصدق إنك سرقتني. رياض سكت. — مين؟ فؤاد قال: — أبو سارة. سارة شهقت. — أبويا؟! الكل بص لها. فؤاد أشار ناحيتها. — أيوه. سارة رجعت خطوة. — أبويا ما.ت من خمس سنين. — عارف.
— وإيه علاقته بيكم؟ فؤاد قال: — أبوكي كان المحاسب اللي ماسك شغلنا وقتها. رياض حط إيده على المكتب. بدأت ذكريات قديمة ترجع. أبو سارة. المحاسب الشاب. كان فعلًا موجود. لكنه ما ربطش الاسم بيها. قال لسارة: — اسم أبوكي كامل إيه؟ قالته. رياض قفل عينيه. نفسه. فتح عينه. — إنتِ بنته؟ دموعها بدأت تظهر. — أيوه. رياض بص لفؤاد. — هو اللي قالك إني أخدت الفلوس؟ — بعتلي أوراق تثبت إنك بعت الأرض وأخدت المبلغ كله.
— لأنك كنت مسافر! — وأنا كنت مستني منك حقي. — كنت بدور عليك! — وأنا كنت بدور عليك! الاتنين سكتوا. تلاتين سنة عداوة… يمكن تكون مبنية على كذبة. شريف قال: — مؤثر جدًا. رياض لف له. — إنت عارف الكلام ده؟ — عارف إنكم الاتنين اتضحك عليكم. — ومع ذلك ساعدته ياخد الفندق؟ شريف رد: — لأ. ابتسم بمرارة. — أنا ساعدته ياخد منك اللي شايف إنه حقه… وهو ساعدني آخد حقي منك.
رياض قرب منه. — حقك؟ — أيوه. — إنت ابني. كل حاجة كنت هسيبها ليك ولأختك. شريف ضحك. — بعد ما تمو.ت؟ — يعني إيه؟ — يعني طول ما إنت عايش، إحنا مجرد موظفين عند رياض باشا. — أنا علمتك الشغل. — إنت علمتني الطاعة. الكلمة وقفت رياض. شريف كمل: — كل قرار لازم يعدي عليك. — لأنها شركاتي. — بالظبط. — وأنا بنيتها من الصفر. — وإحنا فضلنا طول عمرنا عايشين جوه ظلك.
رياض قال: — فقررت تسرقني؟ شريف صرخ: — ما سرقتكش! — أمال ده إيه؟ شاور على العقود. شريف قال: — كنت باخد استقلالي. رياض ضحك. — استقلالك بتوقيع خدعته مني؟ شريف سكت. قال رياض: — لو شايف نفسك راجل أعمال، كنت خرجت وبنيت حاجة من الصفر. وسكت لحظة. — زي ما أنا عملت. الجملة ضر.بت شريف في الصميم. فؤاد تدخل: — كفاية. رياض بصله. — وإنت ما تتدخلش بيني وبين ابني.
فؤاد قال: — ابنك مش مشكلتك الوحيدة. — أمال؟ فؤاد بص لسارة. — المشكلة الحقيقية في أبوها. سارة قالت بعصبية: — أبويا ما.ت. — لكنه ساب ورق. — ورق إيه؟ — دفتر حسابات. سارة سكتت. فؤاد قال: — أختك تعرف مكانه. وش سارة اتغير. رياض لاحظ. — إنتِ تعرفي حاجة؟ — لأ. — سارة. — والله ما أعرف. فؤاد قال: — أختك تعرف. سارة بصت للصورة اللي كانت فيها أختها واقفة مع شريف.
وفجأة فهمت. — هي عشان كده دخلت شركتكم؟ شريف رد: — هي اللي جتلي. — ليه؟ — قالت عندها مستندات تخص أبويا. رياض قال: — مستندات إيه؟ شريف: — تثبت إن جزء من رأس مال أول مشاريعك خرج من حسابات مش بتاعتك. رياض اتجمد. — كدب. فؤاد قال: — وأنا قلت كده. شريف بص له. — لكنك دخلت معايا. — علشان أشوف الورق. — وشوفته. — وشفت صور. رياض قال:
— فين الأصل؟ محدش رد. بص لسارة. — أختك. سارة هزت راسها. — أنا هكلمها. طلعت موبايلها. اتصلت. مغلق. تاني. مغلق. قالت: — مش بترد. شريف بص للموبايل. ملامحه اتغيرت. طلع موبايله هو. اتصل. مغلق. قال: — غريبة. رياض لاحظ قلقه. — آخر مرة شفتها إمتى؟ — امبارح. — فين؟ — هنا. — ومشيت إمتى؟ — حوالي عشرة. سارة قالت: — هي ما رجعتش البيت امبارح. شريف بص لها. — إنتوا ساكنين مع بعض؟
— أيوه. — ليه ما قولتيش؟ — افتكرتها نامت عند صاحبتها. رياض قال: — عندها صاحبة معينة؟ — آه. — كلميها. اتصلت. ردت البنت. سارة سألتها. وبعد ثواني… وشها شحب. قفلت. رياض قال: — إيه؟ — ما شافتهاش من أسبوع. شريف قال: — يمكن في مكان تاني. سارة ردت: — أختي عمرها ما بتقفل موبايلها. فؤاد سأل: — عربيتها؟ شريف اتجمد. — إيه؟ — عربيتها فين؟ سكت شريف. ثم قال:
— الجراج. — متأكد؟ — شوفتها امبارح. رياض قال: — ننزل.
نزلوا الجراج.
دوروا. العربية موجودة. مقفولة. سارة قربت. بصت من الشباك. شنطة أختها على الكرسي. قالت: — شنطتها هنا. شريف حاول يفتح. مقفولة. رياض طلب من الأمن المفتاح الاحتياطي. فتحوا العربية. الموبايل كان جوه الشنطة. مقفول. محفظتها موجودة. لكن هي… مش موجودة. سارة بدأت تخاف. — مستحيل تسيب كل ده. رياض قال: — كاميرات الجراج. مدير الأمن اتردد. — يا فندم… رياض لف له. — إيه؟ — كاميرات الجزء ده حصل فيها عطل امبارح.
الكل سكت. رياض قال: — من الساعة كام؟ — حوالي عشرة إلا ربع. شريف بص له. — وهي خرجت من عندي عشرة. سارة همست: — يعني نزلت هنا وقت العطل. رياض قال: — والعطل استمر قد إيه؟ — ساعة تقريبًا. فؤاد ضحك بمرارة. — عطل جميل أوي. رياض قال: — هاتولي تسجيلات كل المداخل. مدير الأمن: — حاضر. — ومحدش يمسح ثانية واحدة.
رجعوا للجناح 707.
التوتر زاد. شريف كان بيتصل بأرقام مختلفة. سارة قاعدة مرعوبة. وفؤاد واقف عند الشباك. رياض بدأ يفتش المكتب. فتح درج. ملفات. إيصالات. أوراق. وفجأة لقى ظرف بني. عليه اسم سارة. رفع الظرف. — ده ليكي؟ سارة قامت. — أول مرة أشوفه. فتحه. جواه ورقة بخط إيد. سارة أول ما شافت الخط شهقت. — ده خط أختي. رياض اداها الورقة. بدأت تقرأ: “لو حصل لي حاجة، ما تصدقيش شريف.” شريف رفع راسه.
— إيه؟ سارة كملت: “أنا دخلت الشركة علشان أعرف الحقيقة عن بابا. لكن اللي اكتشفته أكبر. الفندق مش الهدف. رياض نفسه هو الهدف.” رياض اتجمد. سارة كملت: “فيه حد بيستخدم شريف وفؤاد علشان يخلي رياض يمضي ويتنازل عن كل حاجة بالتدريج. ولو الرسالة دي وصلتلك… يبقى غالبًا عرفوا إني اكتشفتهم.” فؤاد قرب. — مين “هم”؟ سارة قلبت الورقة. في الضهر مكتوب رقم خزنة. وتحته: “المفتاح عند الشخص اللي رياض أهانه من غير ما يعرف إنه بينقذ حياته.”
الكل بص لرياض. شريف قال: — إنت أهنت مين؟ رياض ضحك بعصبية. — السؤال الأدق: أنا أهنت كام واحد في حياتي؟ لكن سارة كانت باصة للورقة. وفجأة قالت: — استنى. — إيه؟ — يمكن مش حضرتك. — مكتوب رياض. — أيوه، بس “أهانه من غير ما يعرف إنه بينقذ حياته”. فؤاد قال: — حد حصل بينه وبينك موقف قريب؟ رياض فكر. وبعدين افتكر. قبل دخوله الفندق بساعات… وهو جاي من البلد بعربيته القديمة…
العربية عطلت على الطريق. وقف له شاب بسيط على موتوسيكل. ساعده. صلح له خرطوم مية مؤقتًا. ورياض كان متعصب ومستعجل. ولما الشاب رفض ياخد فلوس، رياض قال له بعصبية: — خلصنا يا ابني، أنا مش فاضي للحكايات دي. الشاب بصله وقتها وقال: — أنا مش مستني منك حاجة يا حاج. أنا بس لقيت ظرف وقع من عربيتك وكنت عايز أديهولك. رياض وقتها أخد الظرف من غير ما يبص فيه. وحطه في جيب شنطته.
وشكره بسرعة ومشي. اتجمد. قال: — الظرف. جري ناحية شنطته. فتحها. طلع الظرف القديم. كان لسه مقفول. فتحه. جواه مفتاح صغير. وملاحظة: “أمانة من بنت قالتلي لو شفت الراجل اللي في الصورة أديهاله.” وفيه صورة لرياض. سارة شهقت. — أختي. رياض مسك المفتاح. شريف قال: — يعني أختها كانت مستنياك قبل ما توصل الفندق. فؤاد قال: — وكانت عارفة إنك جاي. رياض بص للكل. — محدش كان يعرف إني جاي غير يارا.
الصمت وقع. شريف قال: — ويارا عرفت منين؟ — أنا كلمتها وأنا تحت. سارة قالت: — يبقى أختي كانت عارفة قبلها. رياض قال: — بالظبط. فؤاد سأله: — مين كان عارف خط سيرك؟ رياض فكر. السواق؟ لا، هو جه لوحده. البيت؟ محدش. وبعدين افتكر مكالمة قبل ما يتحرك. شخص واحد سأله: “هتبات فين النهارده؟” رياض وقتها قال له إنه رايح يمر على الفندق. رفع عينه. ملامحه اتغيرت. شريف قال: — مين؟
رياض ما ردش. — بابا، مين؟ قال الاسم. وفؤاد رجع خطوة من الصدمة. حتى شريف سكت. لأن الشخص اللي كان عارف إن رياض رايح الفندق… ما كانش موظف. ولا شريك. ولا منافس. كان المحامي الشخصي لرياض. الراجل اللي ماسك كل عقوده من عشرين سنة. والأخطر… إنه هو نفسه اللي جهز أوراق إعادة الهيكلة اللي شريف خد فيها توقيع أبوه. رياض مسك المفتاح بقوة. وقال: — دلوقتي فهمت. شريف سأله: — فهمت إيه؟
بص له رياض. — إنت ما سرقتنيش لوحدك. سكت لحظة. — إنت كنت الطُعم. وش شريف اتغير. — طُعم لمين؟ رياض رد: — لحد عايز ياخد مني كل حاجة… وبص للمفتاح. — من غير ما يظهر اسمه في ورقة واحدة. وفي اللحظة دي رن موبايل سارة. رقم أختها. قامت بسرعة. — دي هي! ردت. — ألو؟ إنتِ فين؟! محدش رد. بس كان فيه صوت نفس سريع. ثم صوت أختها، هامس ومرعوب:
— سارة… اسمعيني وماتتكلميش. سارة بدأت تعيط. — إنتِ فين؟ — قولتلك ماتتكلميش. سكتت. الصوت كمل: — رياض معاكي؟ سارة بصت له. — أيوه. قالت أختها: — خليه ما يروحش للخزنة. سارة سألت: — ليه؟ جاء الرد: — لأنهم مستنيينه هناك. وفجأة سمعوا صوت راجل بعيد في المكالمة: — إنتِ بتكلمي مين؟ الأخت شهقت. والمكالمة اتقفلت. سارة صرخت: — ألو! ألو! حاولت تتصل. الموبايل اتقفل. بصت لرياض وهي بتعيط. — لازم نجيبها.
رياض مسك المفتاح. وبص لشريف. ثم لف لفؤاد. وقال: — من اللحظة دي محدش يتحرك لوحده. شريف سأله: — والخزنة؟ رياض بص للمفتاح في إيده. — هنروح لها. سارة صرخت: — بس هي قالت إنهم مستنيينك! رياض رد: — عارف. — وأمال هتروح ليه؟ ابتسم ابتسامة صغيرة. — لأنهم مستنيين الفلاح اللي دخل الفندق النهارده. وسكت. — مش رياض اللي بنا المجموعة دي حجر حجر. يتبع — الفصل الرابع: الخزنة اللي فيها اسم الخاين الحقيقي
الحكاية لم تنتهِ بعد… رابط القصة الكاملة في أول تعليق. ✍️ الكاتبة أسما السيد حكايات أسما السيد — حصري، ممنوع النسخ