عوده من الماضي حكـايـات أسمـا ×1

تركني عندما رفضتُ التخلص من حملي… وبعد خمس سنوات، رأى توأمي فانفجرت كذبة والدته التي بلغت قيمتها أكثر من 100 مليون جنيه

الفصل الأول

كان سيف الشاذلي يحمل كوب قهوة سوداء أمام أحد المقاهي داخل مول مصر بمدينة السادس من أكتوبر، عندما خرج ماضيه فجأة من بين الأبواب الزجاجية للمركز التجاري.

تجمد في مكانه.

لثانية كاملة ظن أنه يتخيل.

أو أن الإرهاق أخيرًا بدأ يعبث بعقله.

فالمرأة التي كانت تسير وسط الزحام ممسكة بيدي طفلين صغيرين لم يكن من المفترض أن تكون هنا.

ليس بعد خمس سنوات.

ليس بعد ذلك الظرف.

وليس بعد آخر لقاء جمعهما داخل قاعة الاجتماعات الخاصة في الطابق الأربعين من برج الشاذلي للأعمال بالقاهرة الجديدة.

ليلى عبدالسلام.

كانت مختلفة.

شعرها أصبح أقصر.

تنسدل خصلاته الداكنة فوق كتفيها في تموجات هادئة.

وترتدي فستانًا صيفيًا بسيطًا بلون أزرق فاتح مع سترة جينز خفيفة.

لا مجوهرات باهظة.

ولا حقائب تحمل أسماء ماركات عالمية.

ولا أي محاولة للفت الانتباه.

ومع ذلك…

بدت أجمل من أي امرأة رآها خلال السنوات الخمس الماضية.

كانت تسير بثقة امرأة مرت وسط النار وعادت منها أقوى.

انزلق كوب القهوة من يد سيف.

وانسكب السائل الساخن فوق أصابعه.

لكنه لم يشعر بشيء.

لأنه رأى الطفلين.

كانا في الخامسة تقريبًا.

أحدهما يقفز بحماس وهو يشير إلى متجر ألعاب.

أما الآخر فكان أكثر هدوءًا.

يراقب كل شيء حوله بعينين ثابتتين.

وعندها شعر قلب سيف بالتوقف.

كانت عيناهما رماديتين.

تمامًا مثله.

اللون النادر نفسه الذي اشتهرت به عائلة الشاذلي منذ أجيال.

نظر مرة أخرى.

ثم مرة ثالثة.

وكأن عقله يرفض تصديق ما تراه عيناه.

الطفل الأول يحمل ملامح فكه.

والثاني يحمل التجعيدة نفسها بين الحاجبين عندما يركز.

تراجع للخلف فاصطدم بإحدى الزهريات الرخامية الضخمة.

همس:

“مستحيل…”

رفعت مساعدته الخاصة رأسها من الجهاز اللوحي.

وقالت باستغراب:

“أستاذ سيف؟”

لكنه لم يسمعها.

اختفى كل شيء حوله.

المحال الفاخرة.

الموسيقى.

الأضواء.

الناس.

كل شيء تلاشى.

ولم يبقَ سوى حقيقة واحدة.

ليلى احتفظت بالأطفال.

لا…

احتفظت بابنيه.

قبل خمس سنوات…

دخلت ليلى مكتبه الخاص وهي ترتجف.

وضعت اختبار حمل فوق الطاولة.

وقالت بصوت خافت:

“أنا حامل.”

حتى هذه اللحظة ما زال يتذكر ملامحها.

الخوف في عينيها.

ارتجاف أصابعها.

ونظرتها التي كانت تبحث عن الأمان.

لكنه لم يمنحها الأمان.

بل منحها ظرفًا.

داخل الظرف كان هناك شيك بمبلغ ضخم.

ورقم طبيب خاص.

وموعد في إحدى العيادات.

وحل سريع للمشكلة.

أقنع نفسه وقتها أنه يفعل الصواب.

كان في بداية بناء إمبراطوريته التجارية.

وكانت والدته تكرر يوميًا:

“أي فضيحة دلوقتي هتدمر كل اللي بنيته.”

فخاف.

واختار المال بدل الحب.

والخوف بدل المسؤولية.

نظرت ليلى إلى الظرف طويلًا.

ثم رفعت رأسها نحوه.

وقالت الجملة التي لم تغادر ذاكرته يومًا:

“أنت ما كشفتش شخصيتك النهارده يا سيف… أنت كشفت حقيقتك.”

ثم غادرت.

واختفت.

تمامًا.

بحث عنها في البداية.

لأيام.

ثم لأسابيع.

لكن والدته أكدت له أن ليلى سافرت للخارج بعد أن أنهت الحمل.

وأخبرته أنها لا تريد رؤيته مرة أخرى.

ومع الوقت…

صدق الكذبة.

أو ربما أراد تصديقها.

أما الآن…

فالحقيقة كانت تقف أمامه.

تمشي على قدمين صغيرتين.

وتحمل ملامحه بالكامل.

انحنت ليلى لتربط حذاء أحد الطفلين.

بينما مال الآخر على كتفها وهمس بشيء جعلها تضحك.

تلك الضحكة وحدها مزقت قلبه.

كم افتقدها.

كم حاول نسيانها.

وكم فشل.

ثم وقفت.

ورأته.

اختفت الابتسامة فورًا.

استقامت وقفتها.

وشدت يدي الطفلين بقوة.

وثبتت عيناها عليه.

لم تبدُ مصدومة.

بل بدت كمن رأى شبحًا من ماضٍ دفنه منذ سنوات.

قال بصوت مبحوح:

“ليلى…”

خرج اسمها ضعيفًا.

محطمًا.

نظر الطفلان إليه.

وسأل أحدهما:

“ماما… تعرفي الراجل ده؟”

ظلت ليلى تنظر إلى سيف.

ثم قالت بهدوء:

“لا.

شخص مش مهم.”

شعر وكأن سك*ينًا انغرز في صدره.

استدارت لتغادر.

لكنه تحرك خلفها.

“استني.”

توقفت.

دون أن تلتفت.

سأل بصوت مرتجف:

“هما ولادي؟”

ساد الصمت.

الناس تمر من حولهما.

والعالم مستمر كأنه لم يتوقف.

لكن بالنسبة لسيف…

كان الزمن كله متجمدًا.

التفتت ليلى ببطء.

وكانت نظرتها أبرد من الشتاء.

ثم قالت:

“لا.”

وسكتت لحظة.

قبل أن تضيف:

“هما ولادي أنا.”

قطب أحد الطفلين حاجبيه.

وقال:

“ماما… ليه بيبص علينا كده؟”

ابتلع سيف ريقه بصعوبة.

وقال بصوت مكسور:

“عشان… ما كنتش أعرف.”

ضحكت ليلى ضحكة قصيرة خالية من أي دفء.

وقالت:

“إنت ما سألتش أصلًا.”

كانت كلمات بسيطة.

لكنها سقطت عليه كالصاعقة.

نظر إلى الطفلين مرة أخرى.

أحدهما يحمل حقيبة عليها ديناصور صغير.

والآخر يمسك كتاب قصص جديد.

طفلان حقيقيان.

كبُرا بعيدًا عنه.

تعلمّا الكلام.

والمشي.

والضحك.

والحلم.

من دون أن يكون موجودًا.

ومن دون أن يعرفا حتى اسمه.

شعر لأول مرة منذ سنوات أن كل الأموال التي يملكها لا تساوي شيئًا.

قال بصوت خافت:

“ليلى… أرجوكي.”

لكنها لم ترد.

فقط نظرت إليه.

وتلك النظرة قالت كل شيء.

هي لم تأتِ لتسامحه.

ولم تأتِ لتشرح له ما حدث.

وبالتأكيد لم تأتِ لتمنحه فرصة ثانية.

لكن ما لم يكن سيف يعرفه…

أن ليلى لم تختفِ بإرادتها.

وأن شخصًا واحدًا دفع ملايين الجنيهات حتى تبقى بعيدة عنه.

شخص كان يخشى ظهور الحقيقة أكثر من أي شيء آخر.

والدته… نادية الشاذلي.

والكذبة التي أخفتها طوال خمس سنوات…

كانت على وشك الانفجار أمام الجميع.

الفصل الثاني

ظل سيف واقفًا في مكانه بعد رحيل ليلى.

كأن الأرض ابتلعته.

وكأن السنوات الخمس كلها عادت دفعة واحدة لتسحق صدره.

حتى مساعدته الخاصة، مروة، اقتربت منه بحذر.

وقالت:

“أستاذ سيف… حضرتك كويس؟”

لم يجب.

كانت عيناه ما تزالان معلقتين بالمكان الذي اختفت فيه ليلى وطفلاها.

أو بالأحرى…

ابناه.

همس أخيرًا:

“اعرفيلي كل حاجة عنها.”

ترددت مروة.

“عن مين؟”

استدار نحوها.

ولأول مرة منذ سنوات رأت في عينيه شيئًا يشبه الذعر.

قال:

“ليلى عبدالسلام.”

في الجهة الأخرى من المول…

كانت ليلى تسير بسرعة.

تمسك يدي الطفلين بقوة أكبر من المعتاد.

لاحظ آدم الأمر فورًا.

كان أكثر الطفلين ذكاءً وملاحظة.

رفع رأسه وسأل:

“ماما… مين الراجل ده؟”

أجابت دون أن تنظر إليه:

“حد من الماضي.”

تدخل أخوه عمر فورًا:

“هو زعلك؟”

ابتسمت رغماً عنها.

وربتت على شعره.

“زمان.”

توقف الطفلان عن السؤال.

لكن ليلى لم تتوقف عن التفكير.

كانت تعرف أن هذه اللحظة ستأتي يومًا ما.

القاهرة ليست كبيرة إلى هذا الحد.

وكان من المستحيل أن يظل سيف بعيدًا عن طريقها للأبد.

لكنها لم تتخيل أن يحدث الأمر هكذا.

ولا أن ترى الصدمة في عينيه بتلك الصورة.

ولا أن تشعر بذلك الألم القديم يعود فجأة.

في مساء اليوم نفسه…

كان سيف يجلس داخل مكتبه الضخم في برج الشاذلي.

أمام نافذة زجاجية تكشف القاهرة كلها.

لكن عقله لم يكن يرى شيئًا.

دخلت مروة وهي تحمل ملفًا.

وقالت:

“عرفت أوصل لبعض المعلومات.”

رفع رأسه فورًا.

“قولي.”

جلست أمامه.

وفتحت الملف.

“ليلى ما سافرتش برا مصر.”

ساد الصمت.

ثم سأل ببطء:

“إيه؟”

نظرت إليه.

“عاشت في الإسكندرية سنة تقريبًا.”

شعر سيف بأن قلبه انقبض.

“وبعدين؟”

“نقلت شغلها للقاهرة من أربع سنين.”

“يعني كانت هنا طول الوقت؟”

أومأت.

“أيوة.”

أغلق عينيه.

شعر وكأن أحدهم لكمه بقوة.

خمس سنوات.

خمس سنوات كاملة.

وكان يصدق رواية والدته.

قال بصوت منخفض:

“كملي.”

قلبت مروة صفحة أخرى.

ثم توقفت.

وتغيرت ملامحها.

“في حاجة غريبة.”

رفع رأسه.

“إيه؟”

قالت:

“في تحويلات مالية شهرية كانت بتدخل حساب ليلى أول سنة بعد اختفائها.”

قطب حاجبيه.

“من مين؟”

تنهدت.

ثم دفعت ورقة نحوه.

نظر إليها.

وتجمد.

اسم صاحب الحساب كان واضحًا.

نادية الشاذلي.

والدته.

في الوقت نفسه…

كانت نادية الشاذلي تجلس داخل فيلتها الفاخرة في الشيخ زايد.

ترتشف الشاي بهدوء.

عندما دخل أحد العاملين بسرعة.

وقال:

“مدام نادية…”

رفعت رأسها.

“خير؟”

قال الرجل بتوتر:

“الأستاذ سيف قابل الآنسة ليلى النهارده.”

سقط فنجان الشاي من يدها.

وتحطم فوق الأرضية الرخامية.

لأول مرة منذ سنوات…

اختفى اللون من وجهها.

همست:

“إزاي؟”

عاد سيف إلى منزله بعد منتصف الليل.

لكنه لم ينم.

ظل ينظر إلى كشوف الحسابات أمامه.

تحويلات شهرية.

ثم تحويلات أكبر.

ثم مبلغ ضخم جدًا.

خمسة ملايين جنيه دفعة واحدة.

وفي خانة الملاحظات…

كانت هناك جملة قصيرة.

“مقابل الالتزام بالاتفاق.”

شعر الدم يتجمد في عروقه.

اتفاق؟

أي اتفاق؟

رفع الهاتف فورًا.

واتصل بوالدته.

ردت بعد عدة رنات.

بصوت حاول أن يبدو طبيعيًا.

“مساء الخير يا حبيبي.”

قال مباشرة:

“عايز أشوفك.”

توتر صوتها.

“دلوقتي؟”

“دلوقتي.”

ثم أغلق الخط.

بعد أربعين دقيقة…

دخل قصر والدته.

كانت تنتظره في الصالون.

تحاول التماسك.

لكنه لم يمنحها الفرصة.

ألقى الملف فوق الطاولة.

وقال:

“إيه ده؟”

نظرت إلى الأوراق.

وعرفت فورًا.

انتهى الأمر.

لكنها حاولت الكذب.

“مش فاهمة.”

صرخ لأول مرة:

“بلاش!”

اهتزت أرجاء الغرفة.

حتى الخدم بالخارج توقفوا عن الحركة.

قال وهو يلهث:

“كنتِ بتدفعي لليلى ليه؟”

صمتت.

“كنتِ بتديلها ملايين ليه؟”

صمتت مرة أخرى.

ثم همست:

“عشان تبعد.”

شعر سيف وكأن الغرفة تدور.

“تبعد؟”

أومأت.

“أيوة.”

اقترب خطوة.

“تبعد عن مين؟”

قالت بصوت مرتجف:

“عنك.”

ساد الصمت.

ثم جاءت الضربة التالية.

قالت نادية:

“كنت عارفة إنها حامل.”

تجمد.

اختفى الهواء من رئتيه.

حتى قلبه نسي كيف ينبض.

ثم سمعها تكمل:

“وعرفت إنها حامل بتوأم.”

نظر إليها غير مصدق.

وقالت:

“وكنت عارفة إنهم ولادك.”

سقط سيف جالسًا على أقرب مقعد.

وجهه شاحب.

وعيناه متسعتان من الصدمة.

أما نادية…

فكانت تعرف أن الكابوس الحقيقي لم يبدأ بعد.

لأن هناك سرًا أكبر بكثير لم تعترف به بعد.

سر لو خرج للنور…

فلن يدمر علاقتها بابنها فقط.

بل سيهدد إمبراطورية الشاذلي كلها.

يتبع…الفصل الثالث

ظل الصمت يسيطر على الغرفة لثوانٍ طويلة.

لكن بالنسبة لسيف…

بدت تلك الثواني كأنها سنوات.

كان ينظر إلى والدته وكأنه يراها لأول مرة.

المرأة التي ربته.

المرأة التي كان يثق بها أكثر من أي شخص آخر.

كانت تجلس أمامه الآن وتعترف بأنها أخفت عنه أبناءه خمس سنوات كاملة.

قال أخيرًا بصوت أجش:

“إنتِ كنتِ عارفة؟”

أطرقت نادية رأسها.

“أيوة.”

“من أول يوم؟”

“أيوة.”

ارتجفت يده فوق ذراع المقعد.

“ومن أول يوم وإنتِ سايباني أصدق إنها سافرت؟”

لم ترد.

فصرخ:

“ردي!”

رفعت رأسها بسرعة.

وقالت:

“كنت بحميك.”

ضحك.

ضحكة قصيرة مريرة.

ثم وقف فجأة.

“تحميني؟”

أشار نحوها بعصبية.

“من ولادي؟”

قالت بسرعة:

“من الفضيحة.”

“فضيحة؟”

“وقتها الشركة كانت بتدخل أكبر صفقة في تاريخها.”

“وأنا مالي؟”

“كنت هتخسر كل حاجة.”

اقترب منها خطوة.

وعيناه تشتعلان غضبًا.

“وأنا خسرت إيه دلوقتي؟”

سكتت.

فأكمل:

“خسرت خمس سنين من عمر ولادي.”

في صباح اليوم التالي…

لم يذهب سيف إلى الشركة.

لأول مرة منذ سنوات.

ظل داخل مكتبه الخاص في المنزل.

وأمامه صورة قديمة.

صورة لليلى.

التقطها بنفسه يوم كانت تعمل في قسم التصميم داخل إحدى شركاته.

كانت تضحك.

وتحاول إخفاء وجهها من الكاميرا.

جلس يتأملها طويلًا.

ثم تذكر شيئًا.

فتح درجًا قديمًا.

وأخرج صندوقًا صغيرًا.

كان يحتوي على كل ما تبقى منها.

بطاقة تهنئة.

صورة.

رسالة قصيرة كتبتها بخط يدها.

وإيصال تحويل بنكي قديم.

توقف فجأة.

نظر إلى التاريخ.

ثم إلى المبلغ.

كان آخر مبلغ أرسله لها قبل اختفائها.

ولم يُصرف أبدًا.

ظل يحدق في الورقة.

ثم همس:

“يعني حتى فلوسي ما أخدتهاش.”

بدأت صورة جديدة تتكون داخل عقله.

صورة مختلفة تمامًا عن القصة التي صدقها سنوات.

في نفس الوقت…

كانت ليلى داخل مكتبها.

تراجع بعض التصاميم الهندسية مع فريقها.

عندما دخلت صديقتها المقربة هبة.

وأغلقت الباب.

قالت فورًا:

“شفتيه؟”

رفعت ليلى رأسها.

“أيوة.”

“وعمل إيه؟”

تنهدت.

“اتصدم.”

جلست هبة أمامها.

ثم سألت بهدوء:

“وإنتِ؟”

سكتت ليلى لحظة.

ثم قالت:

“افتكرت كل حاجة.”

قبل خمس سنوات…

كانت تقف أمام باب شقة صغيرة بالإسكندرية.

في شهرها السابع.

وبطنها المنتفخ بالكاد يسمح لها بالحركة.

حينها وصلت سيارة سوداء فاخرة.

ونزلت منها نادية الشاذلي.

تذكرت ليلى ذلك اليوم جيدًا.

جيدًا جدًا.

دخلت نادية وجلست أمامها.

ثم وضعت حقيبة جلدية فوق الطاولة.

وقالت:

“جواها عشرة ملايين جنيه.”

صمتت ليلى.

وأضافت نادية:

“خديهم وامشي.”

سألتها:

“وامشي فين؟”

قالت ببرود:

“أي مكان.”

“وسيف؟”

أجابت:

“انسِيه.”

ما زالت ليلى تتذكر تلك اللحظة.

والدموع التي ملأت عينيها.

ثم السؤال الذي طرحته.

“هو عارف إني حامل؟”

وهنا…

كذبت نادية.

قالت:

“أيوة.”

شعرت ليلى وقتها وكأن العالم انهار.

ثم أضافت نادية:

“وسيف بنفسه طلب مني أجي.”

ذلك كان أكبر كذب في القصة كلها.

عادت ليلى للحاضر.

وأغلقت عينيها.

همست:

“هي قالتلي إنه عارف.”

شهقت هبة.

رغم أنها سمعت القصة من قبل.

إلا أن التفاصيل كانت ما تزال صادمة.

قالت:

“يعني هو فعلًا ما كانش يعرف؟”

هزت ليلى رأسها.

“واضح إنه ما كانش يعرف.”

ثم أضافت بمرارة:

“بس ده ما يغيرش إنه سلمني ظرف الإجهاض بنفسه.”

في تلك اللحظة…

داخل قصر الشاذلي…

كان سيف يفتح خزنة قديمة تخص والده الراحل.

لم يكن يعرف لماذا فعل ذلك.

لكن شيئًا ما دفعه للبحث.

وبين عشرات الملفات…

وجد ملفًا صغيرًا.

مكتوبًا عليه بخط والده:

“يُفتح عند الضرورة.”

فتح الملف.

وبدأ يقرأ.

وبعد دقيقة واحدة فقط…

شحب وجهه بالكامل.

لأن الملف لم يكن يتحدث عن الأعمال.

ولا عن الشركات.

ولا عن الثروة.

بل عن نادية الشاذلي.

وعن ديون سرية ضخمة أخفتها سنوات.

ديون تجاوزت…

مائة مليون جنيه.

ديون كادت تفلس العائلة كلها قبل ست سنوات.

والأسوأ من ذلك…

أن والده كتب جملة أخيرة في آخر الصفحة:

“إذا ظهر هذا الملف يومًا، فاعلم أن نادية قد تضحي بأي شخص لحماية أسرارها.”

شعر سيف بقبضة باردة تعتصر قلبه.

لأن التاريخ المكتوب أسفل الجملة…

كان قبل أشهر قليلة فقط من اختفاء ليلى.

وهنا بدأ يدرك شيئًا مرعبًا.

ربما لم يكن إبعاد ليلى متعلقًا بالفضيحة فقط.

وربما…

كانت والدته تخفي سببًا أكبر بكثير.

سببًا تصل قيمته إلى أكثر من مائة مليون جنيه.

وسرًا لو عرفته الصحافة…

قد يهدم اسم الشاذلي كله في يوم واحد.

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *