في سن الـ67، سافرت لأول مرة في حياتي... وهناك وقعت في الحب من جديد. لكن في آخر ليلة، خرج من العشاء بهدوء، فقررت أمشي وراه... واللي سمعته بعدها غيّر كل حاجة. الجزء الأول طول عمري... كنت باختار الطريق الآمن. عمري ما سافرت بره بلدي. وعمري ما قلت "أيوه" لحاجة إلا بعد ألف حساب. وبعد وفاة جوزي... حياتي بقت أصغر يوم بعد يوم. لحد ما بنتي بصتلي في يوم وقالت: — يا ماما... إمتى آخر مرة عملتي حاجة علشان تبسطي نفسك؟ سكت. لأني فعلًا... ماكنتش فاكرة. في نفس الليلة، فتحت اللاب، وحجزت أول رحلة في حياتي. وقلت لنفسي: من النهارده... هقول "أيوه" للحياة. أيوه لأكل جديد. أيوه لرحلة بحر. أيوه للكلام مع ناس معرفهمش. وأيوه لأي فرصة تخليني أحس إني عايشة. وفي اليوم التاني من الرحلة... وأنا تايهة في الشوارع القديمة وماسكة الخريطة بالعافية... سمعت صوت راجل بيضحك. قال: — أول مرة تيجي هنا؟ رفعت راسي. كان راجل في أوائل السبعينات. وشه كله راحة... وعينيه فيها دفء غريب. ابتسم وقال: — واضح من الخريطة إنك تايهة. ضحكت. ومن اللحظة دي... بقينا نقضي أغلب الوقت سوا. كان بيحكيلي عن السفر... وأنا بحكيله عن حياتي. كان يعرف يخلي أبسط لحظة... تحس إنها مغامرة. ولأول مرة من سنين... ضحكت من قلبي. لما قربت الرحلة تخلص... اكتشفت إني مش عايزة أمشي. ولا عايزة أودعه. وفي آخر ليلة... قالي: — هنعشي في مطعم صغير على المينا... نفسي الليلة دي تفضل في ذاكرتك. وافقت فورًا. وصلنا المطعم. وقعدنا نضحك ونتكلم. لكن فجأة قال: — استأذن دقيقة... هرجع حالًا. ابتسمت وأنا هزيت راسي. عدت عشر دقايق... بعدين عشرين... وما رجعش. قلقت. قمت أدور عليه. لفيت حوالين المطعم... لحد ما وصلت للممر اللي ورا المطبخ. وفجأة... سمعت صوته. كان واقف في جنينة صغيرة خلف المطعم. لكن... ماكانش لوحده. وقفت من غير صوت. وقربت خطوة واحدة بس... علشان أسمع بيقول إيه. واللي سمعته بعدها... خلاني أتمنى إني ما سافرتش أصلًا. الحكاية لسه ما خلصتش... 📖🔥لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد @أبرز المعجبين الجزء الثاني ثبتُّ نفسي مكانى. ما كنتش عايزة أصدق إني بتجسس على راجل عرفته من أيام قليلة. لكن إحساسًا غريبًا كان بيشدني أعرف الحقيقة. سمعت صوته واضح وهو بيقول: — لا... هي لسه ما تعرفش أي حاجة. رد عليه صوت ست كبيرة في السن: — لازم تقول لها الليلة... قبل ما تسافر. قلبي انقبض. مين الست دي؟ وليه بيتكلموا عني؟ قربت أكتر بحذر. كانت سيدة شعرها أبيض، قاعدة على كرسي خشب صغير، وبتبصله بقلق. قالت: — لو سافرت وهي مش عارفة، يمكن عمرها ما ترجع تاني. رد وهو ماسك رأسه بين إيديه: — أنا خايف. خايف؟ من إيه؟ دي أول مرة أشوف الراجل الهادي ده متوتر بالشكل ده. فجأة السيدة قالت: — عمرك كله وإنت بتأجل... وخسرت بسبب التأجيل. دلوقتي عندك فرصة أخيرة. تنهد طويلًا، وقال: — أنا مش مستعد أخسرها هي كمان. الكلمات لامست قلبي. لكنها زودت حيرتي. كنت على وشك أطلع وأسأله مباشرة... وفجأة رن موبايله. بص للشاشة، واتغيرت ملامحه. قال بسرعة: — لازم أمشي دلوقتي. قامت الست، وربتت على كتفه. — افتكر... الحقيقة مهما كانت مؤلمة، أهون من الكذب. فضلت مستخبية لحد ما الاتنين مشيوا. ولما خرجت من ورا الأشجار، لقيت على الترابيزة الصغيرة ظرف أبيض. واضح إنه وقع منهم. وقفت محتارة. أسيبه؟ ولا آخده؟ في الآخر مسكته. كان مكتوب عليه بخط واضح: "يفتح بمعرفتها فقط." اتجمدت. يعني الظرف ده كان ليا. رجعت أوضتي في الفندق وأنا إيدي بتترعش. فضلت أبص للظرف أكتر من نص ساعة. وفي الآخر... فتحته. كان جواه صورة قديمة جدًا. صورة ليا... وأنا عندي حوالي عشرين سنة. لكن الغريب... إني ما كنتش لوحدي. كان واقف جنبي شاب بيبتسم. عرفته فورًا. كان هو... لكن أصغر بخمسين سنة تقريبًا. اتسعت عيني. إزاي؟ إحنا اتقابلنا من يومين بس! قلبت الصورة. لقيت مكتوب وراها: "أول يوم وعدتِ فيه إنك هترجعي... سنة 1979." وقعت الصورة من إيدي. أنا... عمري ما جيت البلد دي قبل كده. ولا أعرف الراجل ده من زمان. يبقى الصورة دي إيه؟ وليه فيها اسمي؟ وفي اللحظة دي... سمعت خبط هادئ على باب أوضة الفندق. عرفت صوته قبل حتى ما يتكلم. قال من بره الباب: — عارف إنك فتحتي الظرف... ولو سمحتي، اديني فرصة أشرح قبل ما تحكمي عليا. وقفت مكاني... وأول مرة من بداية الرحلة... خفت أفتح الباب. الجزء الثالث وقفت قدام الباب... إيدي على المقبض... وعقلي بيصرخ: "ما تفتحيش." لكن قلبي كان عايز إجابة. فتحت الباب بهدوء. كان واقف قدامي... ملامحه مرهقة، وعينيه حمرا كأنه ما نامش من يومين. بص للصورة اللي في إيدي، وتنهد. — كنت عارف إنك هتفتحي الظرف. قلت ببرود: — خمس دقايق... وبعدها لو ما فهمتش كل حاجة، هطلب أمن الفندق. هز رأسه بالموافقة. دخل وقعد على الكرسي، لكنه فضل ساكت كام ثانية. بعدها قال: — إنتِ فعلًا مش فاكراني؟ هززت راسي بالنفي. ابتسم ابتسامة حزينة. — كنت متوقع. مد إيده في جيب المعطف، وطلع محفظة جلد قديمة. فتحها بحرص، وأخرج منها جواب أصفر أكل الزمن أطرافه. ناولني الجواب. كان مكتوب عليه بخط إيدي. اتجمدت. فتحت الجواب. وفعلًا... كان خطي. لكن التاريخ... من أكتر من خمسة وأربعين سنة. بدأت أقرأ: "لو الظروف فرقتنا، أو لو الأيام لعبت بينا، يمكن العمر يجمعنا في مكان تاني... ولو قابلتك بعد سنين وماعرفتنيش، فكرني بالبحر والوعد اللي اتقال وقت الغروب." وقعت الورقة من إيدي. أنا كتبت الكلام ده فعلًا... لكن كنت نسيته تمامًا. بصيت له بدهشة. — إزاي؟ ابتسم بحزن. — لأنك كتبتيه قبل ما يحصل الحادث. سكت. وحسيت إن أنفاسي بتتقطع. كمل كلامه: — وإنتِ عندك اتنين وعشرين سنة، جيتي هنا مع بعثة جامعية لمدة أسبوع. اتقابلنا صدفة. وقضينا مع بعض ست أيام. ست أيام بس... لكن وقعنا في حب بعض بجنون. وفي آخر يوم، وعدتيني إنك هترجعي بعد سنة. ورجعتي فعلًا... لكن العربية اللي كنتِ راكباها عملت حادث. عيلتك أخدتك ورجعوا بيكي بلدك. قعدتي شهور في المستشفى. ولما فوقتي... الدكتور قال إنك فقدتي جزء من ذاكرتك بسبب إصابة قوية في الرأس. كل الذكريات المرتبطة بالسفر... اختفت. افتكرت كلام أمي الله يرحمها... كانت دايمًا تقول إن عندي حادثة قديمة، لكن محدش كان بيحب يحكي تفاصيلها. عمري ما سألت. كنت فاكرة إنها صفحة واتقفلت. سألته وأنا دموعي بتنزل: — وإنت؟ قال بابتسامة مكسورة: — فضلت أستناكي. سنة... واتنين... وعشرة. كل ما تيجي طيارة من بلدك، أروح المطار. كل ما أشوف واحدة شبهك، أجري وراها. كتبت عشرات الخطابات. ولا واحد وصل. وبعد سنين... عرفت إنك اتجوزتي. ابتسمت رغم الوجع. قلت: — ليه ما حاولتش تكلمني؟ رد بهدوء: — لأني حبيتك بجد. ولما عرفت إنك بقيتي زوجة وأم... احترمت حياتك. قررت أفضل بعيد. لكن بعد وفاة جوزك بسنتين... شفت صورتك بالصدفة في إعلان عن رحلة سياحية. أول ما شفت اسمك... عرفت إنها إنتِ. ساعتها حسيت إن القدر إداني آخر فرصة. فضلت ساكتة. كل كلمة كان بيقولها كانت بترجع جوايا إحساس غريب... مش ذكرى واضحة... لكن إحساس بالأمان. وفجأة... رن موبايله. بص للشاشة، واتغير وشه. قفل المكالمة بسرعة. سألته: — مين؟ اتردد للحظة... وقال: — الشخص اللي كنت مستخبي منه طول السنين دي... وأخيرًا عرف مكاني. وقبل ما أسأله يقصد مين... سمعنا صوت ارتطام قوي بباب الغرفة... وصوت رجل بيصرخ من الخارج: — افتح يا "يوسف"... المرة دي مش هتهرب! الجزء الرابع اتجمد الدم في عروقي. بصيت له بسرعة. هو كان واقف، لكن ملامحه اتغيرت تمامًا. مش ملامح راجل خايف... ملامح راجل كان مستني اللحظة دي من زمان. خبطات الباب زادت. — افتح! عارفين إنك جوه! بصلي وقال بهدوء غريب: — أوعي تفتحي الباب... مهما حصل. قبل ما أرد... لف بسرعة ناحية البلكونة، وبص تحت. الدور التالت. مفيش أي طريق للهروب. رجع بصلي تاني. — لازم تعرفي الحقيقة كلها... دلوقتي. صرخت فيه: — الحقيقة إيه؟! مين الناس دي؟ أخذ نفسًا عميقًا وقال: — دي مش عصابة... ولا مجرمين. دول أولاد أخويا. عقدت حاجبي. — أولاد أخوك؟! هز رأسه. — بعد ما سافرت سنين، حصل خلاف كبير على ميراث العيلة. أنا تنازلت عن كل حاجة ومشيت، لكن من سنة وصلني خبر إن في أرض باسم والدي اتباعت بتزوير، واتكتب اسمي على أوراق أنا ما مضتش عليها. الخبط استمر. — افتح يا يوسف! كمل كلامه بسرعة: — لما بدأت أطالب بحقي، افتكروا إني هبلغ عنهم، فبقوا يراقبوني في كل مكان. سألته: — وإيه علاقتي أنا بكل ده؟ ابتسم ابتسامة حزينة. — لأنهم شافونا مع بعض. ولو عرفوا إنك مجرد ست عرفتها من كام يوم... مش هيصدقوا. هيفتكروا إني نقلتلك مستندات أو أوراق. في اللحظة دي... رن جرس أوضة الفندق. وبعدها مباشرة سمعنا صوت موظف الاستقبال. — يا فندم... لو سمحت افتح. في ضيوف بيسألوا عليك. همس يوسف: — الموظف ميعرفش حاجة... هما قالوله إنهم قرايبي. بصيت حواليّا. على الترابيزة كان الظرف الأبيض لسه مفتوح. والصورة القديمة فوقه. والجواب اللي كتبته بإيدي من عشرات السنين. سألته بصوت منخفض: — لو خرجنا من هنا... هتعمل إيه؟ رد من غير تردد: — هسلم نفسي للشرطة، وأقول كل اللي أعرفه. استغربت. — بسهولة كده؟ قال: — تعبت من الهروب. أنا جيت الرحلة دي علشان أشوفك مرة أخيرة... وأقولك إنك كنتِ أجمل حاجة حصلت في حياتي. ولو بعدها دخلت السجن أو حتى مت... هكون مرتاح. الكلمات دي هزت قلبي. لأول مرة حسيت إن الراجل ده ماكانش بيجري من حد... كان بيجري من ماضيه. وفجأة... رن هاتفي أنا. الرقم كان غريب. رديت بتردد. جالي صوت بنت شابة بتعيط. — حضرتك... مع الأستاذة...؟ — أيوه. قالت وهي بتشهق: — أرجوكي... متسيبيش بابا لوحده. اتجمدت. بصيت ليوسف. كان هو كمان مصدوم. سألتها: — بابا؟! قالت: — أنا بنته... وإحنا بندور عليه من شهور. هو اختفى بعد ما عرف إنه مريض، ورفض يرجع البيت. إحنا مش عايزين فلوس... ولا ميراث... إحنا بس عايزينه يعيش اللي باقي من عمره وسط ولاده وأحفاده. نظرت إليه. عيناه امتلأتا بالدموع لأول مرة. واضح أن الحقيقة... كانت مختلفة تمامًا عما تخيلته. يتيع