المربيه الخطا حكايات اسما ×3

الفصل الخامس: السر اللي دفنوه مع شهادة الوفاة

 

تجمدت ليلى مكانها.

 

بصت للست العجوز بعدم تصديق.

 

وقالت بسرعة:

 

“حضرتك تقصدي إيه؟”

 

مسحت الست دموعها بطرف المنديل.

 

وقالت بصوت ضعيف:

 

“اقعدي… الحكاية طويلة.”

 

قعدت ليلى قدامها وهي حاسة إن قلبها بيدق بعنف.

 

“أنا اسمي ماريا.”

 

“اشتغلت ممرضة توليد أكتر من تلاتين سنة.”

 

“وفي الليلة اللي اتولدت فيها صوفي…”

 

سكتت لحظة.

 

ثم كملت:

 

“أنا كنت موجودة.”

 

—

 

في نفس الوقت…

 

كان سليم داخل أوضة صوفي.

 

البنت كانت بدأت تضحك وهي بترسم أرنب صغير مع الممرضات.

 

ابتسم.

 

وقرب منها.

 

لأول مرة من شهور…

 

حس إن بنته رجعت طفلة.

 

لكن تليفونه رن.

 

مدير الأمن.

 

رد بسرعة.

 

“خير؟”

 

قال الرجل:

 

“يا فندم… فيه خبر عاجل.”

 

“إيه؟”

 

“رنا اختفت.”

 

عقد سليم حاجبيه.

 

“اختفت؟”

 

“خرجت من الفندق من ساعة.”

 

“وسابت كل حاجتها.”

 

“ولا حد يعرف راحت فين.”

 

سكت سليم.

 

ثم قال:

 

“اقفلوا كل المطارات.”

 

“وكل الموانئ.”

 

“محدش يخرج من أوروبا قبل ما نعرف هي فين.”

 

—

 

رجعت الكاميرا للممر.

 

ماريا بدأت تحكي.

 

“أم صوفي كانت ست محترمة.”

 

“وكانت بتحب جوزها بجنون.”

 

ابتسمت ليلى.

 

“وسليم؟”

 

هزت ماريا رأسها.

 

“كان بيعشقها.”

 

“كل المستشفى كانت شايفة ده.”

 

“فضل ماسك إيدها من أول الولادة لحد آخر دقيقة.”

 

سكتت.

 

ثم قالت:

 

“لكن قبل ما تموت بخمس دقايق…”

 

قالت جملة غريبة.”

 

سألتها ليلى بسرعة:

 

“قالت إيه؟”

 

ابتلعت ماريا ريقها.

 

“قالت…”

 

“لو حصلي حاجة… ما تسيبوش رنا تقرب من بنتي.”

 

اتسعت عينا ليلى.

 

“رنا؟”

 

“أيوه.”

 

“كانت صاحبتها.”

 

“وأقرب واحدة ليها.”

 

“لكن أم صوفي كانت خايفة منها بشكل غريب.”

 

—

 

ليلى قامت واقفة.

 

“حضرتك بلغتي سليم بالكلام ده؟”

 

نزلت ماريا رأسها.

 

“حاولت.”

 

“لكن بعدها بيوم…”

 

“إدارة المستشفى قالتلي إن الملف اتقفل.”

 

“واتنقلت أشتغل في فرع تاني.”

 

“وبعدين تقاعدت.”

 

“ولما حاولت أوصل له…”

 

“ماكنتش بعرف.”

 

—

 

في اللحظة دي…

 

دخل سليم الممر.

 

كان راجع من أوضة صوفي.

 

شاف ليلى قاعدة مع الست.

 

ابتسم بأدب.

 

لكن أول ما ماريا رفعت عينيها وشافته…

 

بدأت تبكي.

 

وقف مستغرب.

 

“حضرتك تعرفيني؟”

 

قالت وهي بتمسح دموعها:

 

“أنا آسفة.”

 

“سامحني.”

 

عقد حاجبيه.

 

“على إيه؟”

 

همست:

 

“لأني سكت.”

 

حس سليم إن فيه حاجة مش طبيعية.

 

قرب منها.

 

وقعد على ركبته قدام الكرسي المتحرك.

 

وقال بهدوء:

 

“احكيلي.”

 

بصت له ماريا طويلًا.

 

ثم قالت:

 

“مراتك ما ماتتش وهي مطمنة.”

 

“آخر حاجة قالتها…”

 

“كانت تحذير.”

 

وسكتت.

 

قلب سليم بدأ يدق بعنف.

 

“تحذير من مين؟”

 

قالت:

 

“من رنا.”

 

اتجمد.

 

“إيه؟”

 

“قالتلي بالحرف…”

 

“لو أنا مت… أوعى تخلي رنا تربي بنتي.”

 

وقع الصمت.

 

ثوانٍ طويلة.

 

كان صوت أجهزة المستشفى هو الوحيد اللي بيتسمع.

 

سليم افتكر كل حاجة.

 

افتكر إصرار رنا إنها تدخل حياته بعد وفاة زوجته بشهور.

 

افتكر إنها كانت دايمًا تقول:

 

“أنا الوحيدة اللي هتعرف تربي صوفي.”

 

وافتكر إنها كانت بتضغط عليه عشان يتجوزها بسرعة.

 

بدأت الصورة تكتمل قدامه.

 

لكن كان لسه ناقص أهم سؤال.

 

ليه؟

 

—

 

قطع الصمت رنين هاتف مدير الأمن مرة تانية.

 

رد سليم.

 

وجاله صوت الرجل وهو بيجري:

 

“يا فندم…”

 

“لقينا عربية رنا.”

 

“فين؟”

 

“قدام مخزن قديم خارج روما.”

 

“لكن العربية فاضية.”

 

وقبل ما سليم يرد…

 

سمعوا صوت انفجار ضخم من خلال الهاتف.

 

وبعده صرخات.

 

وانقطع الاتصال فجأة.

 

نظر سليم إلى شاشة الهاتف المظلمة.

 

ثم رفع رأسه ببطء.

 

وقال بصوت منخفض:

 

“اللعبة بدأت…”

 

وفي اللحظة نفسها…

 

وصلت رسالة جديدة إلى هاتفه من رقم مجهول.

 

فتحها.

 

وكان فيها صورة واحدة فقط.

 

صوفي…

 

نايمة في سرير المستشفى.

 

الصورة ملتقطة قبل ثوانٍ.

 

ومن زاوية داخل الغرفة.

 

وتحتها جملة قصيرة هزت كيانه:

 

“إحنا أقرب ليها منك.”

الفصل السادس: العيون اللي كانت جوه المستشفى

 

اتجمد سليم وهو بيبص للصورة.

 

الصورة كانت جديدة.

 

واضح جدًا إنها اتصورت من داخل أوضة صوفي.

 

يعني…

 

اللي بيهدده موجود في المستشفى.

 

دلوقتي.

 

رفع عينه ببطء ناحية ليلى.

 

ماقالش أي حاجة.

 

لكن هي فهمت من نظرة عينيه.

 

في حد بيراقبهم.

 

من جوه.

 

مدير الأمن البديل كان واقف على بعد خطوات.

 

سليم قرب منه بهدوء، من غير ما يلفت نظر أي حد.

 

وراه الموبايل.

 

الرجل اتغير لون وشه.

 

همس:

 

“هقفل المستشفى كلها.”

 

هز سليم رأسه.

 

“لأ.”

 

“ليه يا فندم؟”

 

“لأن اللي بيلعب اللعبة دي ذكي.”

 

“أول ما يحس إننا كشفناه… هيختفي.”

 

ثم أضاف:

 

“خلّي كل حاجة طبيعية.”

 

“بس بدّل أفراد الحراسة كلهم.”

 

“من غير ما يعرفوا السبب.”

 

—

 

في نفس الوقت…

 

كانت ليلى راجعة لأوضة صوفي.

 

وقبل ما تفتح الباب…

 

سمعت صوت خفيف.

 

صوت لعبة موسيقية.

 

استغربت.

 

هي خرجت من الأوضة من دقيقتين بس.

 

دخلت بسرعة.

 

لقت صوفي مبتسمة.

 

وفي حضنها…

 

عروسة جديدة.

 

أرنب أبيض كبير.

 

وقلبه أحمر.

 

ليلى عقدت حاجبيها.

 

“مين جابه؟”

 

صوفي قالت ببراءة:

 

“طنط الجميلة.”

 

“أنهي طنط؟”

 

أشارت ناحية الباب.

 

“اللي كانت لابسة أبيض.”

 

ليلى خرجت بسرعة.

 

الممر كان فاضي.

 

ولا ممرضة معدية.

 

رجعت للأرنب.

 

كان مربوط في رقبته كارت صغير.

 

فتحت الكارت.

 

وكان مكتوب بخط أنيق:

 

“للأم الجديدة.”

 

برد جسمها كله.

 

هي عمرها ما قالت لحد إن صوفي نادتها “ماما”.

 

مين عرف؟

 

—

 

في غرفة المراقبة…

 

كان أفراد الأمن بيراجعوا تسجيلات الكاميرات.

 

لكن الغريب…

 

إن الكاميرا اللي قدام أوضة صوفي فقدت الصورة لمدة أربع دقائق.

 

رجعت بعدها تشتغل طبيعي.

 

مدير الأمن ضرب المكتب بإيده.

 

“مستحيل.”

 

“الكاميرات دي ليها مصدر كهرباء مستقل.”

 

الفني قال:

 

“وده اللي محيرنا.”

 

“حد عطّلها من النظام نفسه.”

 

—

 

سليم دخل الأوضة.

 

ليلى ورّته الكارت.

 

قرأ الجملة.

 

ملامحه ازدادت قسوة.

 

ثم أخد الأرنب من إيد صوفي برفق.

 

بدأ يقلبه.

 

وفجأة…

 

وقف.

 

حس بحاجة صلبة جوه اللعبة.

 

قطع جزءًا صغيرًا من الخياطة بمقص طبي.

 

طلع جسم معدني صغير.

 

مدير الأمن قرب بسرعة.

 

“ده إيه؟”

 

الفني أخده.

 

وبعد ثوانٍ قال:

 

“جهاز تتبع.”

 

ليلى شهقت.

 

“يعني كانوا عارفين مكانها طول الوقت؟”

 

هز الرجل رأسه.

 

“وأي حد معاه جهاز استقبال…”

 

“يقدر يعرف هي فين بالمتر.”

 

سليم بص ناحية السقف.

 

وقال بهدوء مرعب:

 

“يبقى هدفهم ماكانش يق*تلوها في الطيارة.”

 

“كانوا عايزين يعرفوا هنوصل بيها فين.”

 

—

 

بعد ساعة…

 

وصل فريق تقني متخصص.

 

فحصوا الأوضة بالكامل.

 

لقوا جهاز تنصت صغير جدًا.

 

متثبت تحت الترابيزة الجانبية.

 

الدكتور المسؤول اتصدم.

 

“إزاي ده دخل هنا؟”

 

مدير الأمن رد:

 

“لأن اللي زرعه…”

 

“عنده تصريح دخول.”

 

كل الموجودين بصوا لبعض.

 

الشك بدأ يلف حوالين كل العاملين.

 

—

 

ليلًا…

 

صوفي نامت أخيرًا.

 

كانت ماسكة إيد ليلى بقوة.

 

كل ما ليلى تحاول تقوم…

 

تصحى الصغيرة وهي مرعوبة.

 

سليم كان واقف عند الشباك.

 

باصص لأضواء المدينة.

 

قال من غير ما يلف:

 

“ليه وافقتي تفضلي؟”

 

ابتسمت ليلى بتعب.

 

“ما وافقتش.”

 

لف ناحيتها باستغراب.

 

كملت:

 

“أنا معرفتش أسيب طفلة خايفة.”

 

سكت.

 

ثم قال:

 

“إنتِ عارفة إن وجودك معانا بقى خطر؟”

 

ابتسمت ابتسامة هادئة.

 

“عارفة.”

 

“وخايفة؟”

 

“طبعًا.”

 

“طب ليه لسه هنا؟”

 

بصت لصوفي.

 

وقالت:

 

“لأنها خايفة أكتر مني.”

 

الجملة دي خلت سليم يسكت.

 

لأول مرة من سنين…

 

يشوف حد بيختار يحمي غيره وهو عارف إنه ممكن يدفع الثمن.

 

—

 

في الثالثة فجرًا…

 

رن هاتف مدير الأمن.

 

رد بسرعة.

 

ثم جري ناحية سليم.

 

“يا فندم…”

 

“إيه؟”

 

“التحليل الجنائي خلص.”

 

“بتاع جهاز التتبع؟”

 

“لا.”

 

“بتاع بصمات الكارت اللي كان مربوط في الأرنب.”

 

اتنفس سليم ببطء.

 

“قول.”

 

قال الرجل:

 

“لقينا بصمة واضحة.”

 

“لمين؟”

 

ابتلع ريقه.

 

وقال الاسم اللي قلب الليلة كلها:

 

“البصمة مطابقة لبصمات… زوجة حضرتك.”

 

سليم اتجمد.

 

“مراتي ماتت من تلات سنين.”

 

هز مدير الأمن رأسه وهو نفسه مش مصدق.

 

“وده اللي بيخلّي التقرير مستحيل.”

 

مد له الملف.

 

قرأه بنفسه.

 

ثم أعاد قراءته مرة ثانية.

 

النتيجة كانت واحدة…

 

البصمة تخص زوجته الراحلة… نادين الحديدي.

 

رفع سليم رأسه ببطء.

 

ولأول مرة منذ وفاة زوجته…

 

دخل إلى قلبه احتمال واحد فقط…

 

ماذا لو كانت نادين لم تمت أصلًا؟

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *