توام مثالي حكايات اسما ×3
الفصل الرابع
تجمد الدم في عروقي فور سماع صوت الزجاج المتحطم.
أنا وسامر نظرنا إلى بعضنا في اللحظة نفسها.
ثم نظرنا نحو الممر المؤدي إلى غرفة المعيشة.
صوت آخر تبعه.
صوت قدم فوق شظايا الزجاج.
شخص موجود فعلًا داخل المنزل.
ولم يكن يتصرف وكأنه لص عادي.
كان يتحرك بثقة.
وكأنه يعرف المكان.
أو يعرف ما يبحث عنه.
وقفت بسرعة.
لكن سامر أمسك ذراعي فورًا.
وقال بصوت خافت:
“لا تروح.”
نظرت إليه.
فوجدت الرعب في عينيه.
رعبًا حقيقيًا.
لم أره عليه من قبل.
حتى يوم جنازة زوجتي لم يبدو بهذه الصورة.
همس:
“خليك هنا.”
لكن في اللحظة نفسها انطلقت إحدى الطفلتين بالبكاء من الغرفة.
ثم لحقتها شقيقتها.
شعرت وكأن قلبي توقف.
غرفة البنات كانت في الاتجاه نفسه الذي جاء منه صوت الاقتحام.
دفعت سامر بعيدًا دون تفكير.
وركضت.
كل ما كان يهمني في تلك اللحظة هو ابنتاي.
لا شيء آخر.
دخلت الممر.
ثم غرفة المعيشة.
كانت النافذة الكبيرة مكسورة بالكامل.
والستارة تتحرك مع هواء الليل.
لكن المكان كان فارغًا.
لا أحد.
ركضت مباشرة نحو غرفة الطفلتين.
دفعت الباب.
فوجدتهما تبكيان داخل السريرين الصغيرين.
أسرعت نحوهما.
وحملتهما.
وأخذت أتفقد الغرفة بعيني.
عندها لاحظت شيئًا غريبًا.
الدرج السفلي لخزانة زوجتي.
كان مفتوحًا.
تجمدت مكاني.
لأنني متأكد أنني أغلقته قبل ساعات.
وصل سامر خلفي.
وما إن رأى الدرج حتى تغير لون وجهه.
اقترب بسرعة.
وأخذ يفتش داخله.
ثم توقف فجأة.
وقال:
“لا.”
“لا لا لا.”
نظرت إليه.
“إيه اللي حصل؟”
رفع رأسه نحوي.
وكان شاحبًا بشكل مخيف.
وقال:
“أخدوه.”
شعرت بقشعريرة.
“أخدوا إيه؟”
بلع ريقه.
ثم قال:
“الفلاشة.”
—
بعد عشر دقائق كنا نجلس في المطبخ مرة أخرى.
لكن هذه المرة لم يعد هناك مجال للأسرار.
قلت بعصبية:
“عايز أفهم كل حاجة دلوقتي.”
تنهد سامر طويلًا.
ثم قال:
“مراتك كانت أذكى مما تتخيل.”
“وأشجع مما كنت أعرف.”
أشار نحو غرفة الطفلتين.
وأضاف:
“ولو كانت عايشة دلوقتي كانت هتزعل جدًا إني هقول الكلام ده.”
ثم بدأ يحكي.
قبل سبع سنوات.
كان سامر يعمل محاسبًا ماليًا داخل شركة ضخمة للبناء والاستثمارات.
الشركة كانت تابعة لرجل الأعمال كريم ناصر.
الرجل نفسه الموجود في الصورة القديمة.
لكن خلف الواجهات الفاخرة.
كانت هناك جرائم.
غسيل أموال.
رشاوى.
صفقات مزورة.
واختفاء ملايين الدولارات.
سامر اكتشف جزءًا من الحقيقة بالصدفة.
ثم اكتشف شيئًا أخطر.
كريم ناصر لم يكن يسرق فقط.
بل كان يمول شبكة إجرامية كاملة.
قال سامر:
“لما اكتشفت الحقيقة حاولت أجمع أدلة.”
“لكنهم عرفوا.”
“وقتها كنت خلاص انتهيت.”
ثم أشار إلى صورة زوجتي.
وأضاف:
“لحد ما ظهرت هي.”
اتسعت عيناي.
قال:
“كانت متدربة في الشركة وقتها.”
“وشافت مستندات ما كانش المفروض حد يشوفها.”
“ولما فهمت اللي بيحصل ساعدتني أجمع الأدلة.”
شعرت بالذهول.
زوجتي؟
زوجتي الهادئة التي كانت تخاف حتى من عبور الشارع وحدها؟
قال سامر وكأنه يقرأ أفكاري:
“أيوة.”
“حتى أنا ما صدقتش.”
“لكنها كانت أشجع مننا كلنا.”
ثم أكمل.
في ليلة الحريق.
كانوا ينقلون الأدلة إلى جهة رقابية سرية.
لكن شخصًا خانهم.
تم كشف العملية.
وانفجرت المخازن.
ومات عدة أشخاص.
واختفى آخرون.
ومن بينهم سامر.
ومنذ ذلك اليوم عاش باسم مختلف.
في أماكن مختلفة.
بينما احتفظت زوجتي بنسخة أخيرة من كل شيء.
داخل فلاشة صغيرة.
الفلاشة نفسها التي اختفت الليلة.
—
لم أنم تلك الليلة.
ولا سامر.
أما الطفلتان فنامتا أخيرًا قرب الفجر.
وفي السادسة صباحًا تمامًا.
رن هاتفي.
كان ريتشارد ويلسون.
أجبته فورًا.
وقبل أن أتكلم قال:
“اسمعني كويس.”
“في مشكلة.”
شعرت بأن معدتي انقبضت.
قال:
“أحدهم دخل أرشيف الشركة الليلة.”
نظرت إلى سامر.
فوجدته ينظر إلي.
وكأنه فهم كل شيء.
سألت:
“إيه اللي اتسرق؟”
ساد صمت قصير.
ثم قال ريتشارد:
“ملف زوجتك.”
شعرت ببرودة تسري في ظهري.
الفلاشة اختفت من بيتي.
والملف اختفى من الشركة.
في الليلة نفسها.
لا يمكن أن يكون هذا صدفة.
ثم جاءت الصدمة الأكبر.
قال ريتشارد:
“وفي حاجة تانية.”
“في تسجيل كاميرات.”
“شخص دخل الأرشيف قبل السرقة بدقائق.”
سألته:
“مين؟”
قال:
“هبعتهولك حالًا.”
وصل الفيديو بعد ثوانٍ.
فتحته.
وتوقفت أنفاسي.
الرجل الظاهر في التسجيل لم يكن غريبًا.
لم يكن لصًا مجهولًا.
ولم يكن كريم ناصر.
بل شخص أعرفه جيدًا.
شخص حضر جنازة زوجتي.
وشاهد دفنها بنفسه.
وشارك في حمل النعش.
وكان يبكي طوال الوقت.
نظرت إلى سامر.
ثم إلى الشاشة.
غير قادر على الكلام.
لأن الرجل الذي ظهر في التسجيل…
كان شقيق زوجتي الأكبر.
يوسف.
الرجل الذي كان يعتبرها ابنته قبل أن تكون أخته.
الرجل الذي أقسم أمام قبرها أنه سيحمي ابنتيها مهما كلفه الأمر.
لكن الحقيقة التي لم أكن أعرفها بعد…
أن يوسف لم يكن يحاول سرقة الأدلة.
بل كان يحاول الوصول إليها قبل شخص آخر.
شخص أخطر بكثير.
شخص كان يقترب منا في تلك اللحظة بالفعل.
ومن دون أن ندري…
كان يراقب المنزل منذ أيام.
وكان يحمل أمرًا واحدًا فقط:
“أحضروا الطفلتين.”
نهاية الفصل الرابع…
الفصل الخامس
عندما سمعت الجملة الأخيرة من ريتشارد ويلسون شعرت وكأن الهواء اختفى من حولي.
أحضروا الطفلتين.
ليس الأدلة.
ليس الملفات.
ليس الفلاشة.
الطفلتين.
نظرت إلى الغرفة حيث كانت ابنتاي تنامان بسلام.
وجهيهما الصغيران لا يحملان أي ذنب في هذا العالم.
ولم أستطع استيعاب كيف يمكن لطفلتين لم تكملا شهرهما الأول أن تصبحا هدفًا لأي شخص.
قلت بصوت متوتر:
“ماذا تقصد؟”
لكن ريتشارد لم يجب مباشرة.
بل قال:
“تعال إلى الشركة فورًا.”
“هناك أشياء لا يمكن قولها عبر الهاتف.”
—
بعد ساعة كنت أجلس داخل قاعة اجتماعات خاصة في الطابق الأخير.
سامر إلى جواري.
وريتشارد أمامنا.
وأمامه مجموعة من الملفات والصور.
كان يبدو متوترًا للمرة الأولى منذ عرفته.
وهذا وحده أخافني.
أخرج صورة قديمة ووضعها أمامي.
ثم صورة ثانية.
ثم ثالثة.
كلها تعود إلى أكثر من عشرين عامًا.
قال:
“هل تعرف من هو كريم ناصر فعلًا؟”
هززت رأسي.
قال:
“الجميع يعرفه كرجل أعمال.”
“لكن هذا ليس سوى نصف الحقيقة.”
ثم فتح ملفًا أسود سميكًا.
وأضاف:
“قبل سنوات طويلة كان يدير شبكة مالية سرية ضخمة.”
“أموال بمئات الملايين.”
“شركات وهمية.”
“حسابات مخفية.”
“وممتلكات موزعة بأسماء مختلفة.”
أشار إلى الأوراق.
وقال:
“لكن المشكلة بدأت عندما قرر أن يختفي.”
عقدت حاجبي.
فأكمل:
“قبل اختفائه نقل جزءًا من ثروته إلى مكان لا يستطيع أحد الوصول إليه.”
“حتى شركاؤه أنفسهم.”
قلت:
“وما علاقة زوجتي بهذا؟”
نظر إلي مباشرة.
ثم قال:
“كانت تعرف مكان المفتاح.”
ساد الصمت.
لكنني لم أفهم.
قال:
“ليس مفتاحًا عاديًا.”
“مفتاح رقمي.”
“سلسلة بيانات.”
“رموز.”
“حسابات.”
“وثائق.”
“كل ما يثبت ملكية تلك الثروة.”
شعرت بالارتباك.
لكن سامر فهم فورًا.
لأن وجهه شحب فجأة.
ثم قال:
“يا إلهي.”
نظر إليه ريتشارد.
وأومأ برأسه.
ثم أكمل:
“عندما اكتشفت زوجتك الحقيقة.”
“رفضت تسليمها لأي شخص.”
“ورفضت أيضًا تدميرها.”
“لأنها كانت الدليل الوحيد على جرائم كثيرة.”
سألته:
“إذن لماذا لم يقتلوها؟”
أجاب بهدوء:
“حاولوا.”
ثم أشار إلى صورة الحريق.
“لكنهم فشلوا.”
شعرت بقشعريرة.
وأضاف:
“بعد ذلك اختفت الأدلة.”
“واختفت زوجتك.”
“وبنت حياة جديدة.”
“وتزوجتك.”
“واعتقد الجميع أن السر مات معها.”
تنهد.
ثم قال:
“إلى أن وُلد التوأم.”
لم أفهم.
أبدًا.
لكن ريتشارد فتح ملفًا آخر.
وأخرج ورقة قديمة جدًا.
ورقة بخط يد زوجتي.
تاريخها يعود إلى خمس سنوات قبل زواجنا.
وفي أسفل الصفحة كانت هناك جملة واحدة فقط.
جملة جعلت الدم يتجمد في عروقي.
إذا حدث لي أي شيء…
فالمفتاح سينتقل إلى طفلتيّ.
رفعت رأسي ببطء.
غير قادر على التنفس.
قلت:
“ماذا يعني هذا؟”
أجاب:
“يعني أنها كانت تتوقع موتها.”
“وتستعد له.”
أحسست بدوار شديد.
لكن الأسوأ لم يأتِ بعد.
لأن ريتشارد أخرج صورة أخرى.
صورة التُقطت داخل المستشفى يوم الولادة.
حدقت فيها.
ثم اتسعت عيناي.
لأن الصورة كانت لزوجتي.
في غرفة الولادة.
قبل ساعات من وفاتها.
قلت بذهول:
“من التقط هذه؟”
أجاب:
“لا نعرف.”
ثم قلب الصورة.
وكان هناك شيء مكتوب خلفها.
بخط يد زوجتي نفسها.
قرأت الكلمات بصعوبة.
وكانت تقول:
إذا قرأت هذه الرسالة…
فهذا يعني أنني لم أنجُ.
ولا بد أن تعرف الحقيقة.
لم تكن وفاة زوجتي حادثًا.
ولم تكن مضاعفات طبية عادية.
بل كانت تترك رسالة.
رسالة أخيرة.
رسالة كانت تعرف مسبقًا أنها قد لا تحصل على فرصة لإخبارها لي بنفسها.
ارتجفت يداي.
وأكملت القراءة.
هناك شخص قريب جدًا منا يعمل معهم.
شخص تثق به.
شخص سيحاول الوصول إلى الطفلتين بعد موتي.
لا تسلمه أي شيء.
ولا تصدقه مهما قال.
شعرت ببرودة تجتاح جسدي.
ثم قرأت السطر التالي.
وتمنيت لو أنني لم أفعل.
لأن الاسم المكتوب تحته مباشرة…
كان اسم شخص أعرفه.
شخص كنت أراه كل يوم تقريبًا منذ الجنازة.
شخص دخل بيتي.
وحمل ابنتيّ بين ذراعيه.
وشاركنا الطعام والبكاء.
رفعت رأسي ببطء.
ونظرت إلى سامر.
فوجدته ينظر إلى الورقة أيضًا.
وقد اختفى اللون من وجهه تمامًا.
همس:
“مستحيل.”
لكن الاسم كان موجودًا بوضوح.
لا لبس فيه.
لا خطأ فيه.
وكان الاسم…
ريتشارد ويلسون.
الرجل الجالس أمامنا.
الرجل الذي أنقذني في المركز التجاري.
الرجل الذي ساعدني منذ البداية.
والرجل الذي كان ينظر إلينا الآن بهدوء غريب.
هدوء جعل قلبي يتوقف.
ثم ابتسم ابتسامة صغيرة.
وقال:
“أعتقد أن الوقت حان لأشرح لكم لماذا كتبت زوجتك اسمي.”
وفي اللحظة نفسها…
انطفأت كل شاشات قاعة الاجتماعات.
وأُغلقت أبواب الطابق بالكامل.
وتردد صوت إنذار أمني في المبنى كله.
أما ريتشارد فنهض ببطء.
ونظر إلى النافذة خلفه.
ثم قال جملة واحدة فقط:
“للأسف… لقد وجدونا.”
نهاية الفصل الخامس…
