حكايات المجهول لحكايات اسما ×2

الفصل الثاني: الحقيقة اللي خبّاها أحمد

بصيت لحماتي وأنا حاسة إن قلبي هيقف.

إيه الأوراق دي؟

وإيه الحقيقة اللي أحمد مش قادر يقولها؟

الحاجة أمينة سحبت نفس طويل.

وبعدين بصت لابنها وقالت:

“هتتكلم ولا أتكلم أنا؟”

أحمد فضل ساكت.

وشه شاحب.

ولأول مرة من يوم عرفته شكله كان مكسور.

ساعتها فتحت حماتي الملف.

وطلعت مجموعة تحاليل وتقارير طبية.

وحطتها قدامي.

بصيت فيها باستغراب.

ما فهمتش حاجة في الأول.

لحد ما لقيت اسم أحمد مكتوب عليها.

رفعت عيني ليها.

قالت:

“من ست شهور أحمد راح لدكتور.”

اتجمد أحمد مكانه.

وأنا بدأت أحس إن فيه حاجة كبيرة مستخبية.

كملت:

“الدكتور قاله إنه عنده بداية سكر وارتفاع في الدهون وضغط عالي.”

بصيت لأحمد.

فعلاً كان وزنه زاد جدًا الفترة الأخيرة.

لكن ما كنتش متخيلة إن الموضوع وصل لكده.

قالت:

“والدكتور قاله لو ما غيرش نظام حياته هيواجه مشاكل أكبر.”

أحمد عض على شفته.

أما أنا فكنت لسه مش فاهمة.

إيه علاقة ده بيا؟

حماتي جاوبت السؤال قبل ما أسأله.

قالت:

“بدل ما يواجه نفسه… قرر يركز فيكي إنتِ.”

سكتت ثواني.

ثم قالت:

“كل ما يبص في المراية ويشوف وزنه زاد كان يهرب من إحساسه بالفشل ويطلع كلامه عليكي.”

الكلمات نزلت عليا كالصاعقة.

أحمد أخيرًا رفع رأسه.

وقال بصوت منخفض:

“مش كده.”

حماتي ضربت الترابيزة بإيدها.

“بل كده.”

سكت.

لأنه عارف إنها بتقول الحقيقة.

كملت وهي تبصلي:

“هو كان مرعوب.”

“من إيه؟”

قالتها بصعوبة:

“من نفسه.”

نظرت لأحمد.

ولأول مرة شفت الدموع في عينه.

قال:

“أنا كنت بخاف.”

استغربت.

“تخاف من إيه؟”

سكت ثواني طويلة.

ثم قال:

“من إني أبقى زي أبويا.”

الغرفة كلها سكتت.

حتى حماتي نفسها نزلت عينيها للأرض.

أحمد بلع ريقه.

وقال:

“أبويا مات بسبب مشاكل القلب والسكر والسمنة.”

بدأ صوته يهتز.

“وأول ما الدكتور قال نفس الكلام… حسيت إني رايح لنفس الطريق.”

لأول مرة بدأت أفهم.

لكني لسه موجوعة.

قلت:

“وإيه ذنبي أنا؟”

ما عرفش يرد.

لأن مفيش رد.

قالت حماتي:

“مفيش ذنب.”

ثم التفتت له.

“لكن بدل ما تواجه خوفك كرجل… قررت تخلي مراتك هي المشكلة.”

أحمد غمض عينيه.

وأنا لأول مرة شفته ضعيف بالشكل ده.

لكن الوجع اللي جوايا كان أكبر من التعاطف.

قلت:

“عارف إيه اللي كسرني؟”

بصلي.

قلت:

“مش القفل.”

سكت.

كملت:

“ولا كلامك.”

بدأت دموعي تنزل.

“اللي كسرني إنك شفتني بتعب.”

“وشفتني بولد بنتك.”

“وشفتني بصحى عشر مرات بالليل.”

“وشفتني بعيط من الإرهاق.”

“وبرضه اخترت تبص لميزان الوزن بدل ما تبص لقلبي.”

الدموع نزلت من عينيه وقتها.

لكن المرة دي ما وقفتش.

لأن الجرح كان أعمق من اعتذار.

بعدها بأيام رجعت بيتي.

مش علشان سامحته.

لكن علشان بنتي.

وأحمد بدأ يتغير فعلًا.

بقى يساعد في الرضاعة.

يصحى بالليل.

يغسل الببرونات.

وينضف البيت.

ويعمل حاجات عمره ما عملها.

لكن رغم ده كله…

كان فيه شيء غريب بيحصل.

كل شوية ألاقيه بيبص للموبايل ويتوتر.

ويقفله بسرعة.

وأكتر من مرة لاحظت إنه بيخبي حاجة.

وفي يوم…

كان بياخد شاور.

والموبايل رن.

الاسم اللي ظهر على الشاشة خلاني أتجمد مكاني.

“د. ريم”

مش مرة.

ولا مرتين.

كانت اتصلت خمس مرات متتالية.

وقبل ما ألحق أفكر…

وصلت رسالة جديدة.

ولما قرأتها…

حسيت إن الدم اتسحب من وشي كله.

لأن الرسالة كانت بتقول:

“لازم مراتك تعرف الحقيقة كاملة قبل ما يفوت الأوان.”

يتبع في الفصل الثالث…

الفصل الثالث: الحقيقة الكاملة

وقفت مكاني وأنا ماسكة الموبايل.

قلبي كان بيدق بعنف.

“لازم مراتك تعرف الحقيقة كاملة قبل ما يفوت الأوان.”

قريت الرسالة أكتر من مرة.

كل السيناريوهات الوحشة بدأت تلف في دماغي.

دكتورة؟

بتكلمه باستمرار؟

وحقيقة مخبيها عني؟

حسيت الأرض بتتهز تحت رجلي.

في اللحظة دي خرج أحمد من الحمام.

أول ما شاف الموبايل في إيدي اتجمد.

ثم قال بسرعة:

“إنتِ فتحتي موبايلي؟”

رفعت عيني ليه.

“مين دكتورة ريم؟”

وشه فقد لونه.

وعرفت فورًا إن فيه حاجة كبيرة.

قلت وأنا بحاول أسيطر على دموعي:

“رد عليا.”

قعد على الكرسي.

وحط إيده على وشه.

وكأنه بقاله شهور شايل حمل تقيل.

ثم قال:

“أنا كنت ناوي أقولك.”

ضحكت بمرارة.

“الجملة دي بيقولها كل واحد اتكشف.”

سكت.

ثم مد إيده للموبايل.

وفتح الرسائل بنفسه.

وحطه قدامي.

قال:

“اقري.”

بدأت أقرأ.

رسائل.

تحاليل.

مواعيد.

تقارير.

ثم فجأة وقعت عيني على جملة خلتني أنسى أتنفس.

“النتائج تؤكد وجود ورم في المرحلة المبكرة.”

شهقت.

ورجعت بصيت لأحمد.

قال بصوت مكسور:

“الرسالة دي ليا.”

حسيت الدنيا بتلف.

“إيه؟”

قال:

“من أربع شهور.”

دموعي بدأت تنزل من غير ما أحس.

وأنا مش قادرة أستوعب.

قال:

“لما رحت أكشف بسبب التعب اللي كنت حاسس بيه…”

سكت.

ثم أكمل:

“اكتشفوا حاجة محتاجة متابعة وتحاليل كتير.”

كنت مصدومة.

“وليه مخبيت؟”

بص ناحية أوضة بنتنا.

وقال:

“لأنك كنتِ حامل.”

سكت ثانية.

“وبعدين كنتِ بتولدي.”

سكت.

“وبعدين كنتِ بتتعافي.”

صوته بدأ ينهار.

“وكل مرة كنت أقول مش هزود هم فوق همك.”

أنا كنت بعيط.

لكنه كمل.

“بس الخوف كان بياكلني.”

“خوف من المرض.”

“وخوف من المستقبل.”

“وخوف إني أسيبكم لوحدكم.”

بدأت أفهم.

لكن ده ما بررش اللي عمله.

قلت:

“وده خلاك تحط قفل على التلاجة؟”

أطرق رأسه.

وقال:

“لا.”

“أمال؟”

أخذ نفسًا طويلًا.

ثم قال الجملة اللي غيرت كل حاجة.

“كنت بكره نفسي.”

سكت.

ثم أكمل:

“كل يوم كنت بصحى شايف نفسي أضعف.”

“شايف جسمي بيتعب.”

“وشايف مستقبلي بيتغير.”

“فبدل ما أواجه خوفي…”

رفع عينيه المليانة دموع.

“…طلعته عليكي.”

الغرفة كلها غرقت في الصمت.

ولأول مرة من شهور…

حسيت إن الراجل اللي قدامي مش متكبر.

ولا متسلط.

ولا قاسي.

حسيت إنه إنسان مرعوب.

لكن رغم ده…

كان فيه سؤال واحد جوايا.

سؤال لازم أعرف إجابته.

قلت:

“والتحاليل؟”

بلعت ريقي.

“التحاليل الأخيرة قالت إيه؟”

بصلي.

ولأول مرة من شهور…

ابتسم.

ابتسامة صغيرة جدًا.

وقال:

“طلعت سليمة.”

ما فهمتش.

قال بسرعة:

“الدكتورة اكتشفت إن التشخيص الأول كان غلط.”

“وإن اللي عندي حالة بسيطة قابلة للعلاج.”

دموعي نزلت أكتر.

من الصدمة.

ومن الراحة.

ومن الغضب في نفس الوقت.

ضربته على كتفه وأنا بعيط.

“حرام عليك.”

“حرام عليك تخضني بالشكل ده.”

وأنا بعيط أكتر.

“وحرام عليك اللي عملته فيا.”

في اللحظة دي…

سمعنا صوت الباب الخارجي بيتفتح.

استغربنا.

ما كناش مستنيين حد.

خرج أحمد بسرعة.

وأنا وراه.

لكن أول ما وصلنا للصالة…

اتجمدنا إحنا الاتنين.

لأن الحاجة أمينة كانت واقفة عند الباب.

ومعاها راجل كبير في السن.

وأول ما شاف أحمد…

قال بصوت مرتعش:

“أنا أبوك.”

سقط الصمت على المكان كله.

أما أحمد…

فبقى واقف كأنه شاف شبح.

لأن أبوه…

كان المفروض ميت من عشرين سنة.

يتبع في الفصل الرابع…

 

الفصل الرابع: الرجل الذي عاد من الموت

اتجمد أحمد مكانه.

عيونه اتسعت بشكل مرعب.

وبص للرجل الواقف عند الباب كأنه شايف كابوس.

أما أنا فبصيت للحاجة أمينة.

لقيتها واقفة وعينيها مليانة دموع وغضب في نفس الوقت.

الرجل كان في أواخر الستينات.

شعره أبيض بالكامل.

ووشه مليان تجاعيد.

لكن ملامحه كانت شبه أحمد بشكل مخيف.

خصوصًا العينين.

قال الرجل بصوت مرتعش:

“أحمد… أنا أبوك.”

رجع أحمد خطوة لورا.

كأنه اتضرب.

وقال:

“أبويا مات.”

سكت الرجل ثواني.

ثم قال:

“لا.”

“أنا ما متش.”

في اللحظة دي الحاجة أمينة انهارت.

وقعدت على أقرب كرسي.

أما أحمد فكان بيبص بين الاتنين وكأنه فقد القدرة على التفكير.

صرخ فجأة:

“يعني إيه ما متش؟!”

“يعني إيه؟!”

الرجل نزل عينيه للأرض.

وقال:

“أنا هربت.”

ساد صمت ثقيل.

صمت خلى حتى صوت أنفاسنا مسموع.

قال أحمد:

“هربت؟”

الرجل هز رأسه.

“من سبعة وعشرين سنة.”

الحاجة أمينة بدأت تبكي.

وأنا حسيت إن فيه سر عمره سنين بيتفتح قدامنا.

قال الرجل:

“كنت غارق في الديون.”

“وخسرت كل حاجة.”

“وخفت.”

ضحك أحمد ضحكة غريبة.

ضحكة كلها وجع.

“فموت نفسك أسهل من إنك تتحمل مسؤوليتك؟”

الرجل ما ردش.

لأنه ما كانش عنده رد.

قال أحمد:

“سيبت أمي تربي طفل لوحدها.”

“سيبتها تشيل الدنيا كلها.”

“وإنت عايش؟!”

بدأ صوته يعلى.

“عايش؟!”

الرجل دموعه نزلت.

وقال:

“عارف إني غلطت.”

صرخ أحمد:

“غلطت؟!”

“دي مش غلطة.”

“دي خيانة.”

الحاجة أمينة لأول مرة رفعت رأسها.

وقالت:

“كفاية.”

بص أحمد لها.

فكملت:

“أنا عمري ما قلتلك الحقيقة.”

سكت الجميع.

قالت:

“لأنك كنت صغير.”

“ولأنني كنت عايزة تحترم صورة أبوك.”

بصت للرجل باحتقار.

“رغم إنه ما يستاهلش.”

الرجل بدأ يبكي.

لكن لا أحمد ولا أمه اهتموا.

لأن وجع سبعة وعشرين سنة ما بيتعالجش بدموع.

بعد ساعة كاملة من الكلام…

عرفنا الحقيقة.

الرجل كان غرقان في ديون ضخمة.

وخاف من السجن.

فزوّر خبر موته بمساعدة شخص تاني.

وسافر لدولة بعيدة.

وبدأ حياة جديدة.

اتجوز.

واشتغل.

وعاش.

بينما الحاجة أمينة كانت بتشتغل ليل ونهار.

علشان تربي أحمد.

ولما كبر أحمد…

بقى الراجل يتابعه من بعيد.

يشوف صوره.

وأخباره.

ونجاحه.

لكن عمره ما امتلك الشجاعة يرجع.

إلا من شهر واحد.

لما عرف إنه مريض.

وظن إن عمره قرب ينتهي.

فقرر يرجع.

ويطلب السماح.

لكن الحاجة أمينة قالت جملة هزت البيت كله.

قالت:

“إنت ما رجعتش علشان تحب ابنك.”

“إنت رجعت علشان ضميرك ارتاح.”

الرجل سكت.

لأنه عارف إنها على حق.

أما أحمد…

فكان واقف في منتصف الصالة.

ساكت.

غريب.

مش بيتكلم.

ولا بيتحرك.

وفجأة…

بص ناحيتي.

وبعدين على بنتنا النائمة في غرفتها.

ثم قال بصوت منخفض:

“دلوقتي فهمت.”

كلنا بصينا له.

قال:

“فهمت أنا كنت بعمل إيه.”

سكت.

ثم أكمل:

“كنت بكرر نفس اللي أبويا عمله.”

الحاجة أمينة بصتله باستغراب.

قال:

“هو هرب من مسؤوليته.”

“وأنا كنت بهرب من خوفي.”

بص ناحيتي وعينيه مليانة ندم.

“بدل ما أكون سند ليكي بعد الولادة.”

“كنت بكسر فيكي.”

ثم نزلت دموعه.

“أنا آسف.”

لأول مرة…

الكلمة خرجت بصدق حقيقي.

لكن قبل ما حد يرد…

رن جرس الباب.

كلنا استغربنا.

الساعة كانت قرب منتصف الليل.

مين ممكن يجي في الوقت ده؟

فتحت الباب.

ولقيت راجل واقف ببدلة رسمية.

وفي إيده ظرف كبير.

سأل:

“الأستاذ أحمد موجود؟”

قال أحمد:

“أنا.”

الراجل سلمه الظرف.

وقال:

“حضرتك مطلوب غدًا الساعة العاشرة صباحًا.”

أحمد فتح الظرف.

وقرأ أول سطر.

وفجأة…

اختفى اللون من وجهه بالكامل.

قلت بخوف:

“في إيه؟”

رفع عينيه نحونا.

وقال بصوت مرتعش:

“دي قضية…”

ثم بلع ريقه بصعوبة.

“…ورافعها عليا شخص من أكتر من عشرين سنة.”

نظر ببطء نحو الرجل العجوز الواقف في الصالة.

وأضاف:

“والاسم المكتوب هنا…”

“هو اسم أبويا الحقيقي.”

يتبع في الفصل الخامس…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *