في سن ال٦٧ حكايات اسما السيد 1

عمري ما سألت.

كنت فاكرة إنها صفحة واتقفلت.

سألته وأنا دموعي بتنزل:

— وإنت؟

قال بابتسامة مكسورة:

— فضلت أستناكي.

سنة…

واتنين…

وعشرة.

كل ما تيجي طيارة من بلدك، أروح المطار.

كل ما أشوف واحدة شبهك، أجري وراها.

كتبت عشرات الخطابات.

ولا واحد وصل.

وبعد سنين…

عرفت إنك اتجوزتي.

ابتسمت رغم الوجع.

قلت:

— ليه ما حاولتش تكلمني؟

رد بهدوء:

— لأني حبيتك بجد.

ولما عرفت إنك بقيتي زوجة وأم…

احترمت حياتك.

قررت أفضل بعيد.

لكن بعد وفاة جوزك بسنتين…

شفت صورتك بالصدفة في إعلان عن رحلة سياحية.

أول ما شفت اسمك…

عرفت إنها إنتِ.

ساعتها حسيت إن القدر إداني آخر فرصة.

فضلت ساكتة.

كل كلمة كان بيقولها كانت بترجع جوايا إحساس غريب…

مش ذكرى واضحة…

لكن إحساس بالأمان.

وفجأة…

رن موبايله.

بص للشاشة، واتغير وشه.

قفل المكالمة بسرعة.

سألته:

— مين؟

اتردد للحظة…

وقال:

— الشخص اللي كنت مستخبي منه طول السنين دي…

وأخيرًا عرف مكاني.

وقبل ما أسأله يقصد مين…

سمعنا صوت ارتطام قوي بباب الغرفة…

وصوت رجل بيصرخ من الخارج:

— افتح يا “يوسف”… المرة دي مش هتهرب!

الجزء الرابع
اتجمد الدم في عروقي.
بصيت له بسرعة.
هو كان واقف، لكن ملامحه اتغيرت تمامًا.
مش ملامح راجل خايف…
ملامح راجل كان مستني اللحظة دي من زمان.
خبطات الباب زادت.
— افتح! عارفين إنك جوه!
بصلي وقال بهدوء غريب:
— أوعي تفتحي الباب… مهما حصل.
قبل ما أرد…
لف بسرعة ناحية البلكونة، وبص تحت.
الدور التالت.
مفيش أي طريق للهروب.
رجع بصلي تاني.
— لازم تعرفي الحقيقة كلها… دلوقتي.
صرخت فيه:
— الحقيقة إيه؟! مين الناس دي؟
أخذ نفسًا عميقًا وقال:
— دي مش عصابة… ولا مجرمين.
دول أولاد أخويا.
عقدت حاجبي.
— أولاد أخوك؟!
هز رأسه.
— بعد ما سافرت سنين، حصل خلاف كبير على ميراث العيلة. أنا تنازلت عن كل حاجة ومشيت، لكن من سنة وصلني خبر إن في أرض باسم والدي اتباعت بتزوير، واتكتب اسمي على أوراق أنا ما مضتش عليها.
الخبط استمر.
— افتح يا يوسف!
كمل كلامه بسرعة:
— لما بدأت أطالب بحقي، افتكروا إني هبلغ عنهم، فبقوا يراقبوني في كل مكان.
سألته:
— وإيه علاقتي أنا بكل ده؟
ابتسم ابتسامة حزينة.
— لأنهم شافونا مع بعض.
ولو عرفوا إنك مجرد ست عرفتها من كام يوم…
مش هيصدقوا.
هيفتكروا إني نقلتلك مستندات أو أوراق.
في اللحظة دي…
رن جرس أوضة الفندق.
وبعدها مباشرة سمعنا صوت موظف الاستقبال.
— يا فندم… لو سمحت افتح. في ضيوف بيسألوا عليك.
همس يوسف:
— الموظف ميعرفش حاجة… هما قالوله إنهم قرايبي.
بصيت حواليّا.
على الترابيزة كان الظرف الأبيض لسه مفتوح.
والصورة القديمة فوقه.
والجواب اللي كتبته بإيدي من عشرات السنين.
سألته بصوت منخفض:
— لو خرجنا من هنا… هتعمل إيه؟
رد من غير تردد:
— هسلم نفسي للشرطة، وأقول كل اللي أعرفه.
استغربت.
— بسهولة كده؟
قال:
— تعبت من الهروب.
أنا جيت الرحلة دي علشان أشوفك مرة أخيرة… وأقولك إنك كنتِ أجمل حاجة حصلت في حياتي.
ولو بعدها دخلت السجن أو حتى مت…
هكون مرتاح.
الكلمات دي هزت قلبي.
لأول مرة حسيت إن الراجل ده ماكانش بيجري من حد…
كان بيجري من ماضيه.
وفجأة…
رن هاتفي أنا.
الرقم كان غريب.
رديت بتردد.
جالي صوت بنت شابة بتعيط.
— حضرتك… مع الأستاذة…؟
— أيوه.
قالت وهي بتشهق:
— أرجوكي… متسيبيش بابا لوحده.
اتجمدت.
بصيت ليوسف.
كان هو كمان مصدوم.
سألتها:
— بابا؟!
قالت:
— أنا بنته… وإحنا بندور عليه من شهور. هو اختفى بعد ما عرف إنه مريض، ورفض يرجع البيت. إحنا مش عايزين فلوس… ولا ميراث… إحنا بس عايزينه يعيش اللي باقي من عمره وسط ولاده وأحفاده.
نظرت إليه.
عيناه امتلأتا بالدموع لأول مرة.
واضح أن الحقيقة…
كانت مختلفة تمامًا عما تخيلته.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *