خادمة قلبي اسما السيد _2
جلس كريم خلف مكتبه الزجاجي في الطابق الأخير من شركته العملاقة، لكن لأول مرة منذ سنوات لم يكن يرى الأرقام أمامه بوضوح. شاشة اللابتوب ممتلئة بعقود واستثمارات ورسائل عاجلة من شركائه في دبي ولندن، ومع ذلك كان عقله عالقًا في مكان آخر تمامًا… في مطعم رخيص الرائحة خلف الممرات الساخنة للمطبخ… وفي امرأة حامل ترتدي زيًا برتقاليًا وتحاول إخفاء ارتجاف يديها.
ليلى.
اسمها وحده كان كافيًا ليعيده تسع سنوات كاملة إلى الوراء.
إلى أول مرة رآها فيها داخل مكتبة الجامعة، حين كانت تجلس على الأرض بين الرفوف تبحث عن كتاب سقط منها، بينما كانت تسبّ بصوت منخفض لأنها كسرت ظفرها.
وقتها ضحك.
وكان ذلك أول شيء جعلها تكرهه.
ثم بطريقة ما… أحبته.
أغلق عينيه بقوة للحظة.
لا. هو لا يريد تذكر تلك النسخة منه.
النسخة التي كانت تعرف كيف تضحك.
رن الهاتف الداخلي. رفع السماعة بعصبية: — نعم؟
دخل إيهاب رجب بعد ثوانٍ. رجل ضخم يرتدي بدلة سوداء دائمًا، بملامح لا يمكن الوثوق بها أبدًا.
وضع ملفًا بنيًا على المكتب وقال: — طلبت كل حاجة عن مدام ليلى.
فتح كريم الملف بسرعة تكاد تكون عنيفة.
أول صورة جعلته يتوقف.
كانت صورة التقطتها كاميرا مراقبة أمام عمارة قديمة في حي شعبي. ليلى تنزل ببطء درجات السلم وهي تحمل أكياس بقالة رخيصة، وبطنها الضخمة واضحة جدًا تحت العباءة الواسعة.
الصورة التالية… ليلى خارجة من عيادة نساء وتوليد.
الصورة الثالثة… ليلى تبكي داخل صيدلية بينما تعيد علبة دواء إلى الرف بعد أن سألت عن السعر.
قبض كريم على الورقة بقوة.
قال ببرود متوتر: — فين الراجل؟
رفع إيهاب حاجبه: — أي راجل؟
— الأوروبي اللي سابتني عشانه.
ساد الصمت لثانيتين.
ثم قال إيهاب ببطء: — مفيش أي راجل يا كريم باشا.
رفع كريم عينيه فجأة.
— يعني إيه؟
— يعني دورت وراها من يوم الطلاق لحد النهارده… مفيش أي أثر لأي علاقة. لا سفر. لا تحويلات. لا راجل أجنبي. لا حتى مكالمات.
بدأ قلب كريم ينبض بعنف.
— مستحيل.
أخرج إيهاب ورقة أخرى. — والأغرب من كده…
مدها له.
كانت نسخة من تقرير طبي.
قرأ كريم السطر الأول… وتجمد.
“تاريخ الحمل التقريبي: قبل الطلاق بشهرين.”
شعر وكأن أحدهم ضربه مباشرة في صدره.
لا…
مستحيل.
رفع رأسه ببطء شديد: — إنت متأكد من الكلام ده؟
— التحاليل من دكتورة معروفة. والملف حقيقي.
اتسعت عينا كريم تدريجيًا.
ثمانية شهور.
قبل الطلاق بشهرين.
يعني…
الطفل طفله هو.
وقف فجأة حتى تحرك الكرسي للخلف بعنف.
كل شيء بدأ يعيد نفسه داخل عقله بصورة مرعبة.
ليلى وهي تبكي ليلة الطلاق.
ارتجاف صوتها وهي تقول إنها “وقعت في حب شخص آخر”.
إصرارها الغريب على إنهاء الزواج بسرعة.
رفضها لأي نقاش.
واختفاؤها المفاجئ بعدها مباشرة.
قال بصوت أجش: — ليه؟
إيهاب لم يفهم: — نعم؟
— ليه تعمل كده؟
لكن السؤال الحقيقي لم يكن لإيهاب.
كان لنفسه.
تذكر تلك الليلة بالتحديد… قبل الطلاق بأسبوع.
حين عاد للبيت الثالثة فجرًا بعد اجتماع طويل.
وجد ليلى جالسة وحدها في المطبخ، أمامها عشاء بارد لم يمسه أحد.
قالت له وقتها بهدوء: — ممكن نتكلم؟
لكنه رد دون حتى أن ينظر إليها: — مش الليلة يا ليلى.
ثم صعد لينام.
وفي اليوم التالي… نسى أصلًا أنها طلبت الحديث.
مرر يده على وجهه بعنف.
قال إيهاب بحذر: — تحب أجيبها هنا؟
رفع كريم رأسه بسرعة: — لا.
ثم بعد لحظة: — أنا هروح لها بنفسي.
في تلك الليلة، كانت ليلى تجلس فوق السرير الضيق داخل شقتها الصغيرة، تحاول كتم ألم أسفل ظهرها بينما تحسب ما تبقى معها من مال.
مئتان وثلاثة وثمانون جنيهًا.
هذا كل شيء.
والإيجار متأخر. وكشف الولادة لم يُدفع بعد. والدكتورة أخبرتها أن الطفل قد يأتي في أي لحظة.
أغمضت عينيها بتعب.
ثم وضعت يدها على بطنها وهمست: — معلش يا حبيبي… استحمل معايا شوية كمان.
طرقٌ مفاجئ على الباب جعل قلبها يقفز.
تجمدت.
صاحب العمارة؟
الدائن؟
طارق؟
نهضت بصعوبة واتجهت للباب.
لكن أول ما فتحته… شحب وجهها بالكامل.
كريم.
كان واقفًا أمامها ببدلته السوداء الأنيقة، كأنه ينتمي لعالم مختلف تمامًا عن هذا الممر الضيق والرطوبة المتآكلة على الجدران.
نظر إليها طويلًا.
ثم قال بصوت منخفض: — ليه كذبتي عليا؟
تجمد الدم في عروقها.
حاولت إغلاق الباب فورًا، لكنه أمسكه بيده.
— سيبني يا كريم.
قال بحدة: — الطفل ابني.
صمتت.
وهذا الصمت وحده كان اعترافًا كاملًا.
دخل الشقة دون استئذان.
ثم توقف فجأة.
عيناه تحركتا ببطء داخل المكان.
الشقة كانت صغيرة جدًا. أصغر حتى من غرفة الملابس في قصره.
مروحة قديمة تدور بصوت مزعج. حائط متشقق. أدوية مرصوصة فوق الطاولة. وسرير طفل صغير في الزاوية… مستعمل وقديم.
شعر بشيء يتمزق داخله.
ليلى لاحظت نظرته فقالت بسرعة باردة: — ما تبصليش كده. أنا كويسة.
التفت إليها فجأة: — كويسة؟!
ضحك ضحكة قصيرة غير مصدقة.
— إنتِ ساكنة هنا؟ بتشتغلي نادلة حامل في الشهر الثامن؟ وبتقولي كويسة؟
رفعت رأسها بعناد رغم التعب: — أحسن ما أعيش مع واحد ما بيشوفنيش أصلًا.
الكلمة أصابته مباشرة.
اقترب خطوة: — كان عندك حق تكرهيني… لكن ماكانش عندك حق تحرميني من ابني.
بدأت عيناها تلمعان بالدموع فورًا.
لكنها قالت بقسوة: — ابنك؟ دلوقتي افتكرت إنه ابنك؟
— لأنه ابني فعلًا!
صرخ بها لأول مرة.
ثم أشار إلى بطنها: — كنتِ هتخليني أعيش عمري كله فاكر إن ابني ابن راجل تاني؟!
صرخت هي الأخرى: — وأنت كنت هتعمل إيه لو عرفت؟! كنت هتبصلي أخيرًا؟! كنت هترجع البيت قبل الفجر؟! كنت هتسمعني وأنا بتكلم بدل ما ترد على الإيميلات؟!
ساد الصمت فجأة.
تنفسها صار متقطعًا من الانفعال.
وقالت بصوت مكسور: — أنا لما عرفت إني حامل… خوفت.
خفضت عينيها.
— خوفت أجيب طفل لعالم أبوه فيه موجود بالجسد بس… مش بالقلب.
كريم شعر وكأن أحدهم يخنقه.
لأنها لم تكن تكذب.
هو فعلًا كان غائبًا دائمًا.
حتى وهو معها.
جلست ليلى ببطء فوق الكرسي وكأنها فقدت طاقتها بالكامل.
ثم قالت دون أن تنظر إليه: — كنت بموت يا كريم. كل يوم في البيت ده كنت بحس إني شبح. حتى لما كنت بقف قدامك وأعيط… كنت تبص من خلالي.
اقترب منها ببطء.
ولأول مرة منذ سنوات… لم يجد أي دفاع يقوله.
فجأة شهقت ليلى بألم حاد.
وضعت يدها على بطنها وانحنت للأمام.
تجمد كريم: — مالك؟!
تنفست بصعوبة: — م… مفيش.
لكن بعدها بثوانٍ… نزل الماء على الأرض.
اتسعت عينا كريم بصدمة.
ليلى رفعت رأسها نحوه بخوف حقيقي لأول مرة: — كريم…
همست بصوت مرتجف: — أظن… أظن البيبي جاي.
كل شيء تحول لفوضى بعدها.
كريم حملها بين ذراعيه دون تفكير، وركض بها نحو السيارة بينما كانت تتشبث بقميصه من الألم.
في الطريق للمستشفى، كانت تصرخ من الوجع بينما يده ترتجف فوق المقود.
وكان قلبه ينهار مع كل صرخة.
لأول مرة في حياته… شعر بعجز حقيقي.
وقف أمام إشارة حمراء، ثم ضرب المقود بغضب ومرّ بسرعة جنونية.
صرخت ليلى: — هتموتنا!
قال بعصبية مرعوبة: — مش هسمحلك تموتي.
سكتت فجأة.
لأنها سمعت شيئًا لم تسمعه منه منذ سنوات.
الخوف عليها.
وصلوا المستشفى أخيرًا.
الأطباء أخذوها بسرعة إلى الداخل.
وبقي كريم وحده في الممر الأبيض البارد.
لأول مرة في حياته… لم يستطع شراء الحل.
لم يستطع توقيع عقد. أو إصدار أمر. أو السيطرة على شيء.
كل ما كان يملكه الآن… امرأة خلف باب مغلق. وطفل قد يخسره قبل حتى أن يراه.
مرّت ساعة كاملة كأنها عمر.
ثم خرج الطبيب أخيرًا.
وقف كريم فورًا: — هي كويسة؟!
ابتسم الطبيب بتعب: — المدام بخير.
ثم أضاف: — مبروك… عندك بنت.
توقف الزمن للحظة.
بنت.
عنده بنت.
شعر بشيء غريب يحدث داخله… شيء دافئ ومؤلم في نفس الوقت.
سأله الطبيب: — تحب تشوفها؟
لم يعرف كيف تحركت قدماه.
دخل الغرفة ببطء.
ليلى كانت مستلقية بإرهاق شديد، وشعرها ملتصق بوجهها، لكنها كانت تحتضن طفلة صغيرة ملفوفة ببطانية وردية.
رفعت عينيها نحوه بتوتر.
أما هو… فلم يرَ شيئًا سوى الطفلة.
اقترب ببطء شديد.
ثم نظر إلى وجهها الصغير.
وكانت الصدمة…
أنها تشبهه بشكل مرعب.
نفس العينين الداكنتين. نفس الحاجبين. حتى تعبير العبوس الصغير.
ضحكت ليلى وسط دموعها: — واضح إنها طالعة عصبية زيك.
لكن كريم لم يضحك.
لأنه فجأة شعر أن قلبه كله… صار خارج صدره، ملفوفًا داخل تلك البطانية الصغيرة.
مد إصبعه بتردد.
أمسكت الطفلة إصبعه الصغير بيدها الضعيفة.
وفي تلك اللحظة…
انكسر شيء قديم وقاسٍ داخله أخيرًا.
يتبع