دمية الخطر حكـايـات أسمـا ×3 والاخير
إيد سيف ارتخت جوه إيدي… وفي اللحظة دي حسيت إن الصوت كله اختفى من العالم.
ماعدتش سامعة صراخ الشرطة، ولا أوامر الضباط، ولا صوت المسعفين وهما بيجروا في المكان، ولا لين وهي بتعيط على كتفي.
كنت شايفة سيف بس.
الراجل اللي كرهته سنين.
الراجل اللي اتمنيت أنسى اسمه.
الراجل اللي كسرني لما اختار الفلوس عليا وعلى بنته.
وفي الآخر… مات وهو بيحاول ينقذنا.
فضلت ماسكة إيده وأنا بهز راسي بعنف كأني برفض الحقيقة.
قلت بصوت مبحوح: — لا… لا يا سيف… قوم… قوم علشان لين… قوم علشان تسمعها بتناديك.
لكن عينه كانت ثابتة.
والابتسامة الصغيرة اللي على وشه كانت آخر حاجة سابها لينا.
لين نزلت من حضني بصعوبة وقربت منه وهي بتترعش.
حطت إيدها الصغيرة على خده وقالت: — بابا… أنا مش زعلانة منك… قوم بقى.
الكلمة دي كسرتني.
صرخت من قلبي.
نجلاء وقفت بعيد، ماسكة الحيطة علشان ما تقعش، ووشها كله دموع ودم وكدمات. كانت بتبص لجثة أبوها على الأرض، وبعدين لسيف، وبعدين لينا، كأنها واقفة بين موتين… موت الرجل اللي ولدها وموت الرجل اللي حاولت تنقذه وفشلت.
المسعفين دخلوا بسرعة.
واحد منهم حاول يبعدني عن سيف.
مسكت فيه وأنا بصرخ: — ساعدوه! لسه دافي! لسه كان بيتكلم!
المسعف بصلي بنظرة أنا فهمتها قبل ما ينطق.
نظرة شفقة.
نظرة النهاية.
قال بهدوء: — البقاء لله.
وقتها فقط… سبت إيده.
مش علشان اقتنعت.
لكن علشان جسمي كله انهار.
وقعت على الأرض وأنا حاضنة لين، وهي بتصرخ في حضني: — ماما… هو هيرجع؟ بابا هيرجع؟
ماعرفتش أكذب.
وماقدرتش أقول الحقيقة.
فضلت أبوس شعرها وأقول: — أنا معاكي… أنا معاكي يا روحي… أنا مش هسيبك أبدًا.
وفي نفس الليلة، اتنقلنا لمكان آمن تابع للنيابة، بعيد عن شقتي اللي اتحرقت، بعيد عن مدينة نصر، بعيد عن كل باب ممكن يتخبط علينا في نص الليل.
كان المكان شقة صغيرة في عمارة حكومية قديمة، لكن لأول مرة بعد ساعات طويلة حسيت إن الباب المقفول ممكن يكون حماية مش سجن.
لين نامت على الكنبة وهي ماسكة بقايا الدمية المحروقة.
أيوه… وسط كل الفوضى، كانت لسه ماسكاها.
الدبدوب القذر اللي كان بداية الكابوس… بقى آخر حاجة باقية من سيف.
قعدت جنبها طول الليل، عيني على وشها.
كل دقيقة كنت بسأل نفسي:
هل هي بنتي بس؟
ولا بنت جريمة؟
ولا بنت سر؟
ولا بنت رجل وحش مات قبل ما يعرف يعني إيه أب؟
لكن كل مرة كانت بتتنفس فيها، كنت بفتكر الحقيقة الوحيدة اللي مافيش ورقة ولا تحليل يقدر يغيرها.
لين بنتي.
بنت حضني.
بنت سهري.
بنت الخوف اللي عشته علشانها.
بنت الضحكة اللي رجعتلي بعد الطلاق.
بنتي أنا… قبل أي اسم وأي دم وأي ماضٍ قذر.
قبل الفجر بشوية، نجلاء دخلت عليا الأوضة.
كانت لابسة بطانية فوق كتفها، ووشها متضمّد، وعينيها حمرا من العياط.
وقفت عند الباب وقالت: — ينفع أقعد؟
ما رديتش.
هي دخلت بهدوء وقعدت على الكرسي المقابل.
فضلنا ساكتين وقت طويل.
لحد ما قلت: — إنتِ كنتِ تعرفي من الأول؟
فهمت قصدي.
بصت للأرض وقالت: — عرفت قبل سيف بشهور.
حسيت بسكينة داخلة صدري.
— وسكتي؟
رفعت عينها ليا بسرعة: — ماكنتش أعرف إزاي أقولك. كنتِ هتفتكريني جاية أدمرك… وكنت فعلًا جزء من دمارك حتى لو غصب عني.
ضحكت بمرارة: — غصب عنك؟ إنتِ اتجوزتيه.
دموعها نزلت بهدوء.
قالت: — أنا ماكنتش نادين المنياوي. الاسم ده كان قناع. أبويا الحقيقي… أو الراجل اللي المفروض أقول عليه أبويا… خطف أمي وهي صغيرة، وبعدها اتولدِت أنا في بيت مبني على الخوف والفلوس والدم. لما كبرت، فهمت إن كل اللي حواليا مزيف. نادين كانت شخصية صنعها علشان يدخلني بيها وسط رجال الأعمال والنادي والصفقات. كنت واجهته مرة… قال لي بالحرف: “إنتِ بنتي، يعني ملكي.”
سكتت وبلعت ريقها بصعوبة.
— لما قابلت سيف، كان طماع وغبي… بس ماكانش شرير. دخل اللعبة علشان الفلوس، وبعدها لما شاف بعينه ناس بتختفي وملفات بتتحرق وشهادات بتتزوّر… خاف. أول مرة فكر يهرب كان لما عرف بموضوع لين.
قلبي اتقبض.
— هو عرف إزاي؟
— كان عنده شك من تحليل قديم. وبعدها أبويا بنفسه استخدم الصورة كسلاح ضده. قال له: “البنت دي تخصني أكتر ما تخصك.” من يومها سيف اتغير. حاول يوصلك… لكن كانوا مراقبينه.
بصيت ناحية لين.
كانت نايمة ودموعها ناشفة على خدها.
قلت: — ليه بعت الدمية دلوقتي؟
نجلاء قالت: — لأنه عرف إنهم قرروا ياخدوا لين. أبويا كان عايز يستخدمها كوريثة سرية… أو ضمانة ضد بعض الناس. عنده شبكات وأموال باسماء وهمية، وكان محتاج دم من دمه يثبت بيه ملكيات معينة لو اتكشف. بالنسبة له لين ماكنتش طفلة… كانت مفتاح.
الكلمة خنقتني.
مفتاح.
بنتي الصغيرة اللي بتخاف من الضلمة وتحب المكرونة بالصلصة… كانوا شايفينها مفتاح.
قمت فجأة وأنا مش قادرة أقعد.
قلت بعصبية: — أنا مش عايزة أسمع أكتر.
نجلاء وقفت.
— حقك.
لكن قبل ما تخرج، قالت بصوت متكسر: — سيف كان بيحب لين.
لفيت لها بحدة.
هي كملت: — مش بحاول أجمّله. هو غلطان. خانك. سابك. طمع. لكنه لما عرف إن لين مش بنته… ماكرههاش. بالعكس. قال لي: “دي بنتي لأن أول مرة شلتها فيها كنت أنا اللي وعدتها بالحماية.” وكان عايز يرجعلكم… بس ماكانش عارف يخرج.
دموعي نزلت غصب عني.
ماعرفتش أرد.
بعد يومين بدأت التحقيقات الرسمية.
الهارد اللي سيف خبّاه جوه الدمية فتح أبواب جهنم.
أسماء رجال أعمال، ضباط فاسدين، حسابات خارجية، تسجيلات لحفلات، عقود تهريب آثار، تحويلات بملايين الدولارات، صور مخازن في المقطم والعين السخنة وأسيوط، وشهادات ناس اختفوا من سنين واتقال إنهم سافروا أو انتحروا.
البلد كلها اتقلبت.
الأخبار ماجابتش اسمي في البداية، ولا اسم لين، بأوامر حماية من النيابة. لكن اسم المنياوي كان في كل قناة.
“سقوط إمبراطورية المنياوي.”
“شبكة غسيل أموال وتهريب آثار.”
“مقتل رجل الأعمال الشهير أثناء مقاومة القبض عليه.”
كانوا بيقولوا “مقاومة القبض عليه” كأن الحقيقة ممكن تتلخص في جملة نظيفة.
ماحدش قال إنه خطف بنتي.
ماحدش قال إنه قتل سيف قدام عيني.
ماحدش قال إن ضحاياه عاشوا سنين في سكوت لأن صوته كان أعلى من القانون.
لكن نجلاء قالت.
قدام النيابة… قالت كل شيء.
قالت إنها عاشت باسمين.
قالت إن أبوها استخدمها.
قالت إن سيف حاول يتراجع متأخر.
قالت إن مريم وليّن ضحايا، مش جزء من اللعبة.
وفي يوم، بعد أسبوع من الحادث، طلبوا مني أروح أتعرف على بعض المضبوطات.
كنت فاكرة الموضوع ورق أو شنط أو فلاشات.
لكن الضابط دخلني غرفة صغيرة فيها كراتين.
وقال: — الحاجات دي لقوها في مكان احتجاز سيف.
رجلي ضعفت.
قربت من أول كرتونة.
كان فيها قميص قديم، ساعة مكسورة، ورق مكتوب عليه حسابات، وصور.
صور ليا.
صور للين.
لين وهي صغيرة في الحضانة.
لين في عيد ميلادها الرابع.
لين وهي خارجة من العيادة معايا.
اتجمدت.
سيف كان بيتابعنا؟
لقيت ظرف صغير مكتوب عليه بخطه:
“لفلوس المدرسة.”
فتحته.
كان فيه إيصالات تحويل لم توصل أبدًا.
كل شهر تقريبًا.
فلوس نفقة باسم وسيط.
الضابط قال: — واضح إن التحويلات كانت بتتسحب قبل ما توصلك. في حساب وسيط تابع للشبكة.
حسيت بصدمة غريبة.
الغضب القديم جوايا اتلخبط.
مش اختفى.
لا.
الغدر ما بيتمسحش بإيصال.
لكن الصورة اللي كنت شايفاها لسيف اتشققت.
مش علشان طلع بريء.
هو ماكانش بريء.
لكن طلع مش وحش كامل.
كان ضعيف.
والضعف ساعات بيعمل دمار أكبر من الشر.
في آخر الكرتونة لقيت دفتر صغير.
فتحته.
كان فيه رسائل مكتوبة للين.
كل عيد ميلاد.
“لين عندها سنة… سامحيني إني بعيد.”
“لين عندها سنتين… نفسي أعرف بتحبي إيه.”
“لين عندها تلات سنين… لو كبرتي وكرهتيني، هيبقى عندك حق.”
“لين عندها أربع سنين… أنا مش عارف أهرب. بس بحاول.”
وآخر صفحة كانت بتاريخ قريب.
“لين، لو الدمية وصلتلك، اسمعي ماما. مامتك أقوى وأشرف إنسانة عرفتها. أنا خسرتها بغبائي، لكن إنتِ ماتخسريهاش أبدًا. حتى لو عرفتي يوم إني مش أبوكي بالدم، أنا حبيتك كأبو. يمكن متأخر، يمكن من بعيد، يمكن بطريقة جبانة، بس حبيتك. سامحيني لو قدرتي.”
قفلت الدفتر وأنا بعيط بصمت.
لأول مرة من سنين، ماعرفتش أكره سيف بنفس السهولة.
وبعد شهر، اتعملت جنازة صغيرة له.
ماكانش له أهل حقيقيين جايين يبكوا عليه. اللي كانوا حواليه زمان اختفوا مع سقوط المنياوي. ناس الفلوس بتعرف تحضر الأفراح بس… أما القبور فبتفضح الحقيقة.
كنت أنا، ولين، ونجلاء، وحازم اللي نجا بمعجزة بعد إصابته، وضابطين من الحماية.
لين كانت لابسة فستان أسود صغير، وماسكة وردة بيضا.
وقفت قدام قبره وقالت: — يا بابا… أنا زعلت إنك مشيت تاني… بس ماما قالتلي إنك كنت بتحاول ترجع. أنا هسيبلك وردة… بس ماتتأخرش عليا في الحلم.
الناس اللي حواليّا بكوا.
حتى حازم لف وشه بعيد.
نجلاء وقفت عند القبر وقالت بصوت واطي: — آسفة يا سيف… كان ممكن ننجح بدري.
أما أنا…
وقفت كتير.
كنت شايلة جوايا كلام كتير.
عتاب.
غضب.
وجع.
امتنان.
كره.
رحمة.
وفي النهاية قلت بس: — أنا مش هسامحك النهارده… بس يمكن في يوم. إنما هحكي للين إنك حاولت تحميها. دي الحقيقة الوحيدة اللي هقدر أديهالك.
بعد الجنازة، نجلاء اختفت فترة.
دخلت برنامج حماية شهود.
وحازم كمان.
أما أنا ولين، فانتقلنا من القاهرة كلها.
سكنت في إسكندرية، في شقة صغيرة قريبة من البحر، باسم جديد مؤقت لحد ما القضية تخلص.
البحر كان أول حاجة خلت لين تضحك بعد الكابوس.
كانت تجري على الرمل وتقول: — ماما، الموج بيجري ورايا!
وأنا كنت أقف وراها، أضحك وأنا قلبي لسه متشرخ.
الليل كان أصعب.
كانت تصحى مفزوعة وتقول: — في حد بيخبط على الباب.
كنت أحضنها وأقول: — مفيش يا حبيبتي… ده صوت الهوا.
كانت تسألني: — بابا مات علشاني؟
كنت أتنفس بصعوبة وأقول: — بابا مات وهو بيحاول يحميكي.
— هو كان بيحبني؟
— أيوه.
— حتى لو أنا مش بنته؟
السؤال ده جه بعد شهرين.
كانت سمعت جزء من كلام الكبار رغم كل محاولاتي.
وقتها قلبي اتقطع.
قعدت قدامها على الأرض، ومسكت وشها بين إيديا.
قلت: — اسمعيني يا لين. الأب مش بس اللي اسمه في الورق. الأب هو اللي يحب ويحمي. وسيف غلط كتير، بس في الآخر اختار يحميكي. أما إنتِ… فأنتِ بنتي أنا. من أول نفس، من أول حضن، من أول ليلة سخونية، من أول ضحكة. مفيش حقيقة في الدنيا تقدر تاخدك مني.
فكرت شوية بعقل طفلة.
وبعدين قالت: — يعني أنا مش وحشة؟
حضنتها بقوة كأني بحميها من كل دم المنياوي.
قلت: — إنتِ أجمل حاجة في حياتي.
بعد ست شهور، بدأت المحاكمة.
كانت طويلة ومؤلمة.
كل جلسة كانت بتفتح جرح جديد.
محامين كبار حاولوا يشوهوا نجلاء.
قالوا إنها كدابة.
قالوا إنها قتلت أبوها طمعًا.
قالوا إن سيف هو العقل المدبر.
قالوا إني كنت عايزة فلوس.
لكن الهارد كان أقوى من كل كذبهم.
وفي جلسة حاسمة، عرضوا فيديو من كاميرا مخفية.
ظهر فيه المنياوي وهو بيتكلم مع رجلين عن “البنت الصغيرة”.
قال بوضوح: — لين لازم تبقى تحت إيدي. الورق القديم محتاج وارث دم. أمها مالهاش قيمة… تتشال من السكة لو عطلت.
وقتها المحكمة كلها سكتت.
أنا حسيت إن رجلي مش شايلاني.
لين ماحضرتش طبعًا، لكن مجرد سماع اسمي واسمها في التسجيل كان كافي يخليني أرجع لنفس رعب ليلة الباب.
نجلاء شهدت بعدها.
وقفت في القفص المخصص للشهود، وشها شاحب لكن صوتها ثابت.
قالت: — أنا عشت عمري كله خايفة من راجل الناس كانت بتسقفله. لكن مريم علمتني إن الأم لما بتخاف على بنتها بتبقى أقوى من أي إمبراطورية.
بصتلي.
وأنا لأول مرة بصيتلها من غير غضب كامل.
مش سامحتها.
لكن شفتها.
شفت بنت اتولدت جوه وحش وحاولت تطلع إنسانة.
بعد سنة كاملة، صدر الحكم.
إدانات بالجملة.
سجن مؤبد لرجال الشبكة الأساسيين.
إسقاط أسماء كبيرة.
مصادرة شركات.
فتح ملفات اختفاء قديمة.
وتبرئة نجلاء من تهمة قتل والدها باعتباره دفاعًا عن النفس وإنقاذًا لرهينة طفلة، مع استمرار حمايتها كشاهد رئيسي.
يوم الحكم، خرجت من المحكمة وأنا مش حاسة بانتصار.
العدل ساعات ما بيجيش وهو شايل ورد.
بييجي متأخر، مترب، وواقف على عكاز.
لكنه لما جه… خلاني أتنفس.
برا المحكمة، نجلاء وقفت قدامي.
كانت هتسافر محافظة بعيدة باسم جديد.
قالت: — مريم… أنا عارفة إن وجودي في حياتك وجع. ومش هطلب منك تسامحيني. بس لو في يوم لين احتاجت تعرف الحقيقة كاملة… احكيلها إني حاولت أحميها.
قلت بهدوء: — هحكيلها إنك في الآخر اخترتي الصح.
دموعها لمعت.
— ده أكتر مما أستحق.
وقبل ما تمشي، مدتلي ظرف.
قلت: — إيه ده؟
— حساب باسم لين. فلوس قانونية من ميراث أمي، مش من فلوس أبويا. كنت محتفظة بيها بعيد عنه. خليها لتعليمها.
كنت هرفض.
لكنها قالت: — خديها مش عشاني. علشان البنت اللي كلنا اتأخرنا في حمايتها.
خدت الظرف.
مش علشان الفلوس.
علشان أقبل إن بعض الناس ممكن تصلح جزء صغير من الخراب… حتى لو مش كله.
مرت سنتين.
لين كبرت.
بقت عندها سبع سنين.
شعرها طال، وضحكتها رجعت، لكنها بقت أكثر حساسية لأي صوت عالي.
لو حد خبط الباب بعنف، كانت تجري عليا.
ولو شافت دمية قديمة، كانت تسكت.
فقررت أعمل شيء غريب.
جبت الدمية القذرة من صندوق الأدلة بعد انتهاء القضية.
كانت متغسلة ومتخيطة، بس أثر القطع في بطنها لسه واضح.
لين بصتلها طويلًا.
قلت: — تحبي نرميها؟
هزت راسها.
قالت: — لا. نخليها. هي كانت خايفة زينا.
ابتسمت وأنا دموعي قريبة.
— ونسميها إيه؟
فكرت شوية وقالت: — أمل.
ومن يومها، بقت الدمية اسمها أمل.
مش لأنها جميلة.
لكن لأنها نجت.
زيّنا.
في عيد ميلاد لين الثامن، رجعنا نزور قبر سيف.
كانت المرة الأولى اللي تروح فيها من غير ما تنهار.
حطت وردتين.
واحدة بيضا.
واحدة صفرا.
وقالت: — يا بابا، أنا بقيت بعرف أقرأ. ماما ادتني الدفتر بتاعك. أنا زعلت منك شوية… بس بحبك شوية برضه.
ضحكت بخجل وبصتلي.
— ينفع أحبه شوية يا ماما؟
قلبي اتوجع وارتاح في نفس اللحظة.
قلت: — ينفع تحبيه بالقدر اللي قلبك يقدر عليه.
سألتني: — وهو سامعني؟
بصيت للقبر، وبعدين للسماء.
— أكيد.
في نفس اليوم، بعد ما رجعنا البيت، لقيت جواب في صندوق البريد.
ماكانش عليه اسم مرسل.
قلبي اتقبض للحظة.
الخوف القديم لسه عايش.
فتحته بحذر.
كان من نجلاء.
سطرين بس:
“اطمني. انتهى كل شيء فعلًا. بدأت حياة جديدة. قولي للين إن الست الوحشة لم تكن وحشة دائمًا… لكنها تأخرت كثيرًا حتى تصبح شجاعة.”
وتحتها سلسلة صغيرة.
نصف قلب فضة.
لين مسكتها وقالت: — دي من مين؟
قلت: — من واحدة ساعدتنا.
— طيبة؟
فكرت.
ثم قلت: — بقت طيبة.
في الليل، بعد ما نامت لين، قعدت أكتب.
مش محضر.
مش شهادة.
ولا شكوى.
كتبت حكايتنا.
من أول الطرد.
الدمية.
الساعة تلاتة الفجر.
الخبط على الباب.
الخوف.
سيف.
نجلاء.
المنياوي.
واللحظة اللي فهمت فيها إن النجاة مش معناها إنك تطلعي من النار سليمة.
النجاة معناها إنك تطلعي منها وأنتِ لسه قادرة تحبي.
كتبت علشان لين لما تكبر تقرأ الحقيقة من صوتي أنا، مش من ملفات المحكمة ولا كلام الناس.
كتبت لها:
“يا لين، في يوم هتعرفي إن الدنيا مش دايمًا عادلة. هتعرفي إن فيه ناس ممكن يأذونا من غير ذنب. وهتعرفي إن الدم مش دايمًا يعني عيلة، وإن الاسم مش دايمًا يعني حقيقة. لكنك لازم تعرفي إنك لم تكوني يومًا لعنة ولا سرًا ولا مفتاحًا لأي وحش. أنتِ كنتِ السبب إن الحقيقة ظهرت. أنتِ كنتِ النور الصغير اللي كشف قبو كبير مليان ظلام.”
وقفت عن الكتابة لما سمعت صوتها من الأوضة:
— ماما؟
دخلت بسرعة.
كانت قاعدة في السرير، حضنا الدمية أمل.
قالت: — حلمت إن بابا جالي.
قلبي دق.
— قالك إيه؟
ابتسمت وهي نص نايمة.
— قاللي اسمعي كلام ماما… وماتخافيش من الخبط تاني.
قعدت جنبها ومسحت على شعرها.
— وحلمتي بحاجة تانية؟
قالت: — أيوه. كان واقف بعيد مع واحدة شعرها أسود… وقالوا إنهم آسفين.
فهمت.
سيف ونجلاء.
أو يمكن خيال طفلة محتاج يقفل باب الخوف بطريقته.
مش مهم.
المهم إن لين نامت بعدها مبتسمة.
بعد سنوات، لما كبرت لين وبقت تفهم، سألتني السؤال اللي كنت مستنياه طول عمري.
كنا قاعدين على البحر، وهي عندها تمنتاشر سنة، بتستعد تدخل كلية إعلام.
قالت: — ماما… ليه ماخبيتيش عني الحقيقة؟
بصيت للموج.
قلت: — علشان الكذب حتى لو كان للحماية بيكبر جوه البيت زي العفن. وأنا كنت عايزاكي تكبري في نور، حتى لو النور وجع عينك في الأول.
سكتت طويلًا.
ثم قالت: — أنا مش شبهه.
عرفت إنها تقصد المنياوي.
بصيت لها بقوة.
— لا. إنتِ مش شبهه.
قالت: — حتى لو دمه فيا؟
— الدم مش قرار. لكن إنتِ قراراتك. إنتِ رحمتك. إنتِ خوفك على الناس. إنتِ ضحكتك. إنتِ كل مرة اخترتي تبقي أحسن من الحكاية اللي اتفرضت عليكِ.
دموعها نزلت.
قالت: — وسيف؟
ابتسمت بحزن.
— سيف كان رجل ضل الطريق ورجع متأخر. بس رجع.
قالت: — أقدر أعتبره أبويا؟
مسكت إيدها.
— هو اختارك في النهاية. وإنتِ حرة تختاري مكانه في قلبك.
قعدنا ساكتين، والموج ييجي ويروح.
بعدها بفترة، لين عملت مشروع تخرج عن أطفال الشهود والضحايا اللي المجتمع بينساهم بعد نهاية القضايا الكبيرة.
ماقالتش حكايتها كاملة.
لكن عنوان المشروع كان:
“الأطفال ليسوا مفاتيح.”
لما شوفت العنوان، بكيت.
في يوم العرض، وقفت على المسرح بثقة غريبة.
قالت قدام الناس: — أحيانًا ينجو الطفل من الجريمة، لكن يظل الجميع يعامله كدليل أو سر أو فضيحة. الطفل لا يحتاج أن يعرفه الناس من خلال جريمة حدثت حوله. يحتاج أن يراه أحد كإنسان كامل يستحق حياة كاملة.
قلبت عيني عليا.
وابتسمت.
ساعتها عرفت إننا فعلًا نجونا.
مش ليلة الهروب.
مش يوم الحكم.
ولا يوم الجنازة.
نجونا في اللحظة اللي قدرت بنتي تقف وتحكي عن الوجع من غير ما يتحكم فيها.
بعد العرض، جاتلي بنت صغيرة من الحضور، يمكن عندها عشر سنين، وقالت للين: — كلامك خلاني أحس إني مش لوحدي.
لين حضنتها.
وأنا من بعيد شفت الدمية القذرة القديمة في خيالي.
أمل.
الدمية اللي خرج من بطنها سر مرعب… لكنها في النهاية خرج منها طريق للنجاة.
آخر مرة سمعت فيها عن نجلاء كانت من جواب وصلني بعد سنين.
كانت عايشة في مدينة صغيرة، بتشتغل مع جمعية لمساعدة النساء الهاربات من العنف. كتبت لي:
“كل يوم أحاول أنقذ واحدة، كأني بتأخر أقل من المرة اللي فاتت.”
ما رديتش برسالة طويلة.
كتبت لها فقط:
“المهم إنك وصلتي.”
أما حازم، ففتح ورشة صغيرة في الصعيد، واتجوز، وبقى يبعت كل سنة كرتونة مانجو للين في عيد ميلادها.
كان يكتب على الكرتونة:
“من عمك حازم اللي سايق أسرع من اللازم.”
ولين كانت تضحك كل مرة.
وفي عيد ميلادها الواحد وعشرين، طلبت مني نزور قبر سيف لوحدنا.
رحنا.
وقفت قدام القبر، حطت وردة، وقالت: — أنا سامحتك. مش علشان كل حاجة بقت سهلة… لكن علشان أنا تعبت من شيل الغضب.
ثم أضافت: — وشكرًا إنك بعت الدمية.
أنا وقفت جنبها.
ولأول مرة، قلت لسيف بصوت مسموع: — وأنا كمان سامحت الجزء اللي حاول يصلح.
مش كله.
بس الجزء ده.
رجعنا البيت بعد الغروب.
لين دخلت أوضتها وعلقت نصف القلب الفضة جنب صورتها وهي صغيرة.
أما أنا، ففتحت الصندوق القديم.
كان فيه الدفتر، وصورة سيف، ونسخة من أول رسالة كتبها:
“أنقذيني… وما تثقيش فيها.”
ابتسمت بحزن.
لأنه كان غلطان في جزء وصح في جزء.
ماكانش لازم أثق بسهولة.
لكن في النهاية، الست اللي قال لي ما أثقش فيها… كانت هي اللي أنقذت بنتي من رصاصة.
والرجل اللي كنت أظنه مات جواه كل إحساس… مات وهو بيحاول يكون أبًا.
والدمية اللي كنت هرميها في الزبالة… كانت الشيء الوحيد اللي فتح باب الحقيقة.
قفلت الصندوق.
وسمعت لين بتنادي من أوضتها: — ماما، هتتعشي ولا هتفضلي تفتحي في الذكريات؟
ضحكت.
ضحكة حقيقية.
وقلت: — جاية يا قلب ماما.
خرجت من الأوضة وسيبت الصندوق مقفول.
لأن بعض الحكايات لازم تتقفل.
مش علشان ننساها.
لكن علشان ما تفضلش ساكنة معانا في كل نفس.
في المطبخ، لين كانت بتحضر شاي، والبحر صوته واصل من بعيد، والبيت كان دافي.
مافيش خبط على الباب.
مافيش خطوات في السلم.
مافيش دمية بتخبي سر في بطنها.
بس أم وبنت.
وعمر جديد اتكتب بصعوبة.
قبل ما أنام الليلة دي، بصيت للدمية أمل وهي قاعدة على رف صغير في أوضة لين.
كانت مخيطة من جنبها بخيط واضح.
جرح باين.
لكنها واقفة.
زيّنا.
لمستها بإيدي وقلت بهمس: — شكرًا.
وبعدين طفيت النور.
ولأول مرة من سنين طويلة…
لما الساعة قربت من تلاتة الفجر…
ماصحيتش مفزوعة.
ماسمعتش خبط.
ماحسيتش إن الماضي واقف ورا الباب.
نمت.
وفي حضني سلام صغير، اتأخر كتير… لكنه أخيرًا وصل.
تمت