بعد سنوات حكايات اسما السيد 3

— عايز أقولك حاجة.
أحمد بصله.
— اتفضل.
كريم قعد.
فضل ساكت دقيقة كاملة.
ثم قال:
— أنا كنت عارف.
ساد الصمت.
— عارف بإيه؟
— إن محمود كان بيخبي الفلوس.
الأم شهقت.
الأب بص لابنه الصغير بصدمة.
كريم نزل رأسه.
— لكن أقسم بالله…
ما كنتش أعرف إنه منع عنكم العلاج… ولا إنه قال إن أحمد بطل يبعت فلوس.
أحمد سأله بهدوء:
— كنت بتاخد منه فلوس؟
هز كريم رأسه ببطء.
— كان بيديني كل شهر مبلغ… ويقولي اسكت، دي مكافأة.
— كام؟
— عشرين ألف.
الأم بكت.
— يعني كنت شايف حالنا وساكت؟
كريم انفجر في البكاء.
— كنت جبان.
كنت خايف منه.
مد كريم يده داخل جاكيته.
وأخرج مفتاحًا صغيرًا.
حطه قدام أحمد.
— ده مفتاح مخزن قديم.
أحمد عقد حاجبيه.
— مخزن إيه؟
— المخزن اللي محمود كان يمنع أي حد يدخله.
وفيه…
كل الملفات الأصلية اللي ما قدرش يحرقها.
سارة أخذت المفتاح بسرعة.
وقالت:
— لو كلامك صح…
الق\ضية انتهت.
لكن كريم هز رأسه.
وقال الجملة التي جعلت الجميع يتجمد:
— الحقوا بسرعة…
لأن محمود كلمني من ساعة.
وقال إنه بعت حد يفضي المخزن الليلة.
انطلقت نظرات أحمد وسارة نحو بعضهما.
لم يكن أمامهما سوى ساعات قليلة…
إما أن يصلوا قبل اختفاء الأدلة…
أو تضيع الحقيقة إلى الأبد.
يتبع…
الفصل الحادي عشر
ساد صمت ثقيل.
أحمد بص للضابط…
وبعدين بص لمحمود.
محمود كان واقف واثق من نفسه.
رغم توتره…
كان مقتنع إن الجولة دي كسبها.
الضابط فتح الملف اللي في إيده.
وقال بهدوء:
— قبل ما أي حد يتكلم… لازم أوضح إن أمر النيابة الجديد صدر من عشر دقائق.
محمود ابتسم.
وقال بثقة:
— أكيد علشان الأوراق اللي سرقها.
الضابط رفع عينه ناحيته.
— لا.
الابتسامة اختفت من وش محمود.
— الأمر صدر…
بالتحفظ على المخزن بالكامل.
وكل اللي فيه.
وإرسال المستندات للطب الشرعي وإدارة مكافحة التزوير.
أحمد تنفس براحة.
أما محمود…
فبدأت ملامحه تتغير.
سارة تقدمت خطوة.
وسلمت الضابط الدفتر الأسود.
وقالت:
— ده اتلقَى داخل المخزن.
وأثبتنا مكان العثور عليه بالتصوير.
الضابط استلمه.
وختم عليه بمحضر رسمي.
ثم قال:
— من اللحظة دي…
أي ورقة هتخرج من المخزن هتعتبر دليل ق\ضية.
بعد ساعات…
في مقر النيابة…
بدأ فحص الدفتر.
الخبير قلب الصفحات واحدة واحدة.
وفجأة وقف.
وقال:
— استنوا.
قرب عدسة مكبرة من آخر صفحة.
الجزء الممزق كان لسه ظاهر فيه آثار حبر.
استخدم مادة خاصة لإظهار الكتابة.
وببطء…
بدأ الاسم يظهر حرفًا وراء حرف.
“ف…”
“ا…”
“ر…”
“و…”
“ق…”
قرأ الخبير الاسم كاملًا.
فاروق عزت.
أحمد عقد حاجبيه.
— مين فاروق؟
سارة شهقت.
— معقول؟
أحمد بص لها.
— تعرفيه؟
قالت وهي ما زالت مصدومة:
— ده المحامي اللي نقل الأرض باسم محمود.
الأب رفع رأسه.
— هو نفسه الراجل اللي خدني الشهر العقاري.
الخبير أكمل:
— واضح إنه كان أكتر من مجرد محامي.
استخرجت النيابة ملف فاروق.
والمفاجأة…
إن اسمه ظهر في سبع قضايا قديمة.
كلها فيها كبار سن.
وتوكيلات.
وأراضٍ اتباعت بعد توقيعات مشكوك فيها.
لكن في كل مرة…
كان يخرج لعدم كفاية الأدلة.
سارة ابتسمت لأول مرة.
— المرة دي…
الأدلة موجودة.
في غرفة التحقيق…
دخل فاروق بكل هدوء.
بدلة شيك.
ورابطة عنق.
وقعد وكأنه جاي اجتماع.
وكيل النيابة سأله:
— تعرف محمود؟
ابتسم.
— طبعًا… موكلي.
— تعرف الحاج عبدالسلام؟
— قابلته مرتين.
وكيل النيابة حط قدامه الدفتر الأسود.
ثم التسجيل الصوتي.
ثم صورة العقد الأصلي.
وبعدين قال:
— لسه هتنكر؟
لأول مرة…
اختفت الابتسامة من وش فاروق.
في نفس الوقت…
كان كريم قاعد لوحده في ممر النيابة.
حاسس بالذنب.
قرب منه أحمد.
وقعد جنبه.
بعد لحظات صمت…
قال كريم وهو بيبكي:
— أنا عارف إنك مش هتسامحني.
أحمد بص قدامه.
— مش دلوقتي.
كريم نزل رأسه.
— بس صدقني…
كنت كل يوم أبص لباب البيت وأقول يمكن ترجع.
ولو كنت رجعت بدري سنة واحدة…
كان زمان كل ده ما حصلش.
أحمد تنهد.
— اللي فات خلاص فات.
دلوقتي أهم حاجة…
بابا وماما.
والحق يرجع.
بعد يومين…
خرج تقرير الطب الشرعي.
وأكد أن:
توقيع الأب صحيح…
لكن نصوص العقود المطبوعة تم استبدالها بعد التوقيع في أكثر من مستند.
كما وُجدت دلائل على العبث ببعض الصفحات وإضافة بنود لم تكن موجودة في النسخة الأصلية.
التقرير قلب الق\ضية بالكامل.
لم تعد مجرد خلاف عائلي…
بل ق\ضية احتيال وتزوير مكتملة الأركان.
وفي نهاية اليوم…
وصل أحمد اتصال من رقم مجهول.
رد بهدوء.
جاله صوت امرأة كبيرة في السن.
قالت:
— إنت أحمد؟
— أيوه.
— أنا كنت السكرتيرة اللي اشتغلت مع فاروق عشرين سنة.
أنا عندي حاجة…
لو وصلت للنيابة…
مش هتسجن محمود بس.
هتكشف شبكة كاملة بتسرق كبار السن من سنين.
أحمد وقف مكانه.
وسألها بسرعة:
— فين حضرتك؟
ردت بصوت مرتجف:
— الحقني…
قبل ما يوصلوا لي.
يتبع…الفصل الثاني عشر
