جوزي غادر روماني مكرم 1
زوجى غادر عزاء والدي بعد دفنه مباشرة، وسافر إلى دهوك مع المرأة التي يخونني معها
وفي الساعة الثالثة فجرًا… وصلتني رسالة من رقم والدي المتوفى تقول:
“يا ابنتي… تعالي إلى وادي السلام حالًا. وإياكِ أن تثقي بزوجك.”
كنت ما أزال أرتدي العباءة السوداء التي دفنت بها أبي.
وكان تراب المقبرة ما يزال عالقًا أسفل حذائي.
ورائحة الكافور والمسك لم تفارق يدي.
أما زوجي…
فكان يحتفل.
الحاج عبد الزهرة دُفن قبل ساعات فقط.
وكان الرجال ما يزالون يقرؤون الفاتحة عند باب المنزل.
وصيوان العزاء ممتلئًا بالمُعزّين.
وأصوات القرآن تتردد في أرجاء البيت.
لكن كرار لم ينتظر حتى ينتهي يوم الدفن.
وقف أمام الجميع بدور الزوج المكسور.
قبّل رأسي.
ووضع يده على كتفي كأنه أكثر شخص حزنًا في المكان.
وبعد أقل من ساعة…
ركب سيارته السوداء واختفى.
قال لي قبل أن يغادر:
لديّ عمل ضروري في دهوك.
ضروري.
وبعدها بنصف ساعة فقط…
نشرت “أطياف” صورة من فندق فاخر.
عشاء.
ضحكات.
وأكواب عصير على الطاولة…
ويد كرار ظاهرة فوق ساقها بوضوح.
كان أبي قد دُفن لتوّه في وادي السلام…
بينما كان زوجي يحتفل بالفعل.
أرسلت إليه وأنا أرتجف:
أحقًا تركتني وحدي في هذا اليوم؟
فأجاب بسرعة غريبة:
“لا تثيري الدراما يا زينب. والدكِ مات… والحياة لا تتوقف.”
قرأت رسالته وأنا جالسة في مطبخ منزلنا القديم.
المطبخ نفسه الذي علّمني فيه أبي إعداد الشاي الثقيل.
المكان نفسه الذي كان يجلس فيه بعد صلاة الفجر يقرأ القرآن بصوته الهادئ.
والمكان نفسه الذي قال لي فيه يومًا:
يا ابنتي… الرجل الذي يترككِ وقت انكساركِ، لا تبكي عليه. انظري فقط إلى حقيقته.
توفيت أمي سكينة منذ سنوات.
وأخواي غالب ومهدي لم يكونا بجانبي أصلًا.
كانا يتشاجران على الأراضي والمخازن وسيارة أبي القديمة.
حتى بعد الدفن…
لم يتوقف حديثهما عن الميراث.
ولم يسألني أحد إن كنت قد تناولت طعامًا.
ولم ينتبه أحد أن عباءتي السوداء كانت مبللة بالعرق والدموع.
وكان المنزل كله يفوح برائحة القهوة المُرّة والبخور والورد الذابل.
وفي الساعة الثانية وتسعٍ وخمسين دقيقة فجرًا…
أطفأت الأنوار أخيرًا.
ثم اهتز هاتفي.
نظرت إلى الشاشة…
فتجمّد الدم في عروقي.
“أبي”
لم يكن رقمًا مجهولًا.
ولم يكن اتصالًا غريبًا.
بل رقم أبي نفسه.
الرقم الذي أطفأناه قبل دفنه…
ووضعناه بجانبه داخل الكفن مع سبحته وخاتمه الفضي.
فتحت الرسالة وأصابعي ترتجف:
“يا ابنتي… تعالي إلى وادي السلام حالًا. لا تخبري أحدًا. ادخلي من الباب الخلفي… وإياكِ أن تثقي بكرار.”
سقط الهاتف من يدي.
وأصبحت الغرفة صامتة بشكل مخيف.
حتى صوت المكيّف اختفى فجأة.
اتصلت بالرقم مرة.
مرتين.
ثلاث مرات.
وفي المرة الثالثة…
أجاب أحدهم.
لكنني لم أسمع سوى صوت هواء خافت…
كأن شخصًا يتنفس بصعوبة.
وضعت يدي فوق فمي حتى لا أصرخ.
ثم أخذت مفاتيحي بسرعة.
وارتديت عباءتي.
وأخذت مسبحة أمي من فوق الطاولة.
لم أتصل بغالب.
ولا مهدي.
ولا الشرطة.
أما كرار…
فكان في سرير فندق مع أطياف.
بينما أبي…
ميتًا كان أم لا…
كان يناديني من قبره.
قدت سيارتي والبرد ينهش أطرافي.
الشوارع كانت فارغة.
باردة.
وصامتة بشكل مرعب.
وفي كل إشارة مرور…
كنت أشعر أن أحدًا يجلس خلفي.
وصلت إلى وادي السلام قرابة الثالثة والنصف فجرًا.
كان الباب الأمامي مغلقًا.
لكن الباب الخلفي…
كان مفتوحًا قليلًا.
تمامًا كما قالت الرسالة.
دخلت ببطء.
فضربتني رائحة التراب الرطب والكافور بقوة.
كانت القبور ساكنة.
والريح تحرّك الأعلام السوداء المعلّقة بعيدًا.
وفجأة…
اهتز هاتفي مرة أخرى.
“اذهبي إلى قبر أمكِ… ولا تلتفتي.”
ضعفت ركبتاي.
لكنني تابعت السير.
مررت بقبور قديمة.
وشموع مطفأة.
وصور موتى غطّاها الغبار.
حتى وصلت إلى قبر أمي.
وهناك…
رأيت شيئًا جعل قلبي يتوقف.
سيارة كرار كانت متوقفة قرب السور الخلفي للمقبرة.
رغم أنه من المفترض أن يكون في دهوك.
اختبأت بسرعة خلف أحد القبور.
ورأيته.
#الكاتب_رومانى_مكرم
كان يقف مع رجل يحمل أدوات حفر.
وسمعته يقول بصوت منخفض:
يجب أن نجد الصندوق قبل أن تصل زينب.
تجمّد الدم في عروقي.
أي صندوق؟
اما الذي كان يخفيه والد زينب داخل ذلك الصندوق؟
ولماذا عاد كرار إلى المقبرة منتصف الليل قبل أن تصل هي بلحظات؟
الجزء الثاني سيكشف السر الذي قلب كل شيء رأسًا على عقب…وسيبلى لايك وكومنت بالصلاه على النبي وهرد عليك بباقى القصه كامله للنهايه حكايات رومانى مكرم
رأيته يلتفت حوله بعصبية، ثم أخرج مصباحًا صغيرًا من جيبه وسلّطه على الأرض قرب قبر أمي.
أما الرجل الذي معه… فبدأ يزيح التراب بسرعة وكأنه يعرف المكان تمامًا.
حبست أنفاسي خلف القبر، ويدي ترتجف فوق مسبحة أمي.
لم أكن أفهم شيئًا.
قبل ساعات فقط دفنّا أبي. وزوجي من المفترض أنه في دهوك مع عشيقته. لكنّه الآن هنا… في وادي السلام… يحفر قبرًا منتصف الليل.
وفجأة سمعته يقول بصوت منخفض وغاضب:
— قلت لك الحاج عبد الزهرة خبّى الصندوق هنا قبل ما يموت… لو لقته زينب قبلنا انتهى كل شيء.
رد الرجل: — بس المكان مو واضح… ويمكن الرجال الكبار نقلوه.
اقترب كرار منه بعصبية: — مستحيل. عبد الزهرة كان شاكّ بكل الناس… حتى أولاده. أكيد خبّاه قريب من سكينة.
عندما ذكر اسم أمي… شعرت بقشعريرة تسري في ظهري.
أبي وأمي كانا يخفيان شيئًا؟ وما علاقة كرار بالأمر؟
وفجأة… رن هاتف كرار.
نظر إلى الشاشة بسرعة ثم ابتعد قليلًا حتى لا يسمعه الرجل.
لكني سمعت الاسم بوضوح.
“أطياف”.
ضغط على الاتصال وهمس: — اسمعيني… لسه ما لقيناه. وإذا زينب عرفت الحقيقة راح نخسر كل شيء.
كل شيء؟
ما الذي يمكن أن يجعل زوجي يخونني… ويعود للمقبرة سرًا… ويحفر قرب قبر أمي؟
ثم حدث شيء لم أتوقعه أبدًا.
هاتفـي اهتز داخل عباءتي.
كدت أصرخ.
أخرجته بسرعة…
رسالة جديدة.
من رقم أبي.
“لا تخرجي من مكانكِ… الرجل الذي مع كرار قت*ل أمكِ.”
شعرت أن الهواء اختفى من حولي.
أمي؟
أمي ماتت بجلطة قبل سبع سنوات.
هذا ما أخبرونا به جميعًا.
لكن الرسالة كانت واضحة لدرجة مرعبة.
الرجل الذي مع كرار قت*ل أمكِ.
ارتفعت دقات قلبي بشكل جنوني. ونظرت نحو الرجل من خلف القبر.
كان أصلع الرأس. ضخم الجسد. ويرتدي معطفًا أسود متّسخًا بالتراب.
وفجأة… تذكّرته.
رأيته قبل سنوات.
يوم وفاة أمي.
كان يقف عند باب المستشفى يتحدث مع أبي بعصبية.
لكنني يومها كنت منهارة ولم أفهم شيئًا.
تراجعت للخلف بخوف… فاصطدمت قدمي بحجر صغير.
صدر صوت خافت.
لكن في صمت المقبرة… كان كافيًا.
التفت كرار فورًا.
— من هناك؟!
تجمّدت مكاني.
اقترب الرجل الضخم وهو يسلّط المصباح بين القبور.
سمعت خطواته تقترب أكثر… وأكثر…
حتى أصبح على بعد خطوات فقط مني.
وضعت يدي فوق فمي حتى لا يسمع صوت أنفاسي.
ثم فجأة…
دوّى صوت أذان الفجر من بعيد.
توقف الرجل للحظة.
وفي تلك الثانية… ركضت.
ركضت بين القبور بلا اتجاه.
وكانت عباءتي تتعلّق بالحجارة والتراب.
سمعت كرار يصرخ خلفي: — زينب! توقفي!
إذن رآني.
ركضت أكثر حتى تعثرت وسقطت قرب قبر قديم.
شعرت بألم حاد في ركبتي.
لكن قبل أن أمسك نفسي… ظهرت يد من الظلام وسحبتني بسرعة خلف جدار إسمنتي قديم.
كدت أصرخ… لكن اليد غطّت فمي.
وهمس صوت عجوز مرتجف:
— اسكتي يا بنت عبد الزهرة… إذا شافوچ راح يقت*لونچ.
نظرت إليه بصدمة.
كان شيخ المقبرة “أبو حيدر”.
الرجل الذي كان صديق أبي منذ عشرات السنين.
كان يرتجف بشكل واضح.
وقال بسرعة: — تعالي معي… ما عدنا وقت.
قادني بين الممرات الضيقة حتى وصلنا إلى غرفة صغيرة قرب سور المقبرة الخلفي.
أغلق الباب الحديدي بسرعة… ثم أشعل مصباحًا قديمًا.
كان وجهه شاحبًا بشكل مخيف.
قلت وأنا ألهث: — عمو أبو حيدر… شنو اللي يصير؟! وليش أبوي يراسلني من رقمه؟!
نظر إليّ طويلًا… ثم قال الجملة التي قلبت حياتي كلها:
— لأن أبوچ ما مات موتة طبيعية يا زينب.
شعرت أن الأرض تميد بي.
— شنو؟!
جلس الرجل بصعوبة فوق كرسي خشبي وقال: — أبوچ كان يعرف إنهم يريدون يقت*لونه من أشهر… وكان يعرف إن كرار مو داخل حياتچ صدفة.
اتسعت عيناي.
— كرار؟!
أخرج أبو حيدر مفتاحًا صغيرًا من جيبه المرتجف.
وقال: — قبل ما يموت بساعات… إجاني أبوچ بنفسه. كان تعبان وخايف بشكل مو طبيعي. وكلّفني إذا صارله شي… أسلّمچ هذا.
وضع المفتاح في يدي.
كان فضيًا صغيرًا… وعليه رقم “17”.
قلت بارتباك: — هذا شنو؟
أجاب: — مفتاح صندوق الأمانات بالبنك.
ثم اقترب مني وهمس: — الصندوق اللي يدورون عليه مو بالمقبرة أصلًا.
تجمّدت.
إذن كرار لا يعلم الحقيقة.
لكن… ما الموجود داخل الصندوق؟
تنهد أبو حيدر وقال: — مستندات. تسجيلات. وأسماء ناس كبار جدًا. أبوچ كان يحتفظ بأسرار تدمر ناس كثير.
ثم أضاف بصوت أخفض: — وكرار واحد منهم.
لم أعد أستوعب شيئًا.
زوجي؟ زوجي متورط مع رجال خطرين؟ وأبي كان يخفي أسرارًا عنهم؟
قلت بصدمة: — بس أبوي كان تاجر بسيط!
ضحك أبو حيدر بمرارة: — هذا اللي كان يريد الكل يصدقه.
ثم فتح درجًا قديمًا وأخرج ظرفًا بنيًا.
ناولني إياه وقال: — افتحيه.
فتحت الظرف بيدين مرتجفتين…
وكانت الصدمة الثانية.
صور.
صور كثيرة.
كرار… مع أطياف… لكن ليس هذا ما أرعبني.
بل الصور الأخرى.
كرار مع أخي “غالب”.
وكرار مع الرجل الأصلع نفسه.
وهم يقفون أمام مخازن أبي.
ثم صورة أخيرة…
أبي.
مربوط على كرسي.
وعيناه ممتلئتان بالدم.
شهقت بقوة.
وكاد الظرف يسقط من يدي.
صرخت: — يا الله…
قال أبو حيدر: — هاي الصورة وصلت لأبوچ قبل يوم من موته.
لم أعد قادرة على التنفس.
— يعني… يعني هم عذبوه؟!
أطرق العجوز رأسه بحزن.
— عبد الزهرة كان يعرف إنهم يريدون منه شي مهم… لكنه رفض يعطيهم المكان.
— مكان شنو؟!
اقترب أكثر وقال: — ملفات تدين شبكة تهريب كبيرة جدًا… أراضي… سل*اح… وغسيل أموال. أبوچ كان شريك قديم… وبعدين حاول ينسحب.
وضعت يدي فوق رأسي.
أبي؟ الحاج عبد الزهرة الذي كان يصلي الفجر يوميًا ويطعم الفقراء؟ كان داخل شبكة خطيرة؟
كأن أبو حيدر قرأ أفكاري فقال: — أبوچ غلط زمان… لكنه حاول يصلّح كل شي قبل موته.
ثم أضاف: — ولهذا قت*لوه.
في تلك اللحظة… اهتز الباب الحديدي بقوة.
تجمّدنا.
ثم سمعنا صوت كرار بالخارج:
— أعرف إن زينب هنا… افتح الباب يا أبو حيدر!
شعرت أن الدم تجمّد في عروقي.
أبو حيدر أطفأ المصباح فورًا.
وأمسك ذراعي بقوة.
— اسمعيني زينب… إذا طلعتي له هسه راح تموتين.
ثم أشار إلى فتحة صغيرة خلف الغرفة.
— اطلعي من هنا وروحي للبنك أول ما يفتح.
قلت بخوف: — وأنت؟
ابتسم بحزن: — أني عجوز… أما إنتِ لازم تعيشين.
ازداد الطرق على الباب بعنف.
— افتح وإلا نكسره!
دفعني أبو حيدر نحو الفتحة.
خرجت منها بصعوبة إلى ممر ترابي خلف المقبرة.
وفي اللحظة التي ابتعدت فيها خطوات قليلة…
سمعت صوت تحطم الباب.
ثم صرخة أبو حيدر.
ثم… طلقة نار.
وضعت يدي فوق فمي حتى لا أصرخ.
والدموع انفجرت من عيني.
ركضت.
ركضت بلا توقف حتى وصلت سيارتي.
وكان الفجر قد بدأ يلوّن السماء بلون رمادي باهت.
أغلقت الأبواب بسرعة… وأدرت المحرك.
لكن قبل أن أتحرك…
ظهر كرار أمام السيارة فجأة.
ضرب بيده فوق الزجاج وهو يصرخ:
— افتحي الباب يا زينب! لازم نحچي!
ضغطت قدمي على البنزين بقوة.
وانطلقت السيارة.
كاد جسده يرتطم بالمقدمة.
ورأيته في المرآة يصرخ بغضب هستيري.
لأول مرة في حياتي… خفت من زوجي فعلًا.
وصلت إلى البيت بعد شروق الشمس بقليل.
كان صيوان العزاء ما يزال ممتلئًا.
وأصوات القرآن مستمرة.
وكأن العالم كله لا يعرف أن ج*ريمة حدثت قبل ساعة فقط.
دخلت بسرعة إلى غرفتي وأغلقت الباب.
ثم فتحت الظرف مرة أخرى.
وكانت هناك ورقة صغيرة لم أنتبه لها.
مكتوب عليها بخط أبي:
“إذا وصلتكِ هذه الأوراق… فاعرفي أنني فشلت في حمايتكِ يا ابنتي.”
انهرت بالبكاء.
وأكملت القراءة.
“كرار تزوجكِ بأوامر من غالب. كانوا يريدون الوصول إلى الملفات التي أحتفظ بها منذ سنوات. لا تثقي بإخوتكِ. ولا تذهبي إلى الشرطة المحلية. يوجد رجال منهم هناك.”
شعرت بدوار شديد.
أخي؟ غالب؟ متورط أيضًا؟
ثم وجدت سطرًا أخيرًا:
“الشخص الوحيد الذي قد يساعدكِ… اسمه العميد سيف التميمي.”
وفي أسفل الورقة… رقم هاتف.
مسحت دموعي بسرعة وأخذت الهاتف.
لكن قبل أن أتصل…
دخلت أطياف إلى المنزل.
نعم… أطياف نفسها.
كانت ترتدي عباءة سوداء ونظارة كبيرة كأنها جاءت للعزاء.
وسارت وسط النساء بثقة غريبة.
ثم اقتربت من غرفتي.
شعرت بقلبي يتوقف.
وقبل أن أغلق الباب… قالت بصوت هادئ:
— لازم نحچي يا زينب… لأن كرار راح يقت*لني أنا بعد.
يتبع