عشيقة جوزي حكـايـات أسمـا ×2
فتحتُ الرسالة ويدي ترتجف، كانت تحتوي على صورتين؛ الأولى لتقرير طبي يحمل اسم عشيقة آدم “ندى”، والثانية لصور أشعة سونار مؤرخة قبل أسبوع واحد فقط. وتحتها سطر واحد مكتوب باقتضاب: *(التوأم ليسوا أولاد آدم.. العائلة تشتري الوهم، وأنتِ وحدكِ من تملك الحقيقة).*
تسمرتُ في مكاني، وتلاشت برودة التجمع التي كانت تحيط بالفيلا ليحل محلها لهيب من الأفكار المتضاربة. عائلة الشاذلي التي ضحت بي، وطردتني في سبعة أيام خوفًا على سمعتها “المقدسة”، تدفع الملايين وتستعد لزفاف أسطوري من امرأة تخدع ابنهم وتملأ بطنها بنسب غريب. والأكثر سخرية، أن الحفيد الحقيقي الوحيد لعائلة الشاذلي كان يتحرك الآن في أحشائي أنا.. الزوجة المطرودة.
نظرتُ إلى حقيبتي المفتوحة على السرير، وإلى الأوراق المالية الملقاة بجانبها. عقلي كان يصرخ: *اهربي.. خذي الملياري جنيه وابدئي من جديد في مكان لا يعرفك فيه أحد*. لكن كرامتي التي دُهست على مدار خمس سنوات داخل هذه الجدران الزجاجية كانت لها رأي آخر. الخروج النظيف الذي خططوا له لن يكون بالسهولة التي يتخيلونها.
في تمام الساعة السابعة مساءً، عاد آدم إلى المنزل. كان يبدو عليه الإرهاق، لكن ملامحه كانت تحمل ذلك الزهو المقيت لرجل يظن أنه رتّب حياته كما يشتهي. دخل إلى غرفة المكتب ليضع أوراقه، فتبعتُه بخطوات واثقة لم يعتدها مني طوال سنوات زواجنا.
التفت إليّ مستغربًا، وقال بنبرة جافة:
* نهى؟ هل انتهيتِ من ترتيبات السفر؟ لم يتبقَ أمامكِ سوى يومين.
جلستُ على المقعد المقابل لمكتبه، وضعتُ قدمًا فوق الأخرى، ونظرتُ في عينيه مباشرة دون الصمت والتنازل الذي علمني إياه طوال خمس سنوات، وقلت بهدوء مرعب:
* لن أسافر يا آدم. على الأقل، ليس قبل أن نتحدث في أمر الصفقة التي عقدتها عائلتك.
تغيرت ملامحه فورًا، وارتسمت على وجهه علامات الغضب الضمني:
* العقد تم توقيعه، والمال في حسابك. عائلتي لا تتراجع في كلمتها، وأنتِ وقعتِ بمحض إرادتك. لا تبدئي في اختلاق المشاكل الآن.
ابتسمتُ ببرود، وأخرجتُ هاتفي، ثم قمت بنسخ الرسالة المجهولة وإرسالها إلى رقمه. ساد الصمت في الغرفة لثوانٍ حتى أضاء هاتفه. رأيته يمسك به، يفتح الصور، وتدريجيًا بدأت الدماء تهرب من وجهه، لتتحول بشرته إلى شحوب الموتى.
* ما.. ما هذا؟ من أين جئتِ بهذا الكلام الفارغ؟ – قالها وصوته يرتجف، يحاول جاهدًا أن يتماسك لكن عينيه خانتاه.
وقفتُ واقتربتُ من المكتب، واستندتُ بيدي عليه قائلة بنبرة حاسمة:
* هذا الكلام الفارغ هو الحقيقة التي ستدفع عائلتك ملياري جنيه أخرى لتدفنها. عشيقتك تبيع لك وهمًا، وعائلتك الكريمة تطرد زوجتك الشريفة لتستقبل امرأة تحمل اسمًا آخر في بطنها.
وقبل أن ينطق بكلمة واحدة، انفتح باب المكتب بقوة، ودخلت حماتي وعلامات الصرامة تعلو وجهها، وبدت وكأنها كانت تستمع خلف الباب. نظرت إليّ بغل وقالت:
* ما الذي يحدث هنا؟ نهى، صوتكِ بدأ يعلو في هذا البيت، ونحن لا نسمح…
قاطعها آدم بصوت مكسور تمامًا، وهو يرفع الهاتف نحوها:
* أمي.. انظري إلى هذا.
التفتُّ نحو النافذة الزجاجية الكبيرة أراقب انعكاس وجوههم المصعومة خلفي وهي تتأمل الانهيار الوشيك لسمعتهم. كنت أعلم أن هذه المواجهة ليست النهاية، بل هي اللحظة التي ستقلب الطاولة فوق رؤوس الجميع، فما زلتُ أحتفظ بالسر الأكبر في بطني، السر الذي لم ينطق به لساني بعد.
تصلبت حماتي في مكانها، وسقطت حقيبة يدها الأنيقة على الأرض دون أن تلاحظ. كانت عيناها تتسعان وهي تقرأ السطور وتطالع صور الأشعة، بينما تحول الشحوب على وجه آدم إلى ملامح رجل يغرق في بئر من الخزي.
نظرتْ إليّ حماتي، ولأول مرة منذ خمس سنوات، رأيت الخوف الحقيقي يرتجف في حدقتيها. الخوف على السمعة التي طالما عبدتها العائلة، الخوف من الفضيحة التي ستجعل اسم “الشاذلي” حديث مجتمعات التجمع الراقي.
حاولت أن تستجمع بقايا جبروتها، وقالت بصوت متحشرج:
* هذا.. هذا تزوير! أنتِ تفعلين هذا لتدمري زواج آدم، وتريدين مساومتنا للحصول على المزيد من المال!
لم يتحرك فيّ عرق واحد. مشيتُ بخطوات بطيئة نحو أريكة المكتب، جلستُ بارتياح، وقلت وعيناي مثبتتان عليها:
* التقرير صادر من المستشفى الذي تديره عائلتكم جزئيًا يا “طنط”، والتاريخ قبل أسبوع واحد فقط، أي قبل أن تجبروني على توقيع عقد الطلاق بـ 48 ساعة. إذا كنتِ تعتقدين أنه تزوير، يمكنكِ الاتصال بطبيب العائلة الآن وسؤاله لِمَ لمْ يخبركم بالحقيبة الجينية للتوأم.
التفتت حماتي نحو آدم، وصرخت فيه بنبرة هستيرية:
* اتصل به فورًا! اتصل بالدكتور حاتم!
كان آدم يمسك بالهاتف ويداه ترتعشان بشكل مخزٍ. ضغط على الأرقام، ووضع الهاتف على مكبر الصوت. مرت ثوانٍ من الرنين كأنها دهر، حتى جاء صوت الطبيب متهدجًا:
* أهلاً آدم بيه.. أنا.. أنا كنت سأتصل بك غدًا.
صاح آدم بعصبية أحرقت ما تبقى من هدوئه:
* حاتم! التقرير الذي خرج من عيادتك بخصوص ندى.. هل التوأم أولادي أم لا؟ انطق!
ساد صمت مرعب عبر الهاتف، صمت كان بمثابة اعتراف كامل. ثم جاء صوت الطبيب خفيضًا ومحملًا بالاعتذار:
* آدم بيه، ندى هانم هددتني، وأنا.. الفحوصات الجينية المبكرة أظهرت عدم تطابق بنسبة كاملة.. التوأم ليسا من صلبك.
سقط الهاتف من يد آدم، وانخرطت حماتي في نوبة من الذهول، تراجعت خطوات حتى استندت إلى الجدار، وهي تمتم بكلمات غير مفهومة عن الشرف والاسم والفضائح.
في تلك اللحظة، التفت آدم نحوي، كانت عيناه مليئتين بالانكسار والرجاء، زحف نحو مقعدي وقال بصوت مخنوق:
* نهى.. أنا آسف. لقد أخطأت.. أخطأت في حقك وفي حق نفسي. أرجوكِ، دعينا ننسى كل ما حدث. العقد باطل، وسأقطع علاقتي بندى فورًا. أنتِ زوجتي، وحياتنا في هذه الفيلا ستعود كما كانت، بل وأفضل.
نظرتُ إلى هذا الرجل الذي كسر قلبي، الذي تركني وحيدة أواجه قسوة عائلته في ليلة ممطرة، والذي باع خمس سنوات من الإخلاص مقابل وهم. ابتسمتُ بسخرية، ووقفتُ أستعد للمغادرة.
وقلت له وهي أواجه حماتي المستسلمة لذهولها:
* حياتي معكم انتهت منذ اللحظة التي وضعتم فيها ثمنًا لكرامتي. الملياري جنيه التي عرضتموها مقابل الطلاق؟ سآخذها كاملة، ليس كتعويض، بل كثمن للسنوات التي ضاعت من عمري في هذا السجن الزجاجي.
التفتُّ نحو الباب، ثم توقفت واستدرتُ إليهم ببطء، ووضعت يدي برقة فوق بطني، ونظرت في أعينهم للمرة الأخيرة قبل أن أنطق بالصاعقة التي ستجعلهم يركعون تحت قدمي في الأيام القادمة:
* أما بالنسبة للحفيد الحقيقي لعائلة الشاذلي.. فإنه ينمو هنا، في أحشائي أنا. ابنك الشرعي الوحيد يا آدم سيسافر معي غدًا، ولن يرى وجوهكم أبدًا.. إلا إذا جئتُ أنا لأملي شروطي عليكم من جديد.
تركتهم خلفي جثثًا هامدة في غرفة المكتب، وخرجت إلى غرفتي لأغلق حقيبتي، وأنا أعلم أن الطائرة التي ستقلع بي غدًا، لن تكون لهروبي.. بل ستكون لبداية التخطيط لعودتي المنتقمة.
في الصباح التالي، كانت أشعة الشمس تضرب زجاج الفيلا لتكشف عن الانهيار الكامل الذي خلفته وراء الكواليس. لم تنم عائلة الشاذلي ليلة أمس؛ فالصراخ الذي هز جدران المنزل حتى الفجر كان كفيلًا بإنهاء زفاف آدم وندى قبل أن يبدأ، ودفن أوهام الحفيد المنتظر في مقبرة الخديعة.
وقفتُ عند باب الصالون الكبير أحمل حقيبة يدي الصغيرة، بينما كانت حقائب سفري تنتظر في الخارج داخل السيارة. كانت حماتي تجلس على الأريكة، وقد بدت عليها علامات الكبر فجأة، اختفت نظرتها الصارمة وحلت محلها عينان مكسورتان تنظران إلى الأرض بكبرياء مهزوم.
أما آدم، فكان يقف بالقرب من النافذة، يرتجف كلما نظر إليّ، تقدم نحوي بخطوات ثقيلة، وصوته يخرج مبحوحًا من كثرة البكاء والتوسل:
* نهى.. أرجوكِ، طائرة غدًا يمكن إلغاؤها. لا تأخذي ابني وترحلي.. أنا مستعد لرفع قضايا على ندى وسجنها، مستعد لأن أكتب هذه الفيلا وكل أملاكي باسمكِ.. فقط لا تحرميني من طفلي الحقيقي.
نظرتُ إليه ببرود لم أعهده في نفسي من قبل، ورفعتُ رأسي بابتسامة هادئة:
* طفلك؟ هذا الطفل هو ابني أنا يا آدم. هو الروح التي أنقذتني من بئر تنازلاتي معكم. بالأمس أخبرتني أن “المغادرة الهادئة هي الأفضل للجميع”، وأنا اليوم أنفذ نصيحتك بحرفيتها.
أمسكتُ بهاتفي وفتحتُ تطبيق البنك لأتأكد من تحويل مبلغ الملياري جنيه بالكامل إلى حسابي الدولي، ثم نظرتُ إلى حماي الذي كان يجلس صامتًا في زاوية الغرفة وعيناه مليئتان بالندم، وقلت له:
* المال وصل، وعقد الطلاق أصبح ساريًا. شروطكم بسبعة أيام لمغادرة البلاد أصبحت شروطي أنا.. سأرحل الآن، ليس لأنكم طردتموني، بل لأن هذا المكان لم يعد يناسب مقامي ومقام طفلي.
التفتُّ لأغادر، فنهضت حماتي فجأة وقالت بصوت متهدج يحمل رجاءً أخيرًا:
* نهى.. على الأقل أخبرينا إلى أين أنتِ مسافرة؟ كيف سنرى حفيدنا؟
التفتُّ إليها عند عتبة الباب، ووضعتُ يدي على بطني بكل فخر، وقلت بنبرة حاسمة صمتت بعدها الأنفاس:
* ستعرفون مكاني عندما يولد هذا الطفل، وتجدون صورته على غلاف أشهر المجلات الاقتصادية كوارث وحيد لعائلة الشاذلي، ولكن بشروطي أنا.. ومن وراء شاشاتكم فقط. اسم الشاذلي الذي عبدتموه لسنوات، سأعيده لكم نقيًا، لكن ثمن رؤيته سيكلفكم الانحناء الكامل لما تبقى من عمركم.
خرجتُ من باب الفيلا الزجاجية دون أن أنظر خلفي ولو لمرة واحدة. ركبتُ السيارة وانطلقت نحو المطار، وأنا أستنشق هواء الحرية لأول مرة منذ خمس سنوات.
بينما كانت الطائرة ترتفع في سماء القاهرة متجهة نحو أوروبا، نظرتُ من النافذة إلى البيوت التي تصغر شيئًا فشيئًا. لم أكن أهرب، ولم أكن مجرد امرأة مطلقة مطرودة.. كنت “نهى الشاذلي” السابقة، و”نهى” الجديدة التي تحمل في أحشائها المستقبل، وفي حسابها القوة، وفي قلبها عهدٌ ألّا تضعف أبدًا بعد اليوم.
