بعد سنوات حكايات اسما السيد 3

الفصل التاسع
محمود فضل باصص للرجل…
وكأن الزمن رجع بيه سنين.
همس بصوت متقطع:
— إنت… إزاي دخلت هنا؟
الرجل ابتسم ابتسامة باردة.
— لما الواحد يعرف الناس الصح… الأبواب كلها بتتفتح.
قعد قدامه بهدوء.
وحط عصايته جنب الكرسي.
ثم قال:
— اسمعني كويس… اللي حصل في التحقيق النهارده مجرد بداية.
محمود بلع ريقه.
— هما عرفوا إيه؟
— لسه قليل… لكن لو اتكلمت، هيعرفوا كل حاجة.
سكت لحظة، ثم أكمل:
— وساعتها… مش هتبقى المشكلة في المحكمة.
هتبقى مع الناس اللي فلوسها ضاعت.
الكلمات نزلت على محمود كالصاعقة.
لأول مرة…
فهم إنه كان مجرد واجهة.
في صباح اليوم التالي…
كانت سارة قاعدة مع أحمد في مكتبها.
أمامها عشرات الملفات.
قالت:
— عندي خبر حلو… وخبر مش حلو.
أحمد ابتسم ابتسامة مرهقة.
— ابدأي بالوحش.
— الوحش إن الق\ضية أكبر بكتير من سرقة فلوسك.
— والحلو؟
فتحت ملفًا أزرق.
— لقينا أول شاهد.
رفع أحمد رأسه بسرعة.
— مين؟
— موظف البنك اللي كان بيستقبل والدك كل مرة.
بعد ساعات…
دخل الرجل غرفة التحقيق.
كان في أواخر الخمسينات.
واضح عليه التوتر.
وكيل النيابة سأله:
— هل تتذكر الحاج عبدالسلام؟
هز رأسه.
— طبعًا.
— إيه اللي كنت بتشوفه؟
تنهد الرجل.
— كل مرة كان ييجي مع ابنه محمود.
والحاج كان يسأل السؤال نفسه.
“أنا همضي على إيه؟”
سكت الجميع.
أكمل الرجل:
— ومحمود كان يرد: “دي إجراءات عادية يا بابا.”
سأله وكيل النيابة:
— وهل كنت تسمع الشرح الحقيقي؟
— لا.
— وهل لاحظت إن الحاج كان بيقرأ الورق؟
— أبدًا.
أحمد غمض عينيه.
أما الأب…
فكان قاعد في آخر القاعة، والدموع مالية عينيه.
بعد انتهاء الجلسة…
خرج أحمد مع أبوه.
الأب وقف فجأة.
وقال:
— خدني عند المقابر.
أحمد استغرب.
— دلوقتي؟
— أيوه.
وصلوا قبر الأم.
الأب قعد قدامه.
وحط إيده على الرخام.
وقال بصوت مكسور:
— سامحيني…
أنا حافظت على تعبنا أربعين سنة.
وضيعته في لحظة ثقة.
أحمد حط إيده على كتف أبوه.
— مفيش حاجة ضاعت.
لسه هنرجع حقك.
الأب بصله.
— أهم من الأرض والفلوس…
ترجع أخوك.
أحمد سكت.
لأول مرة…
حس إن أبوه لسه شايف محمود ابنه…
مش عدوه.
في مساء اليوم نفسه…
دخل كريم على أحمد.
كان شكله متعب.
وشه أصفر.
وعينيه حمرا من السهر.
قال بصوت منخفض: