عروستي حكـايـات أسمـا ×3

الفصل الثالث

 

تجمدت ياسمين مكانها.

 

الهواء البارد ضرب وشها وهي واقفة قدام الفندق.

 

وأصوات الناس والشرطة والهرج اللي وراها بقت بعيدة.

 

كأنها جاية من عالم تاني.

 

بصت للمستشار فؤاد.

 

ـ إنت بتتكلم بجد؟

 

هز رأسه.

 

ـ أبوكي سلمني الظرف بنفسه قبل وفاته بأسبوع.

 

عمر قرب منهم.

 

ـ وأنا أول مرة أسمع بالكلام ده.

 

تنهد فؤاد.

 

ـ لأن دي كانت وصية خاصة جدًا.

 

سكت لحظة.

 

ثم قال:

 

ـ وقال بالحرف الواحد: لو بنتي ياسمين اتعرضت لخيانة من أقرب الناس ليها… ساعتها بس افتحوا الظرف.

 

شعرت ياسمين بقشعريرة.

 

لأن أبوها كان راجل معروف بقوة ملاحظته.

 

وكان دايمًا يقول لها:

 

“أخطر عدو مش اللي بيكرهك… أخطر عدو اللي بيحبك قدام الناس.”

 

في الوقت ده خرجت سيارات الشرطة من الفندق.

 

وفي واحدة منها كان كريم.

 

أما سارة…

 

فكانت قاعدة تبكي في سيارة تانية.

 

لكن ياسمين ما التفتتش.

 

ولا حتى مرة.

 

لأنها عرفت إن بعض الأبواب لما تتقفل…

 

لازم تفضل مقفولة.

 

بعد ساعة.

 

وصلوا لمكتب المستشار فؤاد.

 

المكان نفسه اللي أبوها كان بيقضي فيه ساعات طويلة.

 

ريحة الخشب القديمة.

 

المكتبة الضخمة.

 

وصورة والدها المعلقة على الحائط.

 

كل حاجة رجعتها سنين لورا.

 

فتح فؤاد خزنة حديدية كبيرة.

 

ومن جوه طلع صندوق أسود صغير.

 

حطه قدامها.

 

وقال:

 

ـ ده هو.

 

إيد ياسمين ارتعشت.

 

لأول مرة من بداية الليلة.

 

رفعت الغطا ببطء.

 

جواه ظرف بني قديم.

 

مكتوب عليه بخط أبوها:

 

“إلى ابنتي ياسمين… إذا كنتِ تقرئين هذه الرسالة، فمعنى ذلك أنني كنت محقًا.”

 

امتلأت عيناها بالدموع.

 

لكنها فتحت الرسالة.

 

وبدأت تقرأ.

 

“بنتي الحبيبة…

 

لو وصلتي للرسالة دي، يبقى فيه حد حاول يخدعك أو سرقتك أو خانك.

 

وأنا آسف إني مش موجود جنبك.

 

لكن في حاجة لازم تعرفيها.

 

أنا كنت شايف حاجات كتير قبل ما أموت.”

 

توقفت ياسمين.

 

رفعت عينيها بسرعة.

 

ثم أكملت.

 

“كنت شايف طمع كريم المنصوري.

 

وشايف نظرات سارة.

 

وشايف ضعف أمك قدامها.”

 

شهق عمر.

 

أما فؤاد فبدا كأنه كان يعرف محتوى الرسالة مسبقًا.

 

واصلت القراءة.

 

“يمكن أكون غلطان.

 

لكن لو طلع إحساسي صح…

 

يبقى لازم تعرفي الحقيقة اللي محدش يعرفها.”

 

هنا بدأت دقات قلبها تتسارع.

 

“الشركة اللي الكل فاكر إنها ملكك بنسبة 60% فقط…

 

في الحقيقة مش هي أكبر أصول العائلة.”

 

اتسعت عيناها.

 

ونظرت للمستشار.

 

لكنه أشار لها تكمل.

 

“منذ خمسة عشر عامًا اشتريت أراضي وشركات واستثمارات باسم شركة قابضة سرية.

 

ولم أسجلها باسم أي فرد من العائلة.”

 

سقط الصمت على الغرفة.

 

حتى عمر كان مذهولًا.

 

“القيمة الحالية لتلك الأصول تتجاوز مليار جنيه.”

 

تجمد الجميع.

 

مليار جنيه.

 

ياسمين أعادت قراءة السطر مرتين.

 

كأنها مش مصدقة.

 

لكن الصدمة الحقيقية كانت في السطر اللي بعده.

 

“المالك الوحيد لكل تلك الأصول…

 

هي أنتِ.”

 

شهقت.

 

وانزلقت الرسالة من يدها.

 

مليار جنيه.

 

كلها باسمها.

 

وفجأة فهمت.

 

فهمت ليه كريم كان متمسك بالجوازة.

 

وليه سارة فضلت ثلاث سنين مستحملة العلاقة السرية.

 

وليه أمها كانت مستعدة تضغط عليها.

 

كلهم كانوا عارفين جزء من الحقيقة.

 

لكن ما كانوش يعرفوا الحقيقة كلها.

 

فؤاد فتح ملفًا كبيرًا ووضعه أمامها.

 

ـ دي المستندات.

 

بدأت تقلب الصفحات.

 

شركات.

 

أراضٍ.

 

مخازن.

 

استثمارات.

 

عقارات.

 

أرقام ضخمة.

 

وأسماء مشاريع في القاهرة والإسكندرية والساحل.

 

قال فؤاد:

 

ـ والدك نقل الملكية كاملة ليكي قبل وفاته بست شهور.

 

وعمل نظام حماية قانوني يمنع أي حد ياخد حاجة إلا بموافقتك الشخصية.

 

جلس عمر على الكرسي وهو يضحك من الصدمة.

 

ـ يعني كريم كان بيجري ورا الفتات.

 

رفعت ياسمين رأسها.

 

ـ فتات؟

 

قال:

 

ـ لو عرف الرقم الحقيقي كان اتجنن.

 

لأول مرة منذ الليلة كلها…

 

ابتسمت.

 

لكن الابتسامة اختفت بسرعة.

 

لأن فؤاد أخرج ورقة أخرى.

 

وقال:

 

ـ لسه ما خلصناش.

 

عقدت حاجبيها.

 

ـ في إيه تاني؟

 

تنهد.

 

ـ في تقرير خاص طلب أبوكي الاحتفاظ بيه.

 

ـ تقرير عن إيه؟

 

نظر إليها طويلًا.

 

ثم قال:

 

ـ عن وفاة والدك.

 

ساد الصمت.

 

ـ وفاة بابا؟

 

ـ أيوه.

 

أخذت التقرير.

 

وكانت أول جملة فيه كافية لتوقف أنفاسها.

 

“هناك احتمالية قوية أن وفاة السيد محمود الشاذلي لم تكن طبيعية.”

 

شحب وجهها.

 

عمر وقف فجأة.

 

ـ إيه؟

 

قلبت الصفحات بسرعة.

 

تحاليل.

 

تقارير.

 

ملاحظات.

 

أسماء.

 

وتوصيات بإعادة التحقيق.

 

كانت يدها ترتعش.

 

ـ مستحيل…

 

قال فؤاد بصوت منخفض:

 

ـ أبوكي قبل ما يموت بأيام شك إنه بيتعرض لتسمم بطيء.

 

سقطت الكلمات كالقنبلة.

 

ـ تسمم؟

 

ـ أيوه.

 

وبدأ يجمع أدلة بنفسه.

 

ثم مات قبل ما يقدر يكمل.

 

شعرت ياسمين أن الأرض تدور حولها.

 

كل شيء تغير في ساعات قليلة.

 

العريس خائن.

 

أختها خائنة.

 

أمها متورطة.

 

وثروة مخفية.

 

والآن…

 

احتمال أن والدها لم يمت بشكل طبيعي.

 

رفعت رأسها ببطء.

 

وسألت السؤال الذي خاف الجميع منه.

 

ـ مين كان آخر شخص مع بابا قبل وفاته؟

 

فتح فؤاد الملف الأخير.

 

وبصوت ثقيل قال:

 

ـ حسب التحقيقات القديمة…

 

آخر شخص دخل غرفة والدك قبل ساعات من وفاته…

 

كانت سارة.

 

تجمدت ياسمين.

 

أما عمر فقبض يده بقوة.

 

لكن الصدمة لم تنتهِ بعد.

 

لأن فؤاد أكمل:

 

ـ وسارة ما كانتش لوحدها.

 

ابتلعت ياسمين ريقها.

 

ـ كان معاها مين؟

 

أجاب المستشار:

 

ـ كريم المنصوري.

 

وفي تلك اللحظة…

 

أدركت ياسمين أن الخيانة التي اكتشفتها الليلة ربما كانت مجرد البداية.

 

وأن موت والدها قبل ثلاث سنوات…

 

قد لا يكون حادثًا كما صدق الجميع.

 

بل جريمة لم يُكشف عنها بعد.

الفصل الرابع

 

لم ينطق أحد لعدة ثوانٍ.

 

كان الصمت داخل مكتب المستشار فؤاد أثقل من أي صراخ.

 

ياسمين كانت تنظر إلى الملف المفتوح أمامها، لكن الكلمات بدأت تتداخل أمام عينيها.

 

كريم.

 

وسارة.

 

آخر شخصين دخلا غرفة والدها قبل وفاته.

 

عمر ضرب المكتب بقبضته.

 

ـ ليه ما قلتش الكلام ده من زمان؟

 

رفع فؤاد رأسه بهدوء.

 

ـ لأن مفيش دليل كامل وقتها.

 

ـ يعني إيه؟

 

ـ يعني كان فيه شكوك. لكن النيابة أغلقت الملف بعد تقرير الوفاة الرسمي.

 

التفت إلى ياسمين.

 

ـ أبوكي كان بيجمع أدلة بنفسه. وكان مقتنع إن حد بيحاول يتخلص منه.

 

شهقت ياسمين.

 

ـ وكان شاكك فيهم؟

 

ـ كان شاكك في أكتر من شخص.

 

سكت لحظة.

 

ثم أضاف:

 

ـ لكن بعد اللي حصل الليلة… الشكوك دي بقت أخطر بكتير.

 

أغلقت ياسمين الملف ببطء.

 

ثم قالت:

 

ـ عاوزة أعرف الحقيقة كاملة.

 

ـ حتى لو كانت صعبة؟

 

رفعت رأسها.

 

وعيناها امتلأتا بقوة جديدة.

 

ـ خصوصًا لو كانت صعبة.

 

—

 

في نفس الوقت…

 

داخل قسم الشرطة.

 

كان كريم جالسًا في غرفة التحقيق.

 

بدلته الفاخرة فقدت هيبتها.

 

وربطة العنق مفكوكة.

 

والعرق يغطي جبينه.

 

دخل محاميه بسرعة.

 

ـ لازم تهدى.

 

كريم ضرب الطاولة.

 

ـ تهدى إيه؟

 

كل حاجة ضاعت.

 

الجوازة.

 

المشروع.

 

الأسهم.

 

كل حاجة.

 

اقترب المحامي منه.

 

ـ اسمعني كويس.

 

اللي يهم دلوقتي إنك ما تتكلمش.

 

ولا كلمة.

 

فجأة فتح الباب.

 

ودخل ضابط التحقيق.

 

ووضع ملفًا أمامه.

 

ـ في حاجة حابب تضيفها؟

 

نظر كريم إلى الملف.

 

ثم تجمد.

 

لأن الصورة الموجودة في أول صفحة كانت صورة قديمة.

 

صورة له.

 

مع سارة.

 

قبل ثلاث سنوات.

 

في اليوم نفسه الذي توفي فيه والد ياسمين.

 

شحب وجهه.

 

لاحظ الضابط ذلك فورًا.

 

وقال بهدوء:

 

ـ واضح إن الصورة دي فكرتك بحاجة.

 

لكن كريم سكت.

 

لأول مرة في حياته…

 

الخوف الحقيقي بدأ يتسلل إليه.

 

—

 

في صباح اليوم التالي.

 

استيقظت ياسمين بعد ساعات قليلة من النوم.

 

أول ليلة منذ سنوات لم تكن مخدوعة فيها.

 

لكنها أيضًا كانت أول ليلة تشعر فيها أن حياتها كلها كانت مبنية على أكاذيب.

 

رن هاتفها.

 

كان رقمًا مجهولًا.

 

ترددت.

 

ثم أجابت.

 

وجاءها صوت امرأة عجوز.

 

ـ الآنسة ياسمين؟

 

ـ أيوه.

 

ـ أنا أمينة.

 

عقدت حاجبيها.

 

ـ مين أمينة؟

 

جاءها الرد الذي جعلها تنتفض.

 

ـ كنت ممرضة والدك الخاصة قبل وفاته.

 

تجمدت.

 

ـ إنتِ فين؟

 

ـ لازم أقابلك.

 

دلوقتي.

 

—

 

بعد ساعة.

 

وصلت ياسمين إلى منزل صغير في حي قديم.

 

فتحت لها امرأة تجاوزت الستين.

 

ملامحها مرهقة.

 

لكن عينيها كانتا مليئتين بالخوف.

 

أدخلتها بسرعة.

 

وأغلقت الباب بالمفتاح.

 

قالت ياسمين:

 

ـ حضرتك تعرفي حاجة عن بابا؟

 

أومأت المرأة.

 

ثم توجهت إلى خزانة خشبية قديمة.

 

وأخرجت صندوقًا صغيرًا.

 

وضعته أمامها.

 

ـ أبوكي إداهولي قبل ما يموت بثلاثة أيام.

 

شهقت ياسمين.

 

ـ إيه ده؟

 

ـ أمانة.

 

وطلب مني ما أسلمهاش لحد إلا لو حصل له حاجة.

 

شعرت ياسمين أن قلبها يكاد يقفز من صدرها.

 

فتحت الصندوق.

 

وفي داخله…

 

فلاشة صغيرة.

 

ورسالة قصيرة.

 

قرأت الرسالة.

 

“لو وصلتك الرسالة دي يا ياسمين…

 

يبقى أنا فشلت أحمي نفسي.

 

والناس اللي كنت شاكك فيهم سبقوني.”

 

ارتعشت يدها.

 

ثم أكملت.

 

“على الفلاشة تسجيلات مهمة.

 

احفظيها كويس.

 

ومتثقيش في أي حد.”

 

رفعت رأسها ببطء.

 

وقالت:

 

ـ أي حد؟

 

هزت أمينة رأسها.

 

ـ كان خايف جدًا قبل ما يموت.

 

ثم أضافت:

 

ـ وكان بيقول جملة غريبة طول الوقت.

 

ـ إيه هي؟

 

ـ كان بيقول إن الخائن الحقيقي لسه محدش شافه.

 

ساد الصمت.

 

فتحت ياسمين الفلاشة على جهاز الكمبيوتر الموجود بالمنزل.

 

ظهر ملف واحد فقط.

 

تاريخ تسجيله قبل وفاة والدها بأربعة أيام.

 

ضغطت تشغيل.

 

وامتلأت الغرفة بصوت والدها.

 

“لو بتسمعيني يا ياسمين…

 

فمعنى كده إن الأمور وصلت لأسوأ احتمال.”

 

انهمرت دموعها فورًا.

 

كان صوته.

 

نفس صوته.

 

كأنه ما زال حيًا.

 

“أنا اكتشفت إن في حد بيسرق من شركاتي من سنين.”

 

تسارعت أنفاسها.

 

“وفي حد بيحاول يسيطر على كل أصول العائلة.”

 

ثم توقف التسجيل لثوانٍ.

 

قبل أن يكمل:

 

“كنت فاكر إن الشخص ده كريم.”

 

نظرت ياسمين للشاشة.

 

لكن الصدمة جاءت بعدها مباشرة.

 

“وبعدين اكتشفت إني كنت غلطان.”

 

تجمدت.

 

حتى أمينة رفعت رأسها.

 

أما ياسمين فشعرت أن قلبها توقف.

 

جاء صوت والدها واضحًا:

 

“كريم مجرد أداة.”

 

اتسعت عيناها.

 

“أما العقل المدبر الحقيقي…

 

فهو شخص من العائلة.”

 

تسارعت دقات قلبها.

 

ثم جاء الاسم.

 

الاسم الذي لم تكن مستعدة لسماعه أبدًا.

 

“لو حصلي حاجة…

 

راقبي خالك سامح.”

 

سقطت الفلاشة من يدها.

 

وتجمدت في مكانها.

 

خالها سامح؟

 

الرجل الذي ربّاها بعد وفاة أبيها؟

 

الرجل الذي كانت تعتبره أبًا ثانيًا؟

 

الرجل الذي وقف بجانبها في كل مناسبة؟

 

أحست بدوار شديد.

 

لكن التسجيل لم ينتهِ.

 

وجاء صوت والدها للمرة الأخيرة:

 

“لو سامح عرف إنك وصلتي للتسجيل ده…

 

هيحاول يمنعك بأي طريقة.”

 

ثم انقطع التسجيل فجأة.

 

وفي اللحظة نفسها…

 

دوى صوت ارتطام قوي خارج المنزل.

 

التفتت أمينة نحو النافذة.

 

وشحب وجهها.

 

ـ يا نهار أبيض…

 

قفزت ياسمين من مكانها.

 

ـ في إيه؟

 

أشارت أمينة إلى الخارج بيد مرتعشة.

 

نظرت ياسمين من خلف الستارة.

 

فتجمد الدم في عروقها.

 

لأن سيارة سوداء فاخرة كانت متوقفة أمام المنزل.

 

وبجانبها…

 

كان يقف خالها سامح بنفسه.

 

ينظر مباشرة نحو النافذة.

 

وكأنه يعرف أنها بالداخل.

 

ثم ابتسم.

 

ابتسامة باردة جدًا.

 

وأخرج هاتفه.

 

وبعد ثانية واحدة فقط…

 

رن هاتف ياسمين في يدها.

 

ظهر الاسم على الشاشة:

 

“خالي سامح”

 

عرفت في تلك اللحظة…

 

أن اللعبة الحقيقية بدأت الآن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *