جارتي الكاتبه أسما السيد

بعد سنتين…
الحياة استقرت أخيرًا.
بنتي كبرت، وبقت في أولى إعدادي.
والبيت اللي ورثته من أبويا بقى مليان زرع وضحكة بعد ما كان مهجور.
وفي يوم الجمعة…
وإحنا قاعدين بنفطر…
سمعنا خبط خفيف على الباب.
فتحت…
ولقيت الست نفسها.
لكن دي ما كانتش نفس الست اللي كنت أعرفها.
شعرها كله شاب.
هدومها بسيطة.
وعينيها مليانة انكسار.
فضلت واقفة كام ثانية، وبعدها قالت:
— ينفع أتكلم معاكي دقيقتين؟
بصيت لها وسكت.
قالت:
— أنا مش جاية أطلب فلوس… ولا مساعدة.
أنا جاية أطلب السماح.
دخلتها وقعدت.
فضلت باصة في الأرض، وقالت:
— بعد ما خسرنا البيت… جوزي طلقني.
وأولادي سابوني، لأنهم قالوا إن غروري هو اللي ضيعهم.
اشتغلت في كذا مكان… وكل ما حد يعرف قصتي، كانوا يرفضوا يشغلوني.
كنت فاكرة إن الفلوس هتخليني أكبر من الناس…
وفي الآخر بقيت لوحدي.
أنا ما استحقش تسامحيني…
بس كان لازم أقولك إني ندمانة.
بنتي كانت واقفة تسمع.
وبعد لحظة هدوء…
قالت للست بكل براءة:
— أنا فاكرة اليوم اللي دلقتي فيه الخرسانة على عربية ماما.
الست نزلت دموعها.
وقالت:
— وأنا فاكراه كل يوم.
بنتي قربت منها، وقالت:
— ماما علمتني إن المسامحة مش معناها إننا ننسى…
لكن معناها إننا منخليش الكره يعيش جوانا.
بصيت لبنتي…
وحسيت إني فخورة بيها أكتر من أي وقت.
لفيت للست وقلت:
— أنا مش هقدر أنسى اللي عملتيه…
بس كمان مش هفضل شايلة كره ليكي.
ربنا هو أعدل من أي إنسان.
قامت وهي بتمسح دموعها.
وقالت:
— كفاية عليا إنك رديتي عليا بالكلام ده.
قبل ما تمشي…
بنتي جريت على الجنينة.
قطفت وردة بيضا.
وراحِت ادتهالها.
وقالت:
— خديها…
وابدئي من جديد.
الست حضنت الوردة، وخرجت وهي بتبكي.
فضلت أبص عليها لحد ما اختفت من آخر الشارع.
قفلت الباب…
وبصيت لصورة أبويا المعلقة على الحيطة.
وقلت بصوت واطي:
— الحمد لله… ورثت منك البيت، لكن ورثت كمان الأخلاق اللي خلتني أعرف إمتى آخد حقي… وإمتى أسامح.
حضنت بنتي.
وقلت لها:
— فاكرة أول درس اتعلمناه هنا؟
ابتسمت وقالت:
— أيوه…
“البيت الجميل مش اللي واجهته حلوة…
البيت الجميل هو اللي ساكنيه قلوبهم نظيفة.”
ابتسمت وأنا ببص للجنينة اللي كانت مليانة ورد…
واتأكدت إن الخرسانة اللي حاولت تدفن حياتنا…
كانت في الحقيقة أول خطوة في طريق بداية جديدة… ونهاية سعيدة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *