جارتي الكاتبه أسما السيد

لقيتهم بيشيلوا عفشهم.
سألت البواب.
قال:
— البنك حجز على البيت.
استغربت.
طلع إن البيت كان عليه أقساط متأخرة من زمان.
وجوزها كان معتمد على شغله في السداد.
وبعد ما اتفصل…
ما عرفوش يدفعوا.
فاتباع البيت في المزاد.
وأول ما العربية اتحركت…
الست بصتلي.
وقالت بغضب:
— كله بسببك.
بصيتلها بهدوء.
وقلت:
— لا…
بسبب اختيارك.
لو كنتِ سيبتِ عربيتي في حالها…
ما كانش كل ده حصل.
سكتت.
وركبت العربية.
واختفت.
بعد شهور…
بدأت أصلح البيت.
دهنت الواجهة.
صلحت البلكونة.
زرعت جنينة صغيرة.
وبنتي كانت كل يوم تسقي الورد.
وفي يوم…
قالتلي:
— فاكرة يا ماما لما قالت إن الناس اللي زينا مكانها مش هنا؟
ابتسمت.
وقلت:
— أيوه.
قالت وهي بتبص للبيت:
— طلع المكان مش للفلوس…
طلع للناس المحترمة.
حضنتها.
وقلت:
— ودي أهم حاجة لازم تفضلي فاكراها طول عمرك.
عدت سنة كاملة.
وفي يوم كنت راجعة من السوق.
لقيت ست كبيرة مستنياني.
قالت:
— إنتِ مش عارفاني.
أنا خالة الست اللي كانت ساكنة هنا.
قلبي دق.
افتكرت إنها جاية تعمل مشكلة جديدة.
لكنها قالت:
— أنا جاية أعتذر.
استغربت.
قالت وهي تمسح دموعها:
— طول عمرها كانت شايفة نفسها أحسن من الناس.
حاولنا ننصحها كتير.
لكن الغرور كان عاميها.
وبعد اللي حصل…
اتطلقت من جوزها.
وكل واحد راح في طريق.
حسيت بشفقة.
مش شماتة.
لأن النهاية دي كانت نتيجة سلسلة طويلة من الكِبر.
الست الكبيرة مدتلي ظرف.
وقالت:
— ده كانت موصياني أوصلهولك لو شفتك.
فتحت الظرف.
لقيت فيه جواب بخطها.
كانت كاتبة:
“أنا عارفة إنك مستحيل تسامحيني… لكن لأول مرة في حياتي فهمت إن احتقار الناس ممكن يدمر صاحبه قبل أي حد. كنت فاكرة إن القوة في الفلوس… لكن اتعلمت متأخر إن الاحترام هو أغلى حاجة ممكن يمتلكها الإنسان.”
قفلت الجواب.
وبصيت لبنتي.
كانت بتجري في الجنينة وهي بتضحك.
ابتسمت.
وقطعت الجواب ورميته.
مش كرهًا فيها…
لكن لأني ما بقيتش محتاجة أي اعتذار.
الحياة نفسها كانت أخدت حقي.
وبعدها دخلت بيتي…
وأقفلت الباب.
وأنا متأكدة إن أحيانًا…
أقوى انتقام مش إنك ترد الأذى.
لكن إنك تكمل حياتك، وتنجح، وتسيب اللي ظلمك يواجه نتيجة أفعاله بنفسه.
بعد حوالي ست شهور…
افتكرت إن الحكاية خلصت.
لكن في مساء هادي…
كان في حد بيخبط على باب البيت.
بصيت من العين السحرية…
ولقيت راجل واقف، هدومه بسيطة، وشكله مرهق جدًا.
فتحت بحذر.
قال بصوت واطي:
— حضرتك صاحبة العربية اللي اتدلق عليها الخرسانة؟
استغربت.
— أيوه… خير؟
طلع كارنيه من جيبه.
وقال:
— أنا كنت شغال في شركة الخرسانة اللي العربية بتاعتها اتستخدمت يومها.
استضفته يدخل.
كان باين عليه إنه متوتر.
قال:
— من يوم الحادثة وأنا ضميري معذبني.
سألته:
— ليه؟
قال:
— لأن فيه حاجة حضرتك متعرفيهاش.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
قال:
— الست دي… ما كانتش ناوية تبوظ العربية بس.
اتجمدت مكاني.
— يعني إيه؟
رد:
— قبل ما نوصل… سمعتها بتقول لجوزها: “صب الخرسانة كلها… خليها تتعلم الأدب، ولو العربية اتحرقت بالشمس بعد كده يبقى أحسن.”
حسيت بقشعريرة.
لكن الراجل كمل:
— وجوزها هو اللي قالها: “بلاش… كفاية نبهدل العربية.”
يعني حتى هو كان أقل منها شراسة.
طلع من جيبه فلاشة صغيرة.
وحطها على الترابيزة.
— دي نسخة من كاميرا العربية.
بصيتله بدهشة.
— كاميرا؟
ابتسم بحزن.
— عربيات الشركة كلها فيها كاميرات مراقبة.
لكن المدير وقتها خد النسخة الأصلية علشان التحقيق الداخلي.
وأنا احتفظت بنسخة.
قلتله:
— ليه جايبها دلوقتي؟
قال:
— لأنهم كانوا ناويين يستأنفوا الحكم.
لكن بعد الفيديو ده…
هيستحيل.
شكرته من قلبي.
وبعد ما مشي…
شغلت الفيديو.
كان أوضح بكتير من اللايف.
الصوت والصورة نقيين.
والست وهي بتقول بالحرف:
— صب أكتر… خليها تعرف إن محدش يعاندني.
قفلت الفيديو.
وحسيت إن ربنا كل مرة كان بيبعتلي دليل جديد.
بعد أسبوع…
المحامي اتصل بيا.
وقال وهو فرحان:
— مبروك.
قلت:
— خير؟
قال:
— الاستئناف اترفض.
والحكم بقى نهائي.
ضحكت لأول مرة من قلبي.
لكن المفاجأة الأكبر…
كانت بعد سنة تقريبًا.
كنت قاعدة في الجنينة أنا وبنتي.
وفجأة عربية وقفت قدام البيت.
نزل منها شاب في أوائل الثلاثينات.
شيك جدًا.
وقال:
— مساء الخير.
قلت:
— مساء النور.
ابتسم وقال:
— حضرتك متعرفنيش.
بس أنا ابن صاحب البيت اللي كان والد حضرتك اشتراه منه من سنين.
استغربت.
قال:
— وأنا جيت علشان أقولك حاجة.
طلع صورة قديمة.
كانت لوالدي.
واقف قدام البيت وهو بيزرع شجرة صغيرة.
قال:
— بابا قبل ما يتوفى كان بيقول إن الراجل اللي اشترى البيت حافظ عليه أكتر منه.
ولما شاف الفيديو اللي انتشر…
قال لي: “لو البنت دي احتاجت أي حاجة في البيت… ساعدها.”
حسيت إن دموعي نزلت لوحدها.
قال:
— أنا مهندس ترميم.
ولو البيت محتاج أي إصلاح…
اعتبريه هدية لروح والدك.
حاولت أرفض.
لكنه أصر.
وخلال شهرين…
البيت بقى شكله مختلف تمامًا.
البلكونة اتصلحت.
الواجهة ادهنت.
والسور اتغير.
وبنتي كانت كل يوم تقف قدام البيت وتقول:
— يا ماما… ده بقى أجمل بيت في الشارع.
ابتسم وأقول لها:
— لأنه اتبنى بالمحبة… مش بالكره.
وفي يوم…
وإحنا قاعدين نشرب شاي في البلكونة…
قالتلي بنتي:
— تعرفي يا ماما؟
قلت:
— إيه؟
قالت:
— لو الست دي ما كانتش عملت اللي عملته…
يمكن عمرنا ما كنا عرفنا إن ربنا بيقدر يعوض الإنسان بأحسن من اللي خسره.
حضنتها.
وقلت:
— أيوه يا حبيبتي…
الناس ساعات تفتكر إنها لما تؤذي غيرها بتكسب.
لكن الحقيقة…
إن الظلم عمره ما كان طريق للراحة.
أما الصبر…
فدايمًا آخره جبر جميل.
