جلسة طلاقي حكـايـات روماني×1

في جلسة طلاقي، دخلت بنتي اللي عندها سبع سنين قاعة المحكمة وسألت القاضي لو ينفع توريه حاجة أنا نفسي ماكنتش أعرفها… وطلّعت التابلت المكسور اللي كانت مخبياه تحت مخدتها بقاله شهور.

 

الصبح، وأنا رايحة المحكمة، جوزي كان بيحاول يقنع القاضي إني أم مش صالحة… وبرضه كنت واقفة أعمله قهوته. عادة بقت جزء من حياتي.

 

كنت في مطبخ شقتنا في مدينة 6 أكتوبر قبل الشروق، زي كل يوم. القهوة بتتحضر، الفطار على النار، والغسالة شغالة في الخلفية.

نزل جوزي، تامر، لابس قميصه المكوي وجزمته اللامعة، وعينه في الموبايل كأني قطعة عفش مش إنسانة.

 

قال وهو لسه باصص في الشاشة:

“القهوة مرّة شوية النهارده.”

 

قلت بهدوء:حكايات رومانى مكرم

“معلش، يمكن غلّطت في المقاس.”

 

ما بصّليش أصلاً. ولا حتى قال شكراً. زق الطبق بعيد وبص في الساعة كأنه مستعجل يهرب من البيت… ومني.

 

البيت اللي نظفته وطبخت فيه وربّيت بنتنا فيه سنين، وأنا بحاول أقنع نفسي إن بروده ده بس ضغط شغل.

 

لحد ما الظرف وصل.

 

ظرف بني عادي عليه اسم مكتب محاماة. فتحته، وإيدي كانت بتترعش. أوراق طلاق.

المدّعي: جوزي.

المدعى عليها: أنا.

 

مش بس طالب الطلاق… كان طالب حضانة كاملة لبنتنا زينة، وكمان السيطرة على كل حاجة بنيناها.

 

والسبب اللي كتبه للمحكمة؟

إني فشلت كزوجة وكأم.

 

في نفس اليوم دخلت أشوف حسابنا في البنك… لقيته صفر.

شهر ورا شهر كان بيحوّل الفلوس من غير ما أعرف. لحد ما الحساب فاضي.

حتى دهب جوازي اختفى. العلبة كانت شبه فاضية.

 

قضيت الليلة قاعدة جنب سرير زينة، ببص عليها وهي نايمة، ومش فاهمة هحارب الراجل ده إزاي وهو كان محضّر لكل حاجة.

 

واحد صاحبي دلّني على محامي أسرة بسيط اسمه أستاذ عبد النبي.

مكتب صغير، راجل شكله مرهق بس طيب.

 

قال لي بصراحة:

“دي قضية صعبة. جوزك محضّر كل حاجة.”

 

وراني الصور اللي قدمها للمحكمة:

صور لمطبخي وأنا مريضة ومش قادرة أقوم من السرير.

مصاريف مشتريات غالية على بطاقة باسمي أنا عمري ما مسكتها.

وتقرير طويل من أخصائية نفسية بتقول إني غير مستقرة ومش صالحة لتربية طفل.

 

اسمها كان الدكتورة فريدة.

 

ما افتكرتهاش… لحد أول يوم دخلت المحكمة.

 

كانت شيك وهادية وواثقة. دكتورة نفسية وسيرتها ممتازة.

ولما عدّت من جنبنا… شمّيت عطرها.

 

نفس العطر اللي شمّيته على هدوم جوزي في الليلة اللي رجع فيها متأخر وبيضحك على حاجة ما كنتش موجودة فيها.

 

طلعت الشهادة وكأنها متابعة حياتي شهور.

كل موقف بسيط قلبته حاجة وحشة.

كل جملة تقول فيها “عشان مصلحة الطفل” كانت زي س*كينة في قلبي.

 

لما جه دوري، حاولت أتماسك. حكيت إزاي سبت شغلي عشان أربي بنتنا. وإزاي كنت مريضة لما اتصوّرت الصور دي. وإني وثقت فيه في موضوع الفلوس.

 

لكن محاميه بدأ يضغط عليّ.

سؤال ورا سؤال.

 

ليه ما كلمتيش دكتور؟

ليه ما راجعتيش البنك؟

ليه سكتي؟

 

وبعدين عرض صورة ليا وأنا بعيط في أوضة نومي.

وقال:

“ده شكل أم مستقرة؟”

 

حاجة جوايا انفجرت. عليت صوتي. قلت إنه كان بيخطط لكل ده. قلت إنه مش الضحية.

 

ولما الكلمات خرجت، شفت في وش القاضي إنهم نجحوا… ظهرت بالشكل اللي هم عايزينه.

 

بالليل حضنت زينة جامد. قلت لها إني بحبها مهما حصل.

ولما اتحركت في نومها، شفت طرف التابلت القديم المكسور طالع من تحت مخدتها.

 

قلت لها:

“يا حبيبتي ما تناميش وده جنبك، ممكن يجرحك.”

 

بس ضمّته أكتر ونامت.

 

تاني يوم دخلت المحكمة وأنا متأكدة إني هخسر بنتي.

 

القاضي بدأ يتكلم. عن الصور. عن الفلوس. عن تقرير الدكتورة.

كل كلمة كانت زي باب بيتقفل في وشي.

 

وطّيت راسي واستنيت الحكم اللي هيكسر حياتي.

 

وفجأة صوت صغير قطع الصمت:

“يا سيادة القاضي… ممكن حضرتك تستنى شوية؟”

 

كل الناس بصّت ناحية الباب.

 

كانت زينة… واقفة لوحدها بزي المدرسة، ماسكة التابلت المكسور بإيديها الاتنين.

 

وش تامر اصفر.

وقال بعصبية:

“زينة، اطلعي بره. ده مش مكانك.”

 

بس هي ما اتحركتش.

مشت في الممر بهدوء، عينيها على القاضي بس.

 

وقالت بصوت بيرتعش لكن واضح:

“بابا بيقول إن ماما وحشة… بس ممكن أوري حضرتك حاجة ماما نفسها ما تعرفهاش؟”

#حكايات_رومانى_مكرم

القاضي أومأ بهدوء. الموظف أخد التابلت منها.

 

وصباع زينة الصغير قرّب من الشاشة…

 

وفي اللحظة دي، في قاعة المحكمة الهادية، فهمت إن بنتي كانت شايلة سر ممكن ينقذ حياتنا إحنا الاتنين…

القاضي أشار لموظف المحكمة بفتح التابلت وتشغيله. القاعة كلها كانت حابسة أنفاسها، تامر كان بيتحرك في مكانه بقلق واضح، وعيناه بتتحرك بين زينة والمحامين بتوعه، بينما الدكتورة فريدة حاولت تحافظ على هدوئها، بس ملامحها كانت مشدودة.

اشتغل التابلت، وكان عليه تسجيل فيديو طويل. الموظف شغّله وعرضه على الشاشة الكبيرة الملحقة بالمنصة عشان القاضي يشوفه.

بدأ الفيديو يظهر… كانت الكاميرا محطوطة في زاوية مخفية في الصالة بتاعة شقتنا القديمة، زينة كانت مسجلاها من الموبايل القديم بتاعها اللي نقلت فيديوهاته للتابلت. يظهر في الفيديو تامر وهو قاعد مع الدكتورة فريدة في صالة بيتنا!

التاريخ اللي مكتوب أسفل الفيديو كان من ستة شهور فاتوا، في وقت أنا كنت فيه نايمة وتعبانة جوه الأوضة بسبب نفس الدور المرضي اللي اتصورت فيه الصور اللي قدموها.

صوت تامر كان واضح جداً في التسجيل وهو بيقول لفريدة:

“التقرير لازم يكون مقفل تماماً يا فريدة.. المحكمة مش لازم تشك للحظة إنها مريضة نفسياً وغير مؤهلة للحضانة، والصور دي أنا لسه لقطها ليها وهي دايخة ومش قادرة تقف.. خديها واكتبي في تحليلك إنها أعراض فصام واكتئاب حاد.”

ردت عليه فريدة بضحكة باردة، نفس الضحكة اللي شميت عطرها يومها:

“عيب عليك يا تامر، أنا السيرة الذاتية بتاعتي في المحاكم مابتخرش المية، التقرير جاهز وموثق، بس أتعابي والشيك اللي اتفقنا عليه يتم صرفه أول ما الحسابات تخلص.. وبصراحة، مراتك دي طيبة أوي ومغفلة، لسه فاكرة إنك بتسهر في الشغل.”

تامر في الفيديو طلع دفتر شيكات، ومضى شيك وقدمه ليها وهو بيقول:

“ده جزء من الفلوس اللي سحبتها من حسابها المشترك، والباقي أول ما المحكمة تحكم بالحضانة والبيت.”

في اللحظة دي، تامر وقف في قاعة المحكمة وعلي صوته:

“يا سيادة القاضي! الكلام ده غير صحيح، ده فيديو مفبرك وطفلة صغيرة بيتم توجيهها!”

القاضي ضرب بالشاكوش بقوة هزت الأرجاء:

“سكوت! المتهم يقعد مكانه ومايتكلمش بدون إذن!”

زينة قرّبت مني ودموعها نزلت، مسكت إيدي وقالت بصوت واطي:

“ماما.. أنا كنت بسمعهم وهما فاكريني نايمة.. وكنت خايفة ياخدوني منك، فخبيت التابلت المكسور ده تحت مخدتي عشان بابا مايشوفوش ويمسح الفيديو.”

المحامي البسيط بتاعي، أستاذ عبد النبي، وقف وظهرت على وشه علامات القوة والانتصار بعد التعب، وبص للقاضي وقال:

“سيادة القاضي، نطلب بطلان تقرير الخبيرة النفسية فريدة، وتحويل الفيديو للنيابة العامة بتهمة التزوير، والتآمر، وشهادة الزور، والنصب لسرقة أموال موكلتي.. ونطالب بالتحفظ على الشيكات وحسابات المتهم البنكية.”

وجه القاضي تغير تماماً، ونظر لـ تامر وللدكتورة فريدة بنظرة حاسمة جمدت الدم في عروقهم. فريدة بدأت تلم حاجتها في شنطتها وهي بترتعش وعايزة تخرج من القاعة، بس عساكر المحكمة وقفوا وراها بأمر من القاضي.

التفت القاضي ليا، وبص لـ زينة بنظرة فيها تقدير كبير، وقال:

“بناءً على المستجدات الخطيرة والقرائن الفورية المتمثلة في التسجيلات الموثقة..”

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *