كسر ضلوعي حكـايـات أسمـا ×2
بدأ الخطر الحقيقي بعد هروب ماهر.
لم يكن لأنه ضابط سابق يعرف كيف يختبئ فقط.
بل لأنه أصبح رجلًا لا يملك شيئًا يخسره.
ذ.
،
وهذا النوع من الرجال هو الأخطر دائمًا.
—
في صباح اليوم التالي…
استيقظت ريم على شعور غريب.
شعور بأن شيئًا سيئًا يقترب.
كانت تجلس في الحديقة الخلفية للفيلا.
البحر يمتد أمامها.
والهواء المالح يملأ المكان.
لكن قلبها لم يعرف الراحة.
منذ أن سمعت خبر هروب ماهر وهي عاجزة عن النوم.
كانت تعرفه أكثر من أي شخص.
تعرف كيف يفكر.
وكيف ينتقم.
وكيف يستطيع الانتظار شهورًا كاملة إذا احتاج لذلك.
سمعت خطوات تقترب.
رفعت رأسها.
فوجدت سليم.
جلس أمامها ووضع فنجان قهوة على الطاولة.
وقال:
“لسه ما نمتيش كويس.”
لم يكن سؤالًا.
كان ملاحظة.
ابتسمت ريم بتعب.
وقالت:
“واضح كده؟”
رد:
“واضح جدًا.”
ساد الصمت للحظات.
ثم قالت فجأة:
“هو هيرجع.”
نظر إليها.
فأكملت:
“أنا عارفة ماهر.”
“مش هيسيب الموضوع.”
لم يبدُ على سليم أي قلق.
بل شرب رشفة من قهوته وقال:
“وأنا عارف إنه هيرجع.”
تجمدت.
“إنت مستنيه؟”
أجاب بهدوء:
“من أول يوم.”
—
في تلك الأثناء…
كان ماهر يجلس داخل شقة مهجورة في منطقة بعيدة عن الأنظار.
حولَه ثلاثة رجال.
وجوههم لا تبشر بالخير.
قال أحدهم:
“إنت متأكد إنك عايز تدخل في حرب مع سليم المراكبي؟”
رفع ماهر رأسه ببطء.
ثم ابتسم.
وقال:
“مش حرب.”
“أنا عايز حاجة واحدة بس.”
سأله الرجل:
“إيه هي؟”
أجاب وهو ينظر إلى صورة ريم:
“هي.”
—
مرت الأيام التالية بهدوء غريب.
هدوء لم يطمئن أحدًا.
بل جعل الجميع أكثر توترًا.
حتى رجال سليم أنفسهم كانوا يشعرون أن شيئًا ما يُحاك في الظلام.
وفي مساء اليوم السابع…
حدث ما كانوا يخشونه.
كانت ريم داخل غرفة المكتبة.
تقرأ كتابًا لتشغل عقلها.
عندما انطفأت الأنوار فجأة.
تجمدت في مكانها.
ثانية.
ثم ثانية أخرى.
ثم بدأ مولد الكهرباء الاحتياطي بالعمل.
لكن قبل أن تضيء الأنوار بالكامل…
سمعت صوتًا خلفها.
صوت رجل.
همسة خافتة جدًا.
“وحشتيني.”
توقف قلبها.
التفتت بعنف.
ولم تجد أحدًا.
لكن على الطاولة…
كانت توجد وردة حمراء واحدة.
شهقت.
وتراجعت خطوة.
ثم أخرى.
وركضت خارج الغرفة.
—
بعد دقائق…
امتلأت الفيلا بالحراس.
فتشوا كل زاوية.
كل غرفة.
كل نافذة.
لكنهم لم يجدوا شيئًا.
ولا أي أثر لمتسلل.
وقف رئيس الأمن مرتبكًا.
وقال لسليم:
“مستحيل حد يدخل ويخرج من غير ما نشوفه.”
لكن سليم لم يكن ينظر إليه.
كان ينظر إلى الوردة الحمراء الموضوعة على الطاولة.
ثم قال بهدوء مخيف:
“هو كان هنا.”
—
لأول مرة منذ سنوات…
شعر سليم بالغضب الحقيقي.
ليس غضب العمل.
ولا غضب الصفقات.
بل غضب شخص اقترب أحدهم من شيء أصبح مهمًا بالنسبة له.
وفي تلك الليلة…
خرج بنفسه.
مع ست سيارات.
وعشرين رجلًا.
وبدأ البحث.
مدينة كاملة تحركت.
مخازن.
شقق.
موانئ.
مزارع.
أماكن مهجورة.
أسماء قديمة.
مخبرون.
كل شيء.
لكن ماهر كان كالشبح.
اختفى تمامًا.
—
بعد ثلاثة أيام…
وصلت أول رسالة.
كانت على هاتف ريم.
رقم مجهول.
فتحتها بيد مرتجفة.
فوجدت صورة.
صورة قديمة لها.
التُقطت قبل سنوات.
حين كانت ما تزال مخطوبة لماهر.
وتحتها جملة واحدة:
“لسه بحبك.”
شحب وجهها.
وأغلقت الهاتف فورًا.
لكن الرسائل لم تتوقف.
صورة أخرى.
ثم أخرى.
ثم أخرى.
كلها من ماضيها.
ثم رسالة أخيرة:
“لو مش هترجعي بنفسك…”
“هجيلك.”
—
في تلك الليلة…
لم تنم ريم.
ولا سليم.
كان يجلس في مكتبه.
ينظر إلى الرسائل.
وعيناه تزدادان برودة مع كل كلمة.
ثم دخل أحد رجاله بسرعة.
وقال:
“لقيناه.”
رفع سليم رأسه فورًا.
“فين؟”
أجاب الرجل:
“في الميناء القديم.”
وقف سليم.
وأخذ سلا..حه.
ثم قال:
“يلا.”
—
بعد أقل من نصف ساعة…
وصلت السيارات إلى الميناء المهجور.
المكان كان مظلمًا.
والضباب يملأ الهواء.
نزل الرجال وانتشروا في كل اتجاه.
لكن شيئًا كان خاطئًا.
شعور سيئ.
شعور بالفخ.
وفجأة…
دوى انفجار هائل.
اهتزت الأرض.
وتطاير الزجاج في كل مكان.
ثم تبعه انفجار ثانٍ.
وثالث.
صرخ الرجال.
وتحول الميناء إلى فوضى كاملة.
أما سليم…
فوقف وسط الدخان يبحث بعينيه عن مصدر الهجوم.
حتى لمح ظلًا بعيدًا فوق أحد المخازن.
رجل يحمل بندقية.
ويبتسم.
ماهر.
رفع ماهر يده.
ولوّح له من بعيد.
كما لو أنه يسخر منه.
ثم اختفى داخل الظلام.
—
وعندما عاد سليم إلى الفيلا بعد ساعات…
كان وجهه أشد قسوة من أي وقت مضى.
دخل مباشرة إلى غرفة ريم.
كانت نائمة.
أو تحاول النوم.
فجلست فور رؤيته.
سألته بقلق:
“لقيتوه؟”
صمت لثوانٍ.
ثم أجاب:
“أيوه.”
ارتجف صوتها:
“وبعدين؟”
نظر إليها طويلًا.
ثم قال:
“دلوقتي فهمت.”
“هو مش عايز يق..تلك.”
تجمدت.
“إزاي؟”
أجاب بصوت منخفض:
“هو عايزني أنا.”
ساد الصمت.
ثم أكمل:
“وهيستخدمك عشان يوصل لي.”
وفي مكان بعيد…
كان ماهر يجلس داخل غرفة مظلمة.
ينظر إلى شاشة كمبيوتر.
تظهر عليها صورة حية لبوابة الفيلا.
ابتسم ببطء.
ثم قال:
“قربنا.”
لكنه لم يكن وحده.
فخلفه جلس رجل آخر.
رجل لم يرَه أحد منذ سنوات.
وعندما رفع وجهه نحو الضوء…
لو عرف سليم هويته في تلك اللحظة…
لأدرك أن الكابوس الحقيقي لم يبدأ بعد.
تجمد الهواء داخل الغرفة.
جلس ماهر أمام شاشة المراقبة بينما انعكست أضواء الكاميرات على وجهه الشاحب.
أما الرجل الجالس خلفه…
فكان السبب الحقيقي وراء كل ما حدث.
رجل تجاوز الستين.
شعره رمادي بالكامل.
وعيناه تحملان ذلك النوع من البرود الذي لا يولد إلا بعد عمر طويل من الخيانة والدم.
ابتسم ببطء وهو ينظر إلى صورة سليم المراكبي على الشاشة.
ثم قال:
“كبر أوي.”
ضغط ماهر على أسنانه.
وسأله:
“إنت متأكد إنه ما يعرفش إنك عايش؟”
ضحك الرجل.
ضحكة قصيرة باردة.
وقال:
“لو كان يعرف… كنت ميت من زمان.”
كان اسمه فؤاد المراكبي.
والد سليم.
الرجل الذي أعلنت الصحف موته قبل خمسة عشر عامًا.
الرجل الذي بُنيت إمبراطورية كاملة فوق قصة مقت..له.
والرجل الذي اختفى تاركًا ابنه يواجه العالم وحده.
في صباح اليوم التالي…
كان سليم يقف أمام نافذة مكتبه.
لا يزال يفكر في كلمات ريم.
وفي تصرفات ماهر الغريبة.
شيء ما لم يكن منطقيًا.
ماهر وحده لا يستطيع تنفيذ كل هذا.
لا يستطيع الاختفاء بهذه الطريقة.
ولا الوصول إلى معلومات بهذه الدقة.
ولا اختراق دوائر الحماية المحيطة بالفيلا.
كان هناك شخص آخر.
شخص أقوى.
وأذكى.
وأخطر.
لكن من؟
رن الهاتف.
رفع السماعة.
ثم استمع لعدة ثوانٍ فقط.
وفجأة تغير وجهه.
قال ببطء:
“إنت متأكد؟”
جاءه الرد.
فأغلق الخط فورًا.
خرج من المكتب بسرعة.
حتى كاد يصطدم بريم في الممر.
نظرت إليه بقلق.
“في إيه؟”
رد:
“لازم أخرج.”
“دلوقتي.”
أمسكت بذراعه.
لأول مرة تفعل ذلك.
وقالت:
“خلي بالك من نفسك.”
توقف.
ونظر إلى يدها الممسكة به.
ثم إلى عينيها.
ولثانية قصيرة جدًا…
اختفى الجليد المعتاد من ملامحه.
وقال بهدوء:
“هرجع.”
بعد ساعة…
كانت سيارة سليم تقف أمام مقبرة قديمة على أطراف الإسكندرية.
مكان مهجور.
صامت.
لا يزوره أحد.
دخل ومعه اثنان فقط من رجاله.
حتى وصل إلى قبر حجري كبير.
وقف أمامه.
وتأمل الاسم المنقوش عليه.
فؤاد المراكبي.
مد يده ولمس الرخام.
ثم قال:
“افتحوه.”
نظر الرجال إلى بعضهم.
لكنهم نفذوا الأمر.
بدأوا إزالة الغطاء الحجري الثقيل.
دقيقة.
ثم دقيقتان.
ثم انكشف القبر بالكامل.
نظر الجميع إلى الداخل.
وتجمدوا.
القبر كان فارغًا.
فارغًا تمامًا.
لا عظام.
لا بقايا.
لا شيء.
فقط صندوق خشبي مهشم.
وشريط كاسيت قديم.
التقطه سليم ببطء.
وشعر بقلبه ينبض بعنف لأول مرة منذ سنوات.
في المساء…
جلس وحده داخل مكتبه.
ووضع الشريط في جهاز تشغيل قديم.
انطلق صوت خشن من السماعة.
صوت يعرفه جيدًا.
صوت لم يسمعه منذ طفولته.
صوت أبيه.
“لو بتسمع التسجيل ده يا سليم… يبقى أخيرًا عرفت الحقيقة.”
تجمد الدم في عروق سليم.
وأكمل الصوت:
“أنا ما متش.”
“أنا اخترت أختفي.”
انقبضت يداه بقوة.
بينما استمر التسجيل.
“الناس كلها فاكرة إني ضحيت بنفسي علشان أحميك.”
“لكن الحقيقة إني ضحيت بيك علشان أحمي نفسي.”
ساد الصمت للحظة.
ثم عاد الصوت.
“وأول ما أقرر أرجع…”
“هاخد كل حاجة.”
“الفلوس.”
“النفوذ.”
“والإمبراطورية.”
ثم ضحك.
ضحكة جعلت الدم يتجمد داخل العروق.
وانتهى التسجيل.
في تلك اللحظة نفسها…
كانت ريم وحدها داخل الفيلا.
تحاول قراءة كتاب.
لكنها لم تستطع التركيز.
شعور غريب كان يطاردها طوال اليوم.
ثم سمعت صوت جرس الباب.
استغربت.
في هذا الوقت؟
اتجهت إحدى العاملات للبوابة.
وبعد دقائق عادت تحمل صندوقًا صغيرًا.
وقالت:
“وصل حالًا.”
نظرت ريم إلى الصندوق.
لم يكن عليه اسم مرسل.
ولا أي بيانات.
فتحت الغطاء بحذر.
وفي اللحظة التالية…
شهقت.
وسقط الصندوق من يدها.
داخل الصندوق…
كان يوجد هاتفها القديم.
ذلك الهاتف الذي حطمه ماهر قبل أشهر.
وتحته ورقة بيضاء.
عليها عبارة واحدة مكتوبة بخط اليد.
“لو الرسالة الأولى غيرت حياتك…”
“استني الرسالة الأخيرة.”
ارتجفت يداها.
وشعرت بقشعريرة تسري في جسدها كله.
بعد أقل من دقيقة…
رن الهاتف القديم.
رنة واحدة.
ثم ثانية.
ثم ثالثة.
وكأن شخصًا ما ينتظرها.
ترددت.
ثم ضغطت زر الإجابة.
رفعت الهاتف إلى أذنها.
وساد الصمت.
عدة ثوانٍ.
ثم جاءها صوت رجل عجوز.
هادئ.
بارد.
ومخيف.
قال:
“أخيرًا اتكلمنا يا ريم.”
تجمدت في مكانها.
“مين؟”
ابتسم الصوت في الطرف الآخر.
ثم قال:
“أنا السبب الحقيقي في كل اللي بيحصل.”
“وأنتِ… المفتاح.”
انقطع الخط.
في اللحظة نفسها تمامًا…
وصل سليم إلى الفيلا.
ودخل مسرعًا.
فوجد ريم شاحبة الوجه.
ترتجف.
وتكاد تفقد توازنها.
أمسك كتفيها فورًا.
وقال:
“إيه اللي حصل؟”
رفعت عينيها نحوه.
وكان الخوف ظاهرًا بوضوح.
ثم همست:
“في راجل كلمني.”
“وقال إنه السبب في كل حاجة.”
تصلبت ملامح سليم.
وسألها:
“قال اسمه؟”
هزت رأسها بالنفي.
لكنها أضافت:
“صوته كان كبير في السن.”
عندها فقط…
شحب وجه سليم لأول مرة منذ عرفته.
وكأنه أدرك شيئًا كان يخشاه منذ سنوات طويلة.
ثم همس لنفسه:
“مستحيل…”
لكن في أعماقه…
كان يعرف أن المستحيل قد عاد بالفعل.
وأن فؤاد المراكبي…
عاد من الموت.