تحت الفراش حكـايـات أسمـا السـيد 4

الفصل الرابع — أخوه ما ماتش في العربية
وقفت على السلم وأنا ماسكة الموبايل القديم.
رجعت قريت الرسالة للمرة التالتة:
“أخوه ما ماتش في مكان الحادث.”
الصورة المرفقة كانت جزء من تقرير إسعاف قديم.
مكان العربية المحطمة كان على الطريق الرئيسي.
لكن مكان العثور على أخو جوزي كان بعيد عنها بأكتر من كيلومتر.
إزاي؟
وليه؟
والأهم…
مين الرقم اللي باعتلي؟
رجعت بصيت ناحية باب الشقة.
كنت أقدر أطلع وأسأله.
لكن بعد كل الكذب اللي سمعته، عرفت إن مواجهة جوزي من غير ما أعرف الحقيقة هتديله فرصة يخترع رواية جديدة.
نزلت.
ركبت عربيتي.
وبعت للرقم:
— إنت مين؟
الرد جه بسرعة:
“الشخص اللي وصل مكان الحادث قبل الإسعاف.”
كتبت:
— عايز مني إيه؟
“أقولك الحقيقة اللي دفعت تمن سكوتي عنها ست سنين.”
— فين؟
بعت عنوان قهوة على طريق عام.
وقبل ما أتحرك، بعت الموقع لأختي وقلت لها:
— لو ما كلمتكيش خلال ساعة، اتصلي بيا.
وصلت.
كان مستنيني راجل كبير في السن.
أول ما شافني، قام.
— نور؟
— إنت مين؟
— كنت شغال سواق عند والد جوزك زمان.
قعدت قصاده.
— إنت اللي لقيتهم؟
— أيوه.
— احكي.
قال:
— ليلة الحادثة جوزك كلمني.
اتجمدت.
— بعد الحادثة؟
— بعدها بدقايق.
— قالك إيه؟
— قال إن العربية اتقلبت وإن أخوه مصاب.
— وإنت روحت؟
— كنت قريب.
سكت.
— لما وصلت، لقيت أخوه عايش.
إيدي بردت.
— واعي؟
— أيوه.
— كان بيتكلم؟
— بصعوبة.
— وجوزي؟
— واقف جنبه.
سألته:
— ليه أخوه اتنقل؟
الراجل نزل عينه.
— لأن جوزك ماكانش عايز الشرطة تلاقي حاجة كانت معاه.
— إيه؟
— شنطة صغيرة.
قلبي دق.
— فيها إيه؟
— ورق… وفلاشة.
الأرض.
التوكيل.
التسجيلات.
قلت:
— جوزي خدهم؟
— أيوه.
— وبعدين؟
— طلب مني أخد أخوه بعربيتي ونوصله مستشفى بعيد.
— ليه بعيد؟
— قال إن المستشفى الأقرب إمكانياته ضعيفة.
— وكان بيكدب؟
هز راسه.
— أيوه.
قلت:
— ليه وافقت؟
— كنت بشتغل عند العيلة من سنين. صدقته.
— أخوه مات إمتى؟
قال:
— في الطريق.
غمضت عيني.
— كان ممكن يعيش لو راح المستشفى الأقرب؟
— معرفش.
— لكن اتأخر علاجه بسبب جوزي.
— أيوه.
دموعي نزلت.
قلت:
— وليه سكت ست سنين؟
قال:
— فلوس.
نفس الإجابة.
كل واحد في الحكاية كان عنده ثمن.
قال:
— دفعلي علشان أقول إن أخوه خرج من العربية بنفسه ومشي قبل ما يقع.
— وإنت وافقت.
— أيوه.
بعدين مد إيده بورقة.
— بس أخوه قبل ما يفقد وعيه إداني دي.
فتحتها.
خط مرتعش.
جملة واحدة:
“قول لنور الحقيقة. الأرض بتاعتها. والطفل مش ابني.”
حطيت إيدي على بوقي.
الراجل قال:
— احتفظت بيها.
قلت:
— ليه ما ادتهاليش؟
— جبنت.
بصيتله.
— ودلوقتي افتكرت ضميرك؟
قال:
— لأ.
طلع موبايله.
— جوزك كلمني من أسبوع.
— ليه؟
— سألني إذا كنت لسه محتفظ بالورقة.
قلبي دق.
— عرف إزاي؟
— معرفش.
— وإنت قلتله إيه؟
— قلتله إنها ضاعت.
سكت.
— بعدها لقيت حد داخل بيتي بيدور على حاجة.
قلت:
— وقررت تتكلم.
— أيوه.
أخدت الورقة.
— هتقول الكلام ده رسمي؟
هز راسه.
— المرة دي هقول كل حاجة.
الفصل الخامس — آخر اعتراف
تاني يوم قدمت كل حاجة لمحامي.
التسجيل.
الرسائل.
التقرير.
شهادة السواق.
والورقة اللي كتبها أخو جوزي.
وبدأ التحقيق في تفاصيل الحادثة القديمة من جديد.
جوزي اتصل بيا أكتر من عشرين مرة.
ما رديتش.
لحد ما بعت:
“مرة واحدة بس. اسمعيني وأنا هقول كل الحقيقة من غير كذب.”
وافقت أقابله في مكتب المحامي.
دخل.
كان شكله كأنه كبر عشر سنين في يومين.
قعد قصادي.
قلت:
— عندك فرصة واحدة.
سكت شوية.
وبعدين قال:
— أخويا ما ماتش في الحادثة.
— عارفة.
رفع عينه بسرعة.
قلت:
— كمّل.
— كان عايش.
— وعارف دي كمان.
بدأت إيده ترتعش.
— لما العربية اتقلبت، خرجت الأول. لقيته مصاب لكنه واعي.
— وبعدين؟
— كان ماسك الشنطة.
— اللي فيها أدلة ضدي.
هز راسه.
— أيوه.
— أخدتها منه؟
— أيوه.
— وليه ما اتصلتش بالإسعاف فورًا؟
سكت.
قلت:
— رد.
— خفت.
— على أخوك؟
غمض عينه.
— على نفسي.
لأول مرة…
قال الحقيقة من غير ما يلبسها كلمة “حماية”.
قلت:
— كم دقيقة ضيعت؟
— حوالي عشرين دقيقة.
شهقت.
عشرين دقيقة.
راجل مصاب بينزف…
وأخوه واقف يفكر إزاي يخبي أوراق.
قلت:
— وبعدين اتصلت بالسواق.
— أيوه.
— وخليته يوديه مستشفى أبعد.
— كنت عايز وقت أشيل كل حاجة من العربية قبل الشرطة.
قلت:
— أخوك مات بسببك؟
بدأ يعيط.
— التقرير الطبي القديم قال إن إصابته كانت خطيرة جدًا، ومحدش يقدر يجزم إنه كان هيعيش لو وصل أسرع.
سكت.
— بس أنا عارف إن كان ممكن أديله فرصة أحسن.
بصلي.
— وأنا سرقتها منه.
ما حسيتش بالشفقة.
يمكن لأن الجملة كانت صحيحة.
قلت:
— وبعد جنازته عشت معايا عادي؟
— لأ.
ضحكت.
— كنت بتجيبلي قهوة السرير.
— كنت بموت كل يوم.
— وأنا كنت عايشة معاك ومش عارفة إنت مين.
سكت.
قلت:
— وسليم؟
مسح دموعه.
— لما التحليل أثبت إنه ابني، حسيت إن ده عقابي.
— فقررت تعاقبني معاك؟
— لأ.
— حرمتني من الخلفة، كدبت عليا، وعشت أب لطفل في السر.
سكت.
— ده اسمه إيه؟
قال:
— أنانية.
هزيت راسي.
— أخيرًا.
سألته:
— حبيتني يوم؟
رفع عينه بسرعة.
— أكتر من أي حد.
قلت:
— حتى دي مش عارفة أصدقها.
— بدأت علاقتي بيكي بسبب الأرض، أيوه.
سكت.
— لكن بعد أول شهر، الأرض ما بقتش السبب.
ضحكت بحزن.
— كان ممكن تقوللي.
— وخفت أخسرك.
قلت:
— ففضلت تكذب لحد ما خسرتني بطريقة أسوأ.
ما ردش.
حطيت قدامه أوراق الطلاق.
— وقّع.
بص للأوراق.
وبعدين ليا.
— مفيش فرصة؟
— فرصة لإيه؟
— أصلح…
قاطعته:
— بعض الحاجات تتصلح.
سكت.
— الثقة اللي اتكسرت مرة ممكن تتبني.
لكن أشرت للموبايل القديم.
— إحنا مش بنتكلم عن كذبة.
— بنتكلم عن سبع سنين كاملة مبنية فوق أسرار.
مد إيده للقلم.
وقّع.
وأنا وأنا بتفرج عليه بيكتب اسمه، ما عيطتش.
الغريب إني حسيت براحة.
كأن الست اللي دخلت الأوضة تدور على خاتم…
أخيرًا خرجت منها.
الفصل السادس — داليا
بعد الطلاق، طلبت أقابل داليا.
مش علشان أتشاجر.
كنت محتاجة أشوف الست اللي كانت موجودة في حياتي وأنا مش موجودة في حياتها إلا كـ”الست التانية”.
دخلت ومعاها سليم.
أول مرة أشوفه قدامي.
كان طفل عادي جدًا.
ما يعرفش أي حاجة عن الخراب اللي الكبار بنوه حواليه.
بصلي وقال:
— إنتِ نور؟
ابتسمت رغم كل حاجة.
— أيوه.
قال:
— بابا عنده صورة ليكي.
داليا اتوترت.
أنا قلت:
— عارفة.
سليم راح يلعب بعيد.
قعدت داليا.
قلت:
— هتقولي له الحقيقة؟
— لازم.
— كلها؟
— اللي يناسب سنه دلوقتي. والباقي لما يكبر.
قلت:
— أهم حاجة ما تكملوش الكذبة.
هزت راسها.
— مش هكملها.
سكتنا.
بعدين قالت:
— أنا آسفة.
قلت:
— على إيه تحديدًا؟
دموعها نزلت.
— على خيانة جوزي.
سكتت.
— وعلى خيانتك إنتِ كمان.
قلت:
— كنتِ تعرفيني؟
— لأ.
— لكن كنتِ عارفة إنه متجوز.
— أيوه.
— يبقى كنتِ عارفة كفاية.
نزلت عينها.
قالت:
— كنت لسه بحبه.
قلت:
— الحب مش تصريح نأذي ناس تانية.
هزت راسها.
— عارفة دلوقتي.
وقبل ما تمشي سألتها:
— الخاتم ليه رفضتيه؟
بصتلي باستغراب.
قلت:
— الخاتم اللي اداهولي بعدك.
ابتسمت بحزن.
— لأنه عرضه عليا بعد ما قررت أتجوز أخوه.
— ورفضتيه؟
— أيوه.
سكتت.
— عارفة أكتر حاجة كانت بتوجعني؟
— إيه؟
— إني كل ما كنت أشوفه في إيدك، كنت أعرف إنه ما قالكيش الحقيقة.
قلت:
— وأنا كنت فاكرة إنه رمز لأجمل حاجة في حياتي.
قالت:
— هتعملي بيه إيه؟
بصيت للخاتم.
— ولا حاجة.
الفصل السابع — الأرض
قض\ية الأرض أخدت شهور.
اتثبت إن جزءًا من التوكيلات اتستخدم بطريقة تجاوزت اللي كنت فاهمة إني بوقع عليه.
واتعملت تسويات قانونية رجعتلي حقي بالكامل.
أما حصة أخو جوزي، فدخلت في إجراءات قانونية منفصلة بسبب حقيقة نسب سليم.
أنا رفضت أدخل في حرب على الجزء ده.
قلت للمحامي:
— أنا عايزة حقي وبس.
— لكن فيه تفاصيل ممكن تزود حصتك.
قلت:
— مش عايزة حاجة مش بتاعتي.
لأن بعد كل اللي حصل…
آخر حاجة كنت عايزاها إني أبقى نسخة من الناس اللي دمروا حياتهم علشان أرض وفلوس.
بعت جزء من أرضي بعد ما خلصت الإجراءات.
وسددت كل المشاكل المرتبطة بيها.
والباقي احتفظت بيه.
مش علشان قيمته.
لكن لأنه كان آخر حاجة حقيقية فضلتلي من أبويا.
الفصل الثامن — الحكم الأصعب
التحقيق في حادثة أخو جوزي ماكانش بسيط.
عدى عليها سنين.
والتقارير الطبية ماقدرتش تثبت بشكل قاطع إن التأخير وحده هو سبب الوفاة.
لكن ظهرت مخالفات تانية.
إخفاء أدلة.
معلومات غير صحيحة اتقالت وقت التحقيق.
والتلاعب في أوراق تخص الأرض.
جوزي السابق اتحمل نتيجة اختياراته قانونيًا.
لكن الحكم اللي كان أهم بالنسبة لي ماكانش حكم المحكمة.
كان اليوم اللي وقفت فيه قدامه للمرة الأخيرة.
قال:
— سليم بيسأل عليكي.
استغربت.
— عليا أنا؟
— عرف إننا اتطلقنا وإن فيه مشاكل.
قلت:
— ما تدخلش الطفل فيها.
— مش هدخله.
سكت.
وبعدين قال:
— بدأت أقوله الحقيقة.
— كويس.
— قلتله إني أبوه.
بصيتله.
— عمل إيه؟
دموعه لمعت.
— سألني ليه كنت بكدب عليه.
السؤال أصابه في المكان الصح.
قلت:
— وقلتله إيه؟
— قلتله إني كنت جبان.
هزيت راسي.
— دي أول حقيقة تستاهل يسمعها منك.
الفصل الأخير — الخاتم
عدت سنتين.
نقلت من البيت.
ماقدرتش أفضل في أوضة فيها سر اتخبى تحت سريري سنين.
بدأت حياة جديدة.
مش حياة مثالية.
بس حياتي أنا.
وفي يوم وأنا بفضي آخر كرتونة، لقيت علبة صغيرة.
فتحتها.
الخاتم.
نفس الخاتم اللي بدأت بسببه الحكاية كلها.
مسكته بين صوابعي.
افتكرت الليلة اللي وقع فيها.
لو ماكانش وقع…
يمكن كنت أفضل شهور.
يمكن سنين.
يمكن عمري كله…
نايمة فوق سر وأنا مش عارفة إن الحقيقة متثبتة بشريط لاصق تحت الناحية التانية من السرير.
ضحكت.
غريبة إن حاجة صغيرة زي خاتم تغير حياة كاملة.
قلبته.
الحرفين بتوع داليا لسه محفورين جواه.
زمان كانوا بيجرحوني.
دلوقتي ما حسيتش بحاجة.
حطيته في علبته.
لكن ما لبستوش.
بعد أسبوع، رحت للأرض.
وقفت هناك وقت الغروب.
كان الهوا هادي.
افتكرت أبويا.
وافتكرت أخو جوزي اللي حاول قبل موته يوصللي الحقيقة.
وافتكرت سليم.
طفل اتولد وسط خطايا مالوش ذنب فيها.
وافتكرت جوزي.
الراجل اللي يمكن حبني فعلًا…
لكن حبه ماكانش كفاية يخليه صادق.
وده كان أهم درس اتعلمته.
مش كل شخص بيجيبلك القهوة للسرير أمين.
ومش كل شخص بيفتكر عيد ميلادك صادق.
ومش كل ورقة مكتوب عليها “بحبك” معناها إن مفيش أسرار.
الحب مش التفاصيل الحلوة بس.
الحب أمان.
والأمان من غير حقيقة…
مجرد ديكور جميل لبيت أساسه مكسور.
قبل ما أمشي، طلعت الخاتم من شنطتي.
كنت فكرت أرميه.
لكن ما عملتش.
احتفظت بيه.
مش ذكرى لجوزي.
ولا لداليا.
احتفظت بيه علشان يفضل يفكرني بحاجة واحدة:
في الليلة دي، كنت برفع السرير علشان أدور على خاتم ضاع مني.
لكن اللي لقيته ماكانش الخاتم.
لقيت سبع سنين من الأسرار.
لقيت طفلًا ماكنتش أعرف إنه موجود.
لقيت خيانة حصلت وأنا متجوزة.
لقيت حقيقة حادثة اتدفنت.
لقيت أرض أبويا.
والأهم…
لقيت نفسي.
النسخة اللي كانت بتثق من غير ما تسأل ماتت يومها.
لكن ماطلعش مكانها ست شكاكة أو مكسورة.
طلع مكانها ست عرفت إن الثقة مش معناها إنك تغمض عينيك.
وإن المسامحة مش واجب.
وإن نهاية الجواز مش نهاية الحياة.
رجعت الخاتم للعلبة.
قفلتها.
ومشيت.
ولأول مرة من سبع سنين…
ماكنش فيه موبايل مستخبي.
ولا صور تحت السرير.
ولا راجل عنده حياة تانية.
كان فيه أنا وبس.
وحقيقة كاملة…
مهما كانت موجعة، كانت أرحم ألف مرة من أجمل كذبة عشتها.
تمت
✍️ الكاتبة أسما السيد — ممنوعة من النسخ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *