خطيبه ابني حكايات اسما ×3
الفصل السادس
تراجعت أنا وليان خطوة إلى الخلف.
عاد الطرق على الباب مرة أخرى.
لكن هذه المرة كان أعنف.
“افتحوا… تفتيش من إدارة الفندق.”
اقتربت ليان من العين السحرية مرة ثانية.
ثم هزت رأسها.
“لسه نفس الشخص.”
أخرجت هاتفي واتصلت بالاستقبال.
رد الموظف بسرعة.
قلت:
“لو سمحت… هل بعتوا حد لغرفتنا؟”
جاء الرد فورًا.
“لا يا فندم… محدش طلع عندكم.”
نظرت إلى ليان.
اتأكدنا.
اللي بره…
مش من الفندق.
قلت بصوت منخفض:
“اتصلي بالشرطة.”
في اللحظة نفسها…
توقف الطرق.
ساد صمت غريب.
انتظرنا دقيقة…
ثم دقيقتين…
ثم خمس دقائق.
فتحت العين السحرية.
الممر كان فاضي.
لكن على الأرض…
كان فيه ظرف أبيض.
فتحته بحذر.
لم يكن فيه سوى ورقة واحدة.
مكتوب عليها بخط أسود:
“اقفلوا الملف… وإلا هتدفنوا زيه.”
شعرت ببرودة تسري في جسدي.
ليان همست:
“هما عارفين إن الصندوق معانا.”
بعد أقل من عشر دقائق وصلت الشرطة.
فتشوا الممر.
راجعوا كاميرات الفندق.
لكن الرجل كان يضع قبعة وكمامة، وغادر بسرعة قبل وصول الأمن.
الضابط قال:
“واضح إن حد بيحاول يخوفكم.”
سألني:
“في حد ممكن يستفيد من الأوراق اللي معاكم؟”
أعطيته الملف.
بدأ يقلب فيه.
ثم توقف عند عقد قديم.
وقال:
“الغريب إن معظم الأسماء المذكورة هنا توفاهم الله من سنين.”
لكن اسمًا واحدًا…
ما زال حيًا.
كان مكتوبًا في آخر ورقة:
سليم عبد الرحيم السامرائي.
الضابط رفع حاجبه.
وقال:
“الراجل ده من كبار رجال الأعمال دلوقتي.”
أنا وليان نظرنا إلى بعض.
الاسم…
هو نفسه اسم العائلة المكتوب في سجل الأمانات.
في صباح اليوم التالي…
قررنا زيارته.
كان مكتبه داخل شركة ضخمة.
استقبلنا سكرتيره باحترام.
وبعد دقائق…
دخلنا إلى مكتبه.
كان رجلًا في أواخر الستينيات.
شعره أبيض.
لكن ملامحه قوية.
أول ما وقعت عيناه على القلادة المعلقة في رقبة ليان…
وقف فجأة.
وقال بصوت مرتجف:
“منين جبتوا القلادة دي؟”
قلت بهدوء:
“إحنا اللي جايين نسألك نفس السؤال.”
جلس ببطء.
وظل ينظر إليها طويلًا.
ثم قال:
“افتكرت إنها اختفت للأبد.”
أخرجت صورة جدي من الملف.
وضعتها أمامه.
تغير وجهه.
وأخذ الصورة بيد مرتجفة.
قال:
“ده أبوكم… الله يرحمه.”
استغربت.
“كنت تعرفه؟”
هز رأسه.
“مش بس أعرفه.”
“أنا مدين له بحياتي.”
ساد الصمت.
ثم فتح درج مكتبه.
وأخرج صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
وضعه أمامنا.
وقال:
“أبوكم سلمني أمانة قبل وفاته.”
“وقال لي…”
“متسلمهاش إلا لبنته هناء.”
تجمدت في مكاني.
“يعني حضرتك كنت تعرف إني هاجي؟”
ابتسم بحزن.
“كنت مستني اليوم ده من خمسة وعشرين سنة.”
فتح الصندوق.
وفي داخله…
رسالة مختومة.
ومفتاح آخر.
لكن هذه المرة…
كان مفتاحًا كبيرًا من الحديد.
ومكتوب عليه رقم واحد فقط.
17
رفعت الرسالة.
لكن قبل أن أفتحها…
قال سليم بصوت جاد:
“اقرئي الرسالة الأول.”
“بس لازم تعرفي…”
“بعد ما تفتحيها…”
“هتدخلي في سر كان سبب في موت ناس كتير.”
نظرت إلى ليان.
ثم إلى الرسالة.
وأدركت أن كل ما اكتشفناه حتى الآن…
لم يكن إلا بداية الحقيقة.
الفصل الأخير
نظرت إلى سليم، ثم إلى الرسالة المختومة.
لثوانٍ، لم أستطع أن أمد يدي.
كنت أشعر أن حياتي تنقسم إلى نصفين.
نصف قبل فتح الرسالة…
ونصف بعدها.
كسرت الختم ببطء.
كانت الرسالة قصيرة، بخط أمي.
“يا هناء… إذا وصلتِ إلى هذه المرحلة، فقد عرفتِ أنني أخفيت عنك أكثر مما أخبرتك به. سامحيني، لكنني كنت أحاول حمايتك.”
توقفت لحظة.
وأكملت القراءة.
“جدك لم يكن رجلًا ثريًا كما ظن الناس. كان أمينًا على أمانات عشرات العائلات أثناء سنوات الحرب، حتى لا تضيع حقوقهم وسط الفوضى.”
بدأت الصورة تتضح.
لهذا كان يحتفظ بسجل الأمانات.
ولهذا كانت هناك عقود ووثائق.
أكملت.
“كانت هناك مجموعة حاولت الاستيلاء على تلك الأمانات، فوزع جدك الأدلة على أكثر من مكان، حتى لا يستطيع أحد سرقتها كلها.”
ثم وصلت إلى آخر الرسالة.
“أما المفتاح رقم 17… فهو لا يفتح خزنة مليئة بالذهب، بل يفتح غرفة حفظ الوثائق الأصلية، وإذا بقيت هذه الوثائق، ستعود الحقوق إلى أصحابها.”
رفعت رأسي.
ونظرت إلى سليم.
قال بهدوء:
“أبوكِ وجدك أنقذا عائلات كثيرة.”
“لكن بعض الناس كانوا يظنون أن الخزنة مليئة بالثروة.”
ابتسمت لأول مرة.
إذن…
كل هذا الدم…
وكل هذا الخوف…
كان بسبب وهم.
في اليوم التالي…
ذهبنا أنا وليان وسليم، وبرفقتنا الشرطة والنيابة، إلى المبنى القديم الذي أشارت إليه الرسالة.
كان مبنى مهجورًا منذ عشرات السنين.
في الطابق السفلي…
وجدنا بابًا حديديًا قديمًا.
عليه الرقم نفسه.
17.
أدخلت المفتاح.
دار بسهولة.
وانفتح الباب.
دخلنا جميعًا.
كانت غرفة صغيرة.
لا تحتوي على صناديق ذهب.
ولا أكياس أموال.
بل خزائن معدنية مليئة بالملفات.
كل ملف يحمل اسم عائلة.
وكل ملف يحتوي على عقود ملكية.
وصايا.
وسندات.
ووثائق أصلية ظن أصحابها أنها ضاعت منذ سنوات طويلة.
نظر ضابط النيابة إلى الملفات وقال:
“دي ثروة…”
ثم ابتسم وأضاف:
“…لكنها ثروة قانونية، مش مالية.”
بدأت النيابة بمراجعة الوثائق وحفظها رسميًا.
وخلال الشهور التالية…
تمكن عدد كبير من الورثة من استعادة أراضٍ وبيوت وأوقاف كانت حقوقهم فيها معلقة لعقود.
أما العصابة التي ظلت تبحث عن “كنز الجد”…
فلم تجد شيئًا سوى الحقيقة.
ومن خلال الكاميرات، والبلاغات القديمة، وشهادات الحاج نعيم، والرسائل التي احتفظت بها جدة ليان، تمكنت الشرطة من الوصول إلى آخر أفراد المجموعة التي نبشت القبر قبل خمسة وعشرين عامًا.
واعترف أحدهم بالحقيقة كاملة.
قال إنهم صدقوا شائعة قديمة…
أن القلادة تقود إلى كنز.
لذلك فتحوا قبر أمي.
وسرقوا القلادة.
لكنهم لم يجدوا المفتاح.
فظلوا يبحثون طوال تلك السنوات.
بعد ستة أشهر…
أُغلقت القضية رسميًا.
وفي يوم هادئ…
ذهبت أنا وليان إلى مقبرة أمي.
حملت معي القلادة.
جلست أمام القبر.
وقرأت الفاتحة.
ثم همست:
“سامحيني يا أمي… السر اللي طلبتي يندفن معاك، كان لازم يطلع للنور علشان ترجع الحقوق لأصحابها.”
خلعت ليان القلادة من رقبتها.
وضعتها في يدي.
وقالت:
“مكانها عندك.”
ابتسمت.
ثم أعدتها إليها.
وقلت:
“لا.”
“القلادة دي جمعت بين عيلتين بعد سنين.”
“وخلاص بقت أمانة في رقبتك.”
بكت ليان.
وحضنتني.
وبعد أشهر قليلة…
تم زواجها من ياسر.
لكن هذه المرة…
لم يكن هناك خوف.
ولا أسرار.
ولا ماضٍ يطارد أحدًا.
وفي ليلة الزفاف…
أمسكت يدي وقالت:
“أنا دخلت بيتكم وأنا فاكرة إني جاية أقابل حماتي.”
ابتسمت.
فأكملت وهي تضحك وسط دموعها:
“طلع القدر جابني علشان أرجّع أمانة كانت تايهة من خمسة وعشرين سنة.”
نظرت إلى ياسر.
كان يبتسم وهو لا يعرف كم مرة أنقذت الصدفة حياتنا جميعًا.
وأدركت في تلك اللحظة…
أن بعض الأسرار لا تظهر لتدمر أصحابها…
بل تظهر في الوقت المناسب…
لتعيد الحق إلى أهله، وتغلق جرحًا ظل مفتوحًا ربع قرن.
تمت.
