في ليلة فرحنا حكـايـات أسمـا ×2
الفصل الثالث: المخزن المحترق
فضلت أبص للعنوان ثواني طويلة.
المخزن كان موجود في منطقة صناعية قديمة على أطراف القاهرة.
مكان بعيد.
ومهجور.
ومن النوع اللي الناس بتنساه أول ما يخرج من الخريطة.
مريم كانت واقفة جنبي.
الخوف واضح في عينيها.
وقالت:
“ما نروحش.”
“أرجوك.”
“حاسّة إنه فخ.”
…
بصيت للرسالة مرة تانية.
ثم قلت:
“ممكن.”
“بس لو اللي باعت الرسالة صادق.”
“يبقى دي أول مرة حد يقربنا من الحقيقة.”
…
مريم قعدت على السرير.
وحطت وشها بين إيديها.
وقالت:
“أنا تعبت.”
“سبع وعشرين سنة وأنا عايشة خايفة.”
“كل يوم أصحى خايفة.”
“كل يوم أنام خايفة.”
“حتى يوم فرحي.”
“حتى الليلة دي.”
…
قربت منها.
وقعدت جنبها.
وقلت:
“خلاص.”
“الليلة دي آخر ليلة خوف.”
…
رفعت عينيها.
واضح إنها نفسها تصدق.
لكن عمر كامل من الرعب كان أكبر من أي كلمة.
…
بعد ساعة.
كنا راكبين العربية.
القاهرة كانت شبه فاضية.
الساعة قربت على الثالثة فجرًا.
وأضواء الشوارع بتجري حوالينا.
مريم ساكتة.
وأنا مركز في الطريق.
لكن عقلي كان في حاجة تانية.
سامي الجندي.
راجل زي ده عمره ما يبني إمبراطورية كاملة من غير أسرار.
وعمره ما يضرب بنت رباها لو مجرد أوراق عادية.
فيه حاجة أكبر.
أكبر بكتير من شركة وأسهم.
…
وصلنا للمخزن.
البوابة الحديد كانت صدية.
والمكان كله غرقان في الظلام.
أول ما نزلت من العربية.
جالي إحساس غريب.
إحساس إن فيه حد بيراقبنا.
…
فتحت كشاف الموبايل.
ودخلنا.
الأرض مليانة تراب.
وصناديق قديمة.
وأرفف مكسورة.
والهواء ريحته رطوبة وسنين طويلة من النسيان.
…
وفجأة.
مريم مسكت دراعي.
بقوة.
“ياسين.”
بصيت ناحية إصبعها.
وكان فيه نور خافت.
طالع من آخر المخزن.
…
قربنا بحذر.
خطوة.
ورا خطوة.
لحد ما وصلنا لغرفة صغيرة.
بابها مفتوح.
…
وداخل الغرفة.
كان فيه راجل عجوز.
قاعد على كرسي.
وشعره أبيض بالكامل.
وكأنه مستنينا.
…
أول ما شاف مريم.
وقف فجأة.
وعينيه امتلوا بالدموع.
وقال:
“يا بنت محمود.”
…
مريم اتجمدت.
“إنت تعرف أبويا؟”
…
العجوز هز رأسه.
وبدأ يبكي.
بكاء راجل شايل ذنب سنين طويلة.
وقال:
“سامحيني.”
“سامحيني يا بنتي.”
…
قربت منه بسرعة.
وقلت:
“إنت مين؟”
…
قال:
“اسمي عبد الرحمن.”
“وكنت المحاسب الشخصي لمحمود السيوفي.”
“أبو مريم.”
…
سكت لحظة.
ثم أخرج ملفًا قديماً.
أسود اللون.
نفس الملف اللي كان ظاهر في الصورة.
…
مريم كانت ترتعش.
وقالت:
“إيه ده؟”
…
عبد الرحمن بلع ريقه.
وقال:
“الحقيقة.”
…
فتح الملف.
وبدأ يخرج أوراق صفراء.
مستندات.
عقود.
صور.
وتسجيلات قديمة.
…
ثم أخرج صورة.
ووضعها أمامنا.
…
مريم شهقت.
وأما أنا فشعرت ببرودة تسري في جسدي.
لأن الصورة كانت واضحة جدًا.
…
أبوها.
محمود السيوفي.
واقف مع سامي الجندي.
لكنهم ماكانوش بيتخانقوا.
…
كانوا قدام مصنع.
وخلفهم خزانات وقود.
…
وعلى ظهر الصورة.
جملة مكتوبة بخط اليد.
بتاريخ قبل الحريق بثلاثة أيام.
“إذا حدث لي شيء فالمسؤول الوحيد هو سامي الجندي.”
…
سكتت الغرفة كلها.
…
مريم بدأت تبكي.
دموع صامتة.
من النوع اللي بيخرج بعد سنين طويلة من الحبس.
…
لكن عبد الرحمن لم ينته.
…
أخرج جهاز تسجيل صغير قديم.
وقال:
“دي النسخة الوحيدة اللي فضلت عندي.”
…
ضغط زر التشغيل.
…
وفي البداية ظهر صوت تشويش.
ثم صوت رجل.
صوت محمود.
أبو مريم.
…
“أنا بسجل الكلام ده لو حصل لي حاجة.”
“سامي بيحاول يجبرني أبيع حصتي.”
“ويريد كل أملاكي.”
“رفضت.”
“ولو مت…”
“يبقى هو السبب.”
…
مريم انهارت تمامًا.
…
لكن قبل أن يكمل التسجيل.
سمعنا صوتًا بالخارج.
…
صوت محرك سيارة.
ثم سيارة ثانية.
ثم ثالثة.
…
تجمد عبد الرحمن.
وقال:
“لا.”
“لا لا لا.”
…
جريت ناحية النافذة.
وبصيت للخارج.
…
فشعرت أن الدم توقف في عروقي.
…
ست سيارات سوداء.
…
والرجال ينزلون منها.
…
لابسين بدلات سوداء.
وسماعات في آذانهم.
…
وفي منتصفهم.
نزل شخص واحد فقط.
…
شخص أعرفه جيدًا.
…
سامي الجندي.
…
كان واقف تحت ضوء المصباح القديم.
ويرفع رأسه ناحيتنا.
كأنه يعرف بالضبط مكاننا.
…
ثم ابتسم.
ابتسامة باردة جدًا.
…
وأخرج هاتفه.
…
وفي اللحظة نفسها.
هاتف مريم رن.
…
رقم سامي.
…
مريم كانت ترتعش.
لكنها ردت.
…
جاء صوته هادئًا كعادته.
هادئ بشكل مخيف.
…
“كنت عارف إنك هتيجي هنا.”
…
مريم لم تتكلم.
…
فقال:
“أنا في الخارج.”
“سلّمي الملف.”
“وهنعتبر اللي حصل سوء تفاهم.”
…
مريم نظرت للملف.
ثم إليّ.
…
فأكمل سامي:
“أما لو رفضتي.”
…
وسكت ثانيتين.
…
ثم قال الجملة التي جعلت عبد الرحمن يشحب فجأة:
“يبقى المحاسب هيموت الليلة.”
…
وفجأة.
وصل صوت كسر زجاج من الجهة الأخرى للمخزن.
…
ثم طلقة نارية.
…
ثم صرخة مدوية هزت المكان كله.
يتبع… 🔥الفصل الرابع: الطلقة الأولى
الصرخة دوّت في المخزن كله.
ومريم شهقت ورجعت خطوة لورا.
أما عبد الرحمن فوقع على الكرسي من الرعب.
ثواني قليلة.
لكنها كانت كفاية علشان أفهم إن الوقت خلص.
سامي ماجاش يتفاوض.
سامي جه ينهي كل حاجة.
للأبد.
…
جريت ناحية النافذة المكسورة.
وشفت اتنين من رجاله بيحاولوا يدخلوا من الجنب الخلفي.
وفي نفس الوقت.
كان فيه مجموعة تانية بتتحرك ناحية الباب الرئيسي.
يعني المخزن كله اتحاصر.
…
قفلت الستارة بسرعة.
وبصيت لعبد الرحمن.
وقلت:
“فيه مخرج تاني؟”
هز رأسه بسرعة.
وقال:
“فيه نفق قديم تحت المخزن.”
“كان بيتستخدم زمان لنقل البضائع.”
…
قبل ما يكمل.
سمعنا صوت ضربة قوية على الباب الحديد.
ثم ضربة تانية.
ثم تالتة.
…
الباب بدأ يهتز.
…
مريم كانت ماسكة الملف بإيديها كأنه آخر أمل في الدنيا.
أما أنا فخدت التسجيلات وحطيتها في شنطتي.
…
قلت لعبد الرحمن:
“ورينا الطريق.”
…
قام بصعوبة.
وأخذنا ناحية غرفة صغيرة خلف الأرفف.
كانت مليانة صناديق قديمة.
وسحب واحد منهم.
…
فظهر باب حديد صغير في الأرض.
…
لكن قبل ما نفتحه.
الباب الرئيسي للمخزن اتخلع.
…
وصوت رجالة بدأ يملأ المكان.
…
“دوروا عليهم.”
“ما يهربوش.”
…
مريم بدأت ترتعش.
لكن مسكت إيدها بقوة.
وقلت:
“بصيلي.”
…
بصت لي.
…
قلت:
“مهما حصل.”
“ما تسيبيش الملف.”
…
هزت رأسها وهي بتحاول تمنع دموعها.
…
فتح عبد الرحمن الباب السفلي.
ونزلنا بسرعة.
وأول ما قفلناه فوقنا.
سمعنا خطوات بتجري فوق رؤوسنا.
…
كان النفق ضيق.
ومظلم.
وريحته تراب قديم.
…
مشينا بسرعة.
لحد ما وصلنا لمخرج بعيد خلف المخزن بمئات الأمتار.
…
خرجنا للهواء.
وأخيرًا قدرنا نتنفس.
…
لكن فرحتنا ما كملتش.
…
لأن عربية سوداء كانت مستنيانا.
…
بابها اتفتح ببطء.
…
ونزل منها شاب في أواخر الثلاثينات.
لابس بدلة رمادية.
ووشه هادي جدًا.
…
مريم اتجمدت أول ما شافته.
…
وقال بصوت منخفض:
“مريم.”
…
هي همست:
“فارس؟”
…
بصيت لها باستغراب.
…
فقالت:
“ده ابن شريك بابا القديم.”
“كنا نعرف بعض وإحنا صغيرين.”
…
فارس قرب خطوة.
وعينيه كانت مليانة قلق.
…
وقال:
“مافيش وقت.”
“اركبوا.”
…
قلت بحذر:
“وإنت مين بالنسبة للموضوع؟”
…
نظر إليّ مباشرة.
ثم قال:
“أنا الشخص اللي بعت الرسالة.”
…
سكتنا كلنا.
…
وأكمل:
“وأنا الشخص اللي فضل يجمع أدلة ضد سامي من خمسة عشر سنة.”
…
قبل ما أتكلم.
جالنا صوت انفجار ضخم.
…
لفينا كلنا ناحية المخزن.
…
وفي ثواني.
اشتعلت النار في المبنى كله.
…
ألسنة اللهب ارتفعت للسماء.
…
ومريم وقفت مصدومة.
…
لأن المشهد كان مطابق لوصف الليلة اللي مات فيها أبوها.
…
النار.
الدخان.
والأسرار اللي بتتحرق.
…
فارس قبض على أسنانه وقال:
“هو بيكرر نفس الج*ريمة.”
“كل مرة يحرق الأدلة.”
…
ركبنا العربية بسرعة.
وانطلقنا بعيدًا.
…
وبعد عشرين دقيقة.
وصلنا إلى فيلا قديمة خارج القاهرة.
…
أول ما دخلنا.
فارس قفل الأبواب كلها.
ثم وضع جهاز تشويش فوق الطاولة.
…
وبعدين التفت لمريم.
…
وقال:
“في حاجة عمرك ما عرفتيها.”
…
مريم كانت مرهقة.
لكنها رفعت رأسها.
…
فارس فتح حقيبة صغيرة.
وأخرج ظرفًا أصفر قديمًا.
…
وقال:
“الرسالة دي أبوكي كتبها قبل موته بيوم واحد.”
…
مريم شهقت.
…
إيديها بدأت ترتعش وهي تفتح الظرف.
…
وكانت أول جملة مكتوبة بخط والدها:
“إذا كنتِ بتقري الرسالة دي يا مريم… فده معناه إن سامي نجح.”
…
الدموع نزلت من عينيها فورًا.
…
وأكملت القراءة بصوت مرتعش:
“أنا اكتشفت إن سامي سرق ملايين من الشركات المشتركة بينا.”
“ولما واجهته.”
“عرفت إنه مستعد يعمل أي شيء علشان يخفي الحقيقة.”
…
مريم كانت تبكي.
…
أما أنا فكنت أركز في كل كلمة.
…
ثم وصلت إلى السطر الأخير.
…
وفجأة سكتت.
…
وشحب وجهها بالكامل.
…
قلت بسرعة:
“في إيه؟”
…
ناولَتني الرسالة.
…
قرأت السطر الأخير.
…
فتجمدت مكاني.
…
لأن محمود كتب قبل موته:
“ولو مت قبل ما أوصلك الحقيقة…”
“دوري على أخوكي.”
…
مريم رفعت رأسها ببطء.
…
وقالت بصوت يكاد لا يُسمع:
“أنا… ماعنديش أخ.”
…
فارس أغلق عينيه.
كأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ سنوات.
…
ثم قال:
“لا.”
…
“عندك أخ.”
…
“وأخوكي لسه عايش.”
…
“وسامي الجندي هو اللي خبّاه كل السنين دي.”
يتبع… 🔥
