نجوت بك اسما السيد كاملة بدون فواصل

طالبـه فقيـره معدمه لكنها جميله حد الفتنه أنقذت رجلًا هاربًا بتوأمه بمنتصف طريق مهجور يلتقط انفاسه الاخيره ولم تكن تعلم أنه أحد أغنى رجال المال والأعمال في مصر

مريم عبد الرحمن…كانت دايمًا بترجع من المدرسة من طريق أطول من اللازم….مش لأنه أأمن،.ولا لأنه أحسن،..لكن لأنه الطريق الوحيد اللي بتمشي لوحدها… بعيد عن عيون الناس

هنا محدش بيشوف جزمتها القديمة اللي مفتوحة من الجنب.

ولا الشنطة اللي اتقطعت واتربطت بخيط. ولا حد يعرف إن آخر مرة أكلت فيها كانت قبل الظهر…

مريم كان عندها 19 سنة،ساكنة مع أمها فوق سطح عمارة قديمة في شبرا البلد..أبوها مات وهي صغيرة،وأمها بتشتغل تنظيف بيوت باليومية….النهارده كان الجو تقيل…مطر،…هوا،

وشوارع شبه فاضية….كانت ماشية سرحانه صوت المطر بيخبط عالارض زي سيمفونيه ..لحد ما اخترق سمعها حاجة خلتها توقف فجأة…. كان صوت بكا..مش صوت واحد…صوتين.

صوت أطفال…رضّع….قلبها دق بسرعة…لفّت حواليها…الدنيا كانت فاضية. حاولت تكمل مشي..بس الصوت بيعلي اكتر..رجليها اتحركت لوحدها…فمشيت ناحية الصوت غصب عنها صوت الاطفال بيقطع فيها …صوت الام اللي مولود جوا اي ست بيجذبها.. مشت لحد مخزن مقفول..قربت…بصت…اتصدمت…

شافت مشهد غيّر حياتها كلها…كان هناك رغم كل الجروح اللي على وشه ..باين انه مش راجل عادي ..ساند على حيطة صاج.

هدومه مبلولة،..وفيها دم…وشه شاحب….وعينه نص مفتوحة…وفي حضنه…طفلين رضّع، ملفوفين في بطانية خفيفة،

بيعيطوا بصوت كل مادا يضعف اكتر ..مريم اتجمدت.

والراجل شافها….حاول يتعدل بس في النهايه خرج صوته…سـاعديني من فضلك….
مريم فضلت واقفة مكانها كام ثانية، مش قادرة تتحرك، المطر بينزل على وشها كأنه بيغسل الصدمة من ملامحها، والراجل قدامها بيحاول يثبت نفسه بالعافية، إيده حاضنة الطفلين بقوة رغم إن جسمه كله كان بيتهز من الوجع والبرد. كانت أول مرة تشوف حد بين الحياة والموت بالشكل ده، وأول مرة تحس إن قرار واحد منها ممكن يغيّر مصير تلات أرواح. قربت بخوف، ركبتها بتخبط في بعضها، وقالت بصوت مرتعش: حضرتك… مين عمل فيك كده؟ الراجل بص لها بعينين مرهقين، وكان واضح إنه بيقاوم عشان يفضل صاحي دقيقة كمان. قال بصعوبة: مش مهم… خدي الولاد… لو جرالي حاجة… متسلميهمش لأي حد. قلبها اتقبض. خدي الولاد؟ هي طالبة فقيرة مش عارفة تجيب علاج لأمها، هتاخد طفلين رضّع وتعمل بيهم إيه؟ لكنها لما بصت للطفلين، واحد منهم كان وشه أحمر من العياط والتاني صوته بقى ضعيف لدرجة مرعبة. نسيت فقرها، نسيت خوفها، نسيت الطريق المهجور، وقربت أكتر. قالت: لازم أطلب إسعاف. الراجل قبض على طرف كمها بإيد مليانة دم وقال بخوف حقيقي: لا… مش أي مستشفى… هم مستنيين. مريم اتجمدت: هم مين؟ حاول يتكلم، لكن نفسه اتقطع، رأسه مالت على الحيطة، والطفلين صرخوا أكتر كأنهم حسوا إنه بيسيبهم.
مريم صرخت: لا! فوق! أرجوك فوق! ضربت على خده بخفة، لكنه كان بيفقد وعيه. دورت في جيوبه بإيدين مرتعشين، لقت موبايل مكسور وشوية مفاتيح وكارت صغير مبتل. حاولت تقرأ الاسم تحت ضوء عمود الشارع البعيد، لكن المطر كان ماسح الحروف. كل اللي شافته كلمة “ياسين” ورقم مطبوع بلون ذهبي. ماكانش قدامها وقت. نزعت شنطتها القديمة من على كتفها، فرغت الكتب على الأرض المبلولة، ولفت الطفل الأضعف بجاكت المدرسة الخفيف بتاعها، وحطت التاني في حضنها. رجعت تبص للراجل. مستحيل تسيبه. حاولت تسنده، لكن جسمه كان تقيل عليها جدًا. صرخت في الطريق: حد هنا؟ ساعدوني! لكن الشارع كان فاضي إلا من المطر والضلمة. بعد دقايق طويلة ظهر سائق توك توك من بعيد، رفعت إيدها ووقفت في نص الطريق كأنها بتقف قدام قدرها. السواق زعق: انتي مجنونة؟ ابعدي! قالت وهي بتعيط: في راجل بيموت ومعاه أطفال! بالله عليك ساعدني!
السواق نزل متردد، ولما شاف الدم اتراجع: لا يا بنتي، دي مصيبة، أنا ماليش دعوة. مريم مسكت دراعه وقالت برجاء: والنبي ما تسيبناش. لو مات هنا هتقدر تنام؟ الراجل بص لها، وبص للطفلين، ثم شتم تحت نفسه وقال: اركبوا بسرعة. ساعدها تشيل الرجل المصاب، وكان الراجل بينزف من جنبه، وكل ما يتحرك يطلع أنين ضعيف. مريم قعدت في التوك توك، طفل على صدرها وطفل على رجلها، والراجل ممدد جنبها رأسه على طرف شنطتها. قالت للسواق: أقرب مستشفى. لكن وهي بتقولها افتكرت كلمته: “مش أي مستشفى… هم مستنيين.” ترددت. السواق صاح: هنروح فين؟ قالت بسرعة: مستشفى صغير في شارع الخلفاوي… عند دكتور نبيل. أمي نضفت عنده قبل كده، دكتور محترم ومش بيسأل كتير. انطلق التوك توك وسط المطر، ومريم كانت كل شوية تحط إيدها تحت أنف الراجل تتأكد إنه لسه بيتنفس. كل نفس كان بيطلع منه بصعوبة كأنه آخر نفس في الدنيا. كانت تتمتم: يا رب… يا رب… يا رب.
وصلوا للعيادة الصغيرة، وكانت شبه مقفولة. خبطت مريم على الباب بكل قوتها، وهي تصرخ: يا دكتور نبيل! افتح بالله عليك! بعد لحظات فتح رجل خمسيني بوجه ناعس، وما إن رأى الدم والطفلين حتى اتسعت عيناه. قال: إيه اللي حصل؟ قالت مريم بسرعة: لقيته في الطريق، بيموت. دخلوه بسرعة! لم ينتظر الدكتور شرحًا. فتح الباب، ونادى الممرضة المقيمة، وبدأوا يدخلون الرجل إلى غرفة الكشف. مريم وقفت في الخارج، مبلولة حتى العظم، تحمل الطفلين، ترتجف من البرد والخوف. الممرضة خرجت بعد دقائق وقالت: الأطفال دول لازم يتدفوا ويتغيرلهم. عندك لبن؟ مريم هزت رأسها بحيرة: لا، دول مش ولادي. الممرضة نظرت لها باستغراب، لكن صوت الدكتور من الداخل قطع الكلام: يا سامية، جهزي محلول واطلبي أكسجين بسرعة، الجرح عميق.
مريم جلست على كرسي بلاستيك مكسور، وضمت الطفلين تحت طرحتها المبلولة تحاول تدفّيهم بجسمها. أحدهما بدأ يهدأ، والثاني ظل يبكي بصوت ضعيف. مدت إصبعها الصغير له، فقبض عليه بكفه الصغيرة. وقتها حصل شيء غريب في قلبها. هي لا تعرف اسمه، لا تعرف أباه، لا تعرف إن كانت ستخرج من هذه المصيبة سليمة أم ستُتهم بشيء، لكنها شعرت أن الطفل اختارها في تلك اللحظة لتكون أمانه. همست له: متخافش… أنا هنا. ثم ضحكت من نفسها بمرارة. هي نفسها لا تعرف من سيقول لها “أنا هنا”.
بعد ساعة خرج الدكتور نبيل، وجهه جاد ومتعب. نهضت مريم بسرعة: طمني. قال: لسه عايش، بس حالته خطيرة. محتاج نقل لمكان مجهز، الجرح مش بسيط، وفي كدمات وضرب واضح. انتي مين بالنسبة له؟ مريم ابتلعت ريقها: معرفوش. لقيته كده. الدكتور نظر لها بتشكك: ومعاه طفلين؟ قالت بانفعال صادق: والله معرفه. كان بيموت وقالّي ما أسلمش الأطفال لأي حد. الدكتور سكت لحظة، ثم قال: معاه أوراق؟ مدت له الكارت المبلول. أخذه، جففه بمنديل، وما إن قرأ الاسم حتى تغير وجهه تمامًا. رفع عينيه إليها بصدمة: انتي عارفة ده مين؟ هزت رأسها. قال بصوت منخفض: ده ياسين عز الدين. مريم رمشت ببطء: مين يعني؟ قال الدكتور: ياسين عز الدين يا بنتي… صاحب مجموعة عز الدين للاستثمار. من أغنى رجال الأعمال في مصر. مريم شعرت أن الكرسي تحتها اختفى. بصت ناحية غرفة الكشف ثم للطفلين، وقالت بذهول: أغنى رجال الأعمال… كان مرمي في المخزن؟ الدكتور قال بقلق: وده معناه إن اللي وراه مش ناس عاديين.
لم يكد ينهي جملته حتى سمعوا صوت سيارات تقف بعنف أمام العيادة. نظرت مريم من الشباك فوجدت سيارتين سودا واقفين، ورجال ببدل غامقة نزلوا بسرعة. قلبها وقع. الدكتور همس: تعرفيهم؟ قالت وهي تضم الطفلين: لا. تقدم رجل طويل وضخم وخبط على الباب بقوة. الدكتور قال للممرضة تطفي بعض الأنوار، ثم اقترب من الباب بحذر. صوت الرجل جاء من الخارج: افتح يا دكتور. عندك واحد مصاب دخل من شوية. مريم شعرت أن الدم اتجمد في عروقها. الدكتور نظر لها، وفهم كل شيء من وجهها. همس: خدي الأطفال وادخلي المخزن الصغير ورا. بسرعة. ركضت مريم وهي تحمل الطفلين، دخلت غرفة ضيقة فيها أدوات تنظيف وأدوية قديمة، وأغلقت الباب من الداخل دون صوت. كانت تسمع صوت الرجال بالخارج، وصوت الدكتور يحاول يبدو طبيعيًا: مصاب؟ مفيش حد هنا. الرجل قال ببرود: بلاش لف ودوران. إحنا عارفين إن بنت جابته هنا. الطفل الذي في حضنها بدأ يتحرك، فوضعت مريم يدها برفق على فمه دون أن تؤذيه، ودموعها تنزل بصمت. همست في أذنه: بالله عليك اسكت… حياتنا كلنا واقفة على نفسك الصغير ده.
فجأة سمعت صوت شيء يتحطم. الرجال دخلوا بالقوة. فتشوا العيادة. واحد منهم اقترب من المخزن. مريم شعرت أن قلبها سيتوقف. الباب فتح قليلًا، لكن في نفس اللحظة صرخ الدكتور من غرفة الكشف: المريض بيموت! لو بتدوروا عليه تعالوا شوفوه قبل ما يخلص! ابتعد الرجل عن المخزن وذهبوا ناحية الغرفة. مريم استغلت اللحظة، رأت شباكًا صغيرًا في آخر المخزن يؤدي إلى ممر خلفي ضيق. كان عاليًا، لكنها صعدت على صندوق قديم، دفعت الطفل الأول للممر بحذر فوق بطانية، ثم الثاني، ثم خرجت بصعوبة مزقت ذراع قميصها. في الخارج كان المطر ما زال يهطل، لكنها ركضت كأن الأرض تطاردها. لم تعرف إلى أين تذهب. فقط عرفت أنها لا يجب أن تتوقف.
ركضت في الحارات الخلفية حتى وصلت إلى بيتها فوق السطح. كان نفسها مقطوعًا وملابسها ملتصقة بجسمها. أمها، زينب، فتحت الباب فوجدت ابنتها تحمل طفلين رضّع وكأنها خرجت من كارثة. صرخت: يا مصيبتي! دول مين؟ مريم دخلت وأغلقت الباب وقالت وهي تلهث: هفهمك… بس دلوقتي عايزين يتدفوا. الأم لم تنتظر. رغم صدمتها، أخذت أحد الطفلين وبدأت تفرك جسمه بفوطة قديمة. سخنت ماء، وجففتهم، وأخرجت بطانية كانت تخبئها للشتاء. قالت وهي تنظر إلى مريم: انتي دخلتينا في إيه يا بنتي؟ مريم جلست على الأرض، ووجهها بلا لون: معرفش يا أمي. بس لو سيبتهم كانوا ماتوا. زينب توقفت عن الكلام. لأنها تعرف ابنتها. مريم قد تكون فقيرة، جائعة، مكسورة، لكنها لا تعرف كيف تدير ظهرها لمن يحتاجها.
في تلك الليلة لم تنم مريم. كانت تجلس بين الطفلين، تراقب صدرهما الصغير يعلو ويهبط. أمها اشترت علبة لبن أطفال بالدين من الصيدلية، ومريم باعت في الصباح التالي خاتمًا فضيًا قديمًا كان هدية من أبيها لتدفع جزءًا من الثمن. كانت تبكي وهي تبيعه، لكنها قالت لنفسها إن حياة طفلين أغلى من ذكرى، حتى لو كانت الذكرى آخر ما تبقى لها من أبيها. سمّت الطفل الهادئ “آدم” لأنها رأت في عينيه بداية جديدة، والطفل كثير البكاء “آسر” لأنه أسر قلبها من أول قبضة صغيرة على إصبعها.
بعد يومين، لم تسمع خبرًا عن ياسين. حاولت الاتصال بالرقم الموجود على الكارت من هاتف جارتهم، لكن الخط كان مغلقًا. لم تجرؤ على العودة إلى عيادة الدكتور نبيل. كانت تخاف أن يكون الرجال ما زالوا هناك أو أن يكون الدكتور تورط بسببها. وفي اليوم الثالث، بينما كانت عائدة من شراء لبن للأطفال، لاحظت رجلًا يقف أسفل العمارة يسأل البواب عنها. لم تقترب. اختبأت خلف عربية قديمة وسمعت البواب يقول: مريم؟ طالبة غلبانة، مالها؟ الرجل قال: كانت شايلة أطفال اليوم اللي فات. تعرف راحت فين؟ تجمدت. رجعت من طريق آخر وصعدت السلم الخلفي، وقالت لأمها: لازم نمشي من هنا الليلة. أمها شهقت: نمشي فين؟ قالت مريم وهي تجمع حاجات الأطفال: أي مكان. المهم محدش يلاقيهم.
لكن القدر لم يمهلهم. قبل المغرب، طرق الباب طرقًا هادئًا غريبًا. لم يكن طرق رجال يقتحمون. كان طرق شخص يعرف أنه يحمل مصيبة ويطلب الدخول بأدب. مريم حملت الطفلين وهمست لأمها ألا تفتح. جاء صوت من الخارج: آنسة مريم… أنا الدكتور نبيل. فتحت بعد تردد. دخل الدكتور ومعه رجل مسن يرتدي بدلة رمادية، وقور جدًا، عيناه متعبتان. قال الدكتور: متخافيش. ده الأستاذ فؤاد، المحامي الخاص بعائلة عز الدين. الرجل المسن نظر إلى الطفلين بعينين دامعتين وقال بصوت مكسور: الحمد لله… الحمد لله إنهم عايشين. مريم وقفت كالحائط أمام الطفلين: قبل أي حاجة، فين أبوهم؟ فؤاد تنهد بعمق: ياسين عايش. في مكان آمن. حالته كانت خطيرة، لكنه فاق النهارده وسأل عنك وعن ولاده. مريم شعرت أن ساقيها لا تحملانها. جلست فجأة. قالت: هو عايش؟ الدكتور ابتسم: عايش بفضل ربنا، وبفضلك.
فؤاد تقدم خطوة وقال: الأستاذ ياسين طلب إن الأطفال ما يرجعوش القصر دلوقتي. اللي حاولوا يقتلوه من جوه الدائرة القريبة منه. في ناس بتدور عليهم عشان الميراث والسيطرة على شركاته. مريم قالت بدهشة: وأنا مالي؟ أنا طالبة. لا أعرف شركات ولا ميراث. قال فؤاد: عشان كده اختارك القدر. محدش يتوقع إن أغلى طفلين في مصر مستخبيين في أوضة فوق سطح عند بنت فقيرة. أحست مريم بإهانة خفيفة، لكنه أكمل بسرعة: آسف، لم أقصد. أقصد إن بساطتك حمتهم. ثم أخرج ظرفًا كبيرًا وقال: دي أمانة من الأستاذ ياسين. مريم رفضت قبل أن تراه: لا. أنا مش عايزة فلوس. قال فؤاد: دي مش مكافأة، دي مصاريف للأطفال. قالت بحزم: اللبن والدواء هقبله عشانهم، لكن أنا مش ببيع ضميري. نظر إليها فؤاد بإعجاب واضح. قال: هو قال لي إنك هتقولي كده. سألته مريم بدهشة: هو يعرفني منين؟ ابتسم الرجل: من أول لحظة فاق فيها، قال: “البنت اللي عينيها كانت خايفة لكنها ما سابتنيش… دي أأمن من كل رجالة الحراسة اللي خانوني.”
ومن تلك اللحظة، بدأت حياة مريم تدخل منعطفًا لم تكن تتخيله. صار فؤاد يأتي كل يومين بأدوية ولبن واحتياجات للأطفال، لكن دون ضجة. وبدأت مريم ترعى آدم وآسر كأنهما قطعة من روحها. كانت تذهب للمدرسة صباحًا، تعود تركض، تذاكر ليلًا بجانب سريرهما الصغير المصنوع من صندوق خشبي كبير بفرشة قطنية. كانت أمها تقول لها: يا بنتي دول مش ولادك، متعلقيش قلبك. ومريم ترد وهي تبتسم بحزن: اللي يشيل طفل من الموت، قلبه مبيعرفش يرجعه غريب تاني.
بعد أسبوعين، جاء فؤاد وقال لها: الأستاذ ياسين عايز يشوفك. ارتبكت مريم فورًا. نظرت إلى ملابسها البسيطة ويديها الخشنتين من الغسيل والعمل. قالت: يشوفني ليه؟ قال: عايز يشكرك بنفسه. ترددت، ثم وافقت بشرط أن ترى الأطفال معه حتى يطمئن قلبها. أخذها فؤاد في سيارة هادئة إلى فيلا صغيرة بعيدة عن القاهرة، محاطة بحراسة لا يظهر منها شيء واضح. عندما دخلت، كان قلبها يخفق بعنف. رائحة المكان نظيفة وفاخرة، لكن ليس كقصر متكبر، بل كمكان مريض يحاول أن يتعافى. دخلت غرفة واسعة، وهناك رأته.
ياسين عز الدين كان جالسًا على كرسي بجانب النافذة، وجهه ما زال شاحبًا، آثار الجروح على حاجبه وشفته، وذراعه مربوط بضمادة. لكنه رغم الضعف كان له حضور قوي. رجل في أواخر الثلاثينيات، ملامحه حادة وهادئة، عيناه عميقتان كأنهما شاهدا خيانات كثيرة في وقت قصير. وعندما رأى مريم تحمل أحد التوأم، تغيّر وجهه تمامًا. لم يعد رجل أعمال ولا رجلًا مطاردًا. صار أبًا فقط. نهض بصعوبة، لكن مريم قالت بسرعة: لا تقومش. ابتسم لأول مرة وقال بصوت أجش: أنا كنت فاكر إني مش هقوم تاني أبدًا. ثم نظر إلى الطفلين، وامتدت يداه ترتجفان. أعطته مريم آدم، بينما وضعت آسر بجانبه. ضمهما إلى صدره، وأغمض عينيه طويلًا. دموعه نزلت بصمت. مريم خفضت عينيها احترامًا للحظة ليست لها.
بعد دقائق، قال ياسين دون أن يرفع عينيه: شكرًا كلمة قليلة جدًا عليكِ. قالت مريم بخجل: أنا عملت اللي أي حد كان هيعمله. نظر إليها مباشرة وقال: لا. أغلب الناس كانت هتجري. أغلب الناس جريت فعلًا. أنتِ وقفتي. سكتت. صوته كان يحمل امتنانًا ثقيلًا جعلها ترتبك. قال: عرفت إنك بعتي خاتم والدك عشان لبن الولاد. احمر وجهها وقالت بسرعة: مين قال لحضرتك؟ نظر إلى فؤاد، ثم عاد إليها: هيرجع لك. قالت بحزم رغم خجلها: أنا مش زعلانة عليه. كان للذكرى، لكن الأطفال كانوا محتاجين. قال ياسين بهدوء: عشان كده لازم يرجع. الذكريات النضيفة ما ينفعش تتباع عشان ناس تانية خانوا مسؤوليتهم.
كلماته لمست شيئًا داخلها. جلسا يتحدثان، وفهمت مريم أن زوجة ياسين ماتت أثناء الولادة قبل أشهر، وأن بعض أقاربه وشركائه رأوا في التوأم عائقًا أمام السيطرة على ثروته. ليلة الحادث، اكتشف خيانة أقرب الناس إليه، فهرب بطفليه قبل أن يُخطفا، لكنهم لحقوا به، واضطر يختبئ في المخزن حتى تنهار قوته. كان ياسين يحكي بهدوء، لكن عينيه كانتا تغليان من الألم. قالت مريم بصوت منخفض: صعب قوي لما اللي يأذيك يكون قريب. نظر إليها وكأنه سمع وجعه على لسانها. قال: جربتي؟ ابتسمت بمرارة: الفقر بيعرفك وشوش الناس بدري. مرات تلاقي الغريب أحن من القريب. قال: وأنا لقيت الغريبة أأمن من العيلة.
من يومها، صار ياسين يطلب رؤيتها بحجة الاطمئنان على الأطفال. في البداية كانت مريم تذهب مع أمها، ثم مع فؤاد، ثم بدأت تشعر أن المكان لم يعد يخيفها. كانت تدخل فتجد ياسين بانتظارها، لا بملامح رجل يأمر، بل بنظرة أب ينتظر من تعيد إليه أبناءه. كان يتعلم منها كيف تهدئ آسر حين يبكي، وكيف يعرف إن آدم جائع من حركة فمه، وكيف يلف البطانية دون أن يضايقهما. في إحدى المرات، حاول حمل الطفلين معًا فارتبك وضحكت مريم لأول مرة أمامه. نظر إليها مذهولًا. قالت: آسفة. قال: لا، اضحكي. البيت ده محتاج صوت ضحك. احمر وجهها، واعتذرت مرة أخرى. فقال بلطف: مريم، متعتذريش عن حاجة جميلة.
كانت هذه الجملة تلاحقها طوال الطريق إلى البيت. لم يسبق لأحد أن وصف ضحكتها بأنها جميلة. الناس كانوا يرون جمالها نقمة عليها، سببًا للهمس والنظرات الثقيلة، لذلك كانت تمشي مطأطئة الرأس دائمًا. أما ياسين، فرغم أنه رجل غني وقوي، لم ينظر إليها مرة بطريقة تخجلها. كان إذا حدثها خفض عينيه حين يشعر بتوترها، وإذا مد يده لشيء قريب منها انتظر حتى تبتعد قليلًا حتى لا تفزع. ذلك الاحترام جعل قلبها يطمئن رغمًا عنها.
وفي يوم، جاءت مريم إلى الفيلا فوجدت ياسين في حالة غضب مكتوم. فؤاد أخبره أن شقيقه غير الشقيق، رامي، هو العقل المدبر للهجوم، وأن نادين، خطيبته السابقة التي كانت تطمع في الزواج منه بعد موت زوجته، ساعدته في مراقبة تحركاته. مريم كانت واقفة عند الباب تحمل آسر. سمع ياسين صوتها فحاول أن يخفي غضبه، لكن عينيه فضحتاه. قالت: ممكن أسيب الأطفال وأمشي لو في مشكلة. قال بسرعة: لا. وجودك بيهدّي المكان. فوجئت بالعبارة. لم تجد ردًا. جلس وهو يضغط على جرحه من شدة الانفعال. وضعت آسر في سريره واقتربت بخوف: حضرتك بتنزف. قال: جرح قديم فتح. قالت دون تفكير: الجروح القديمة لما تتفتح بتوجع أكتر من الجديدة. نظر إليها طويلًا. قالت وهي تفتح علبة الإسعاف: أمي بتقول كده. سمح لها أن تغير الضمادة، وكانت أصابعها ترتجف كلما اقتربت من جلده. لاحظ ذلك فقال بصوت خافت: خايفة مني؟ قالت بصدق: لا… خايفة أغلط. قال: أنتِ أكتر إنسانة صح قابلتها في حياتي.
تجمدت يدها. رفعت عينيها إليه، فوجدته لا يمزح. كان ينظر إليها بنقاء مربك. أنهت الضمادة بسرعة وتراجعت. لكنه قال: مريم. توقفت. قال: أنا عارف إن الفرق بين عالمك وعالمي كبير، وعارف إن ظروفي معقدة، بس في حاجة لازم تعرفيها. من يوم ما فتحت عيني في العيادة، أول صورة افتكرتها كانت وشك وانتي شايلة ولادي تحت المطر. في اللحظة دي فهمت إن الإنسان مش بيتقاس بفلوسه ولا باسمه. بيتقاس باللي بيعمله لما محدش شايفه. ومحدش شافك غير ربنا… وبرغم كده اخترتي الرحمة. لم تتمالك مريم دموعها. قالت: أنا كنت مرعوبة. قال: بس ما هربتيش. قالت: لأنهم كانوا بيعيطوا. قال: وأنا كمان كنت بعيط من جوه، بس محدش سمعني غيرك.
هذا الكلام كان خطرًا على قلبها. كانت تعرف أن التعلق برجل مثله مستحيل. هي طالبة فقيرة تعيش فوق سطح، وهو رجل تفتح له البنوك أبوابها. لكنها كلما حاولت تذكير نفسها بالفارق، رأت آدم وآسر يمدان أيديهما لها، ورأت ياسين ينظر إليها كأنها ليست فقيرة، بل غنية بشيء فقده هو منذ زمن: الطمأنينة.
مرت الأيام، وتحولت الأسابيع إلى شهر. استعاد ياسين صحته تدريجيًا، لكن الخطر لم ينته. كان يجمع الأدلة ضد رامي ونادين بهدوء. خلال ذلك، قرر أن يوفر لمريم وأمها شقة آمنة. رفضت مريم بعناد. قال لها: المكان اللي إنتِ فيه غير آمن. قالت: وأنا مش هقبل صدقة. قال بحزم ناعم: دي مش صدقة. دي حماية للأطفال، وحماية ليكي لأنك بقيتي جزء من القضية. قالت: جزء من القضية مش جزء من العيلة. سكت ياسين كأن كلمتها آلمته. ثم قال بهدوء: ومن قال إنك مش جزء من العيلة؟ ارتبكت مريم: حضرتك فاهم قصدي. قال: وأنا فاهم قلبي. لم ترد. كان قلبها يسمع أكثر مما ينبغي.
انتقلت مريم وأمها إلى شقة صغيرة نظيفة في عمارة هادئة، باسم شركة ياسين لا باسمها حتى لا تشعر بالحرج. اشترطت أن تخصم الإيجار من مرتب ستأخذه مقابل رعاية الطفلين حتى تنتهي الأزمة. ياسين وافق لأنه فهم كرامتها. قال لها: تمام، هتشتغلي مربية مؤقتة لآدم وآسر، لكن بشرط تكملي دراستك، وأنا أوفر لك مدرسين لو احتجتي. قالت بحدة: أنا مش عايزة حد يصرف على تعليمي. قال بابتسامة: اعتبريها منحة عمل. قالت: بتحاول تكسب كل نقاش؟ قال: لا، بحاول أخسرك أقل خسارة ممكنة. ضحكت رغمًا عنها. فقال: أهو كده أنا كسبت.
في الشقة الجديدة، بدأت مريم تشعر لأول مرة أن الحياة قد تكون أوسع من سقف حديدي يسخن في الصيف ويغرق في الشتاء. لكنها لم تنسَ أصلها. كانت تذاكر بجد، ترعى الطفلين بحب، وتساعد أمها في كل شيء. ياسين كان يزورهم أحيانًا بحجة رؤية أولاده، لكنه كان يحمل معه كتبًا لها، أدوية لأمها، وأحيانًا كيس فاكهة بسيطًا. لم يبالغ في الهدايا حتى لا يجرحها. كان يتعلم كيف يحب امرأة كريمة دون أن يخنقها بعطائه.
وفي إحدى الأمسيات، انقطعت الكهرباء في الشقة. كانت مريم تجلس على الأرض وبجوارها شمعة، تهدهد آدم، بينما آسر نائم. طرق الباب، ففتحت لتجد ياسين واقفًا يحمل مصباحًا صغيرًا وعلبة طعام. قالت بدهشة: حضرتك جيت في الضلمة؟ قال: عرفت إن الكهربا قاطعة في المنطقة، والولاد بيخافوا من الحر. دخل بإذنها، وجلس على الأرض دون تكلف. قالت: المكان مش مناسب لحضرتك. نظر حوله ثم قال: المكان اللي فيه ولادي وفيه أنتِ مناسب ليا أكتر من أي قصر. سكتت. وضع الطعام أمام أمها باحترام، ثم جلس يساعد في تهوية الطفلين بالمروحة اليدوية. رجل بمليارات يجلس على أرض شقة بسيطة يلوّح بورقة كرتون لطفلين رضّع. المشهد كان غريبًا لدرجة أن زينب دمعت عيناها. قالت له: ربنا يكرمك يا ابني. نظر إليها بصدق: الكرم عندكم يا طنط. أنتم اللي شيلتوا ولادي وأنا ماكنتش قادر أحميهم.
بعد أن نام الطفلان، خرجت مريم إلى البلكونة الصغيرة. وقف ياسين على مسافة محترمة. كان الليل دافئًا، وأصوات الشارع بعيدة. قالت مريم: حضرتك لازم تبطل تقول الكلام ده. قال: أي كلام؟ قالت: اللي يخليني أنسى الفرق بيننا. سكت قليلًا ثم قال: الفرق في الفلوس ولا في القلوب؟ قالت بحزن: في كل حاجة. الناس مش هترحم. هيقولوا طالبة فقيرة خطفت قلب رجل غني عشان فلوسه. قال: والناس قالت إيه لما كنتِ جعانة وماشية بجزمة مقطوعة؟ هل رحموا؟ نظرت له بصدمة لأنه عرف. قال بهدوء: سامحيني، عرفت من فؤاد. بس مش عشان أوجعك. عشان أفهمك إن الناس لا ترحم في الفقر ولا في السعادة. فاختاري السعادة. قالت بصوت مهتز: وأنا لو اتعلقت وبعدين اكتشفت إن ده امتنان مش حب؟ قال: اسأليني. رفعت عينيها. قال بوضوح: أنا ممتن لك لأنك أنقذتِ أولادي. لكني أحبك لأنك أنقذتِ شيئًا فيّ كنت فاكر إنه مات. أحبك لأنك لما بتدخلي مكان، الخوف بيهدأ. أحبك لأنك قوية من غير قسوة، جميلة من غير غرور، وفقيرة في المال لكن غنية بالنور. أحبك يا مريم، ومش طالب منك رد دلوقتي. فقط لا تظلمي قلبي بأنه مجرد امتنان.
دخلت مريم غرفتها تلك الليلة وهي ترتجف. لم تنم. كتبت في كراستها المدرسية: “قال إنه يحبني. رجل لا يشبه عالمي ولا أحلامي الصغيرة. أخاف أن أصدقه فأضيع، وأخاف ألا أصدقه فأخسر الأمان الوحيد الذي جاءني بعد عمر من التعب. يا رب، إن كان خيرًا فقربه بلا ذل، وإن كان وهمًا فابعده بلا كسر.”
في صباح اليوم التالي، لم يأتِ ياسين كعادته. مر يوم، ثم اثنان. فؤاد قال إنه منشغل بأمر مهم. قلب مريم قلق، لكنها كابرت. وفي اليوم الثالث، انتشرت الأخبار: القبض على رامي عز الدين وعدد من المتورطين في محاولة قتل رجل الأعمال ياسين عز الدين وخطف طفليه. شاهدت مريم الخبر على تلفزيون صغير عند الجارة، ورأت صورة ياسين لأول مرة كما يراه العالم: رجل قوي ببدلة سوداء، يقف وسط الصحفيين بعينين صلبتين. لكنه حين سُئل كيف نجا، قال أمام الكاميرات: نجوت لأن الله أرسل لي إنسانة لا تملك شيئًا إلا الرحمة، فكانت أغنى من كل من حولي. شعرت مريم أن وجهها احترق من الخجل. الجارة قالت: يا بخت اللي يتكلم عنها كده. ومريم هربت قبل أن يعرف أحد أنها المقصودة.
في المساء، طرق الباب. كان ياسين. لكن هذه المرة لم يكن مصابًا ولا هاربًا. كان واقفًا بكامل هيبته، يحمل في يده علبة صغيرة مخملية، وخلفه فؤاد وأمينة، المربية الكبيرة التي كانت تخدم في بيت عائلته. ارتبكت مريم بشدة. قالت: في إيه؟ نظر إلى أمها باحترام وقال: طنط زينب، أنا جاي أطلب إيد مريم بالحلال، قدام حضرتك، وبكل وضوح. مريم شعرت أن الدنيا دارت بها. أمها وضعت يدها على صدرها. أما ياسين فنظر إلى مريم وقال: عارف إنك صغيرة، وعارف إنك لسه في دراستك، وعارف إنك مش محتاجة حد يشتريك، لذلك جاي أقول قدام أمك إن دراستك هتكمل، وحلمك هيكمل، وكرامتك قبل اسمي وفلوسي. أنا مش عايز مربية لأولادي. أنا عايز شريكة لحياتي، وأم أمان لآدم وآسر لو قلبك وافق، وزوجة أحترمها قبل ما أحبها. لم تستطع مريم الكلام. كانت تبكي بصمت. قالت أمها وهي تمسح دموعها: القرار قرارها. أنا ما أبيعش بنتي ولا أضغط عليها. نظر ياسين إلى مريم وقال: وأنا كمان مش هضغط. لو رفضتِ، هفضل مدين لك، وهتفضلي في أمان أنتِ ووالدتك، وكل حاجة تخص الأطفال هتكون بعقد واضح. لكن لو وافقتِ… أوعدك إنك مش هتدخلي بيتي كفقيرة أنقذتها، هتدخليه كملكة قلبي.
بكت مريم أكثر. ليس لأنها ضعيفة، بل لأن أحدًا أخيرًا منحها حق الاختيار. تذكرت الطريق المهجور، بكاء الطفلين، يده الملطخة بالدم وهي تمسك كمها، وتذكرت كل مرة نظر إليها كأنها قيمة لا ثمن لها. رفعت عينيها إليه وقالت بصوت خافت: أنا خايفة. ابتسم بحنان: وأنا كمان. قالت بدهشة: من إيه؟ قال: من إني ما أستحقكش. ضحكت من بين دموعها، وكانت تلك الضحكة جوابًا أوليًا قبل الكلام. ثم قالت: موافقة… بس بشرط. قال بسرعة: أي شرط. قالت: أكمل دراستي، وأمي تفضل معايا بإرادتها، وماحدش يتعامل معايا كأني أقل. قال ياسين دون تردد: ده مش شرط، ده حقك. ثم أضاف: وأنا كمان عندي شرط. توترت. قال بابتسامة دافئة: لما تخافي، تقوليلي. ما تهربيش لوحدك تاني في طريق مهجور. ابتسمت وهي تمسح دموعها: حاضر.
تمت الخطوبة في هدوء، بلا صخب ولا تباهٍ. لكن الخبر تسرب، واشتعلت مواقع التواصل. صور مريم انتشرت، وتعليقات الناس انقسمت بين من وصفها بالمحظوظة ومن اتهمها بأنها استغلت الموقف. في البداية انكسرت. جلست في غرفتها تقرأ بعض الكلمات القاسية، ووجهها يشحب. دخل ياسين فوجدها تبكي. أخذ الهاتف من يدها بهدوء وأغلقه. قالت: شوفت؟ قلت لك الناس مش هترحم. جلس أمامها وقال: بصيلي. رفعت عينيها. قال: الناس لا تعرف إنك شلتي أولادي تحت المطر، لا تعرف إنك بعتي خاتم أبوكي عشان لبنهم، لا تعرف إنك كنتِ ممكن تسيبيني أموت وتنجي بنفسك. الناس شايفة صورة، وأنا شفت الحقيقة. تختاري تصدقي مين؟ صمتت. قال: العالم كله لو قال إنك قليلة، يكفي إن رب العالمين شافك عظيمة في لحظة محدش كان موجود فيها. انهارت دموعها. اقترب خطوة وسأل بعينيه قبل يده، فلما لم تبتعد، وضع يده فوق رأسها بحنان. قال: أنا مش هسمح لكلامهم يوصل لقلبك. قالت بصوت مكسور: بس هيوصل. قال: يبقى كل مرة يوصل، هفكرك أنتِ مين.
اقترب موعد الزواج. لم تطلب مريم فستانًا غاليًا ولا قاعة ضخمة. قالت لياسين: أنا عايزة كتب أكتر من الدهب. فضحك وقال: الدهب هييجي، والكتب كمان. أقام لها عقد قران بسيطًا في مسجد صغير قريب من بيتها القديم، لأنها أصرت أن يبدأ الفرح من المكان الذي تحملت فيه. جاء بعض أهل الحي، وجاء الدكتور نبيل، وفؤاد، وأمينة، وأمها زينب التي لم تكف عن البكاء. كان ياسين يرتدي بدلة بسيطة، ومريم ترتدي فستانًا أبيض محتشمًا جعلها تبدو كدعاء مستجاب. عندما وقع الشيخ العقد، نظر ياسين إليها وقال بصوت لا يسمعه إلا هي: من أول ليلة شفتك فيها، كنتِ تنقذين حياتي. النهارده أنتِ بتبدئيها. احمر وجهها وقالت: وأنا كنت فاكرة إني أنقذت رجلًا غريبًا… طلع هو اللي هينقذ قلبي من الوحدة.
بعد الزواج، دخلت مريم قصر ياسين وهي تحمل آدم، بينما هو يحمل آسر، لكن هذه المرة لم تكن خائفة كما توقعت. القصر كان واسعًا، والرخام يلمع، والخدم يقفون باحترام، لكن يد ياسين التي كانت قريبة من يدها جعلت المكان أقل رهبة. قال أمام الجميع: مدام مريم صاحبة البيت. أي احترام ليا يبدأ باحترامها. نظرت إليه بامتنان، لكنه همس: لا تشكريني على حقك. في تلك الليلة، نام الطفلان مبكرًا، وجلست مريم في شرفة جناحها تطل على حديقة واسعة. جاء ياسين ووقف عند الباب. قال: ممكن أدخل؟ ابتسمت بخجل: ده بيتك. قال: وأنتِ أمانه، والاستئذان لا يقلل من حقي، يزيد من قدرك. دخل وجلس بعيدًا قليلًا. قال: عارفة؟ أنا كنت أخاف القصر ده. استغربت: أنت؟ قال: آه. كان مليان أصوات ناس عايزة مني حاجة. النهارده لأول مرة أحسه بيت. قالت: وأنا كنت أخاف البيوت الكبيرة. قال: ليه؟ قالت: لأن كل ما البيت يكبر، بحس إن الواحد ممكن يضيع جواه. نظر إليها بحنان: لو ضيعتي، نادي عليّ. قالت: ولو أنت ضيعت؟ قال: هلاقيكي من صوت التوأم. ضحكت، فضحك معها.
ومع مرور الشهور، لم تكن حياة مريم خرافة سهلة. واجهت نظرات المجتمع، وتعلمت كيف تدخل اجتماعات بجانب ياسين دون أن ترتبك، وكيف ترد على من يقلل منها بهدوء. أكملت دراستها بتفوق، وبدأت مشروعًا صغيرًا لدعم الطالبات الفقيرات بالكتب والملابس المدرسية. كانت تقول: الفقر مش عيب، لكن كسر نفس الفقير جريمة. ياسين كان يقف في الخلف، لا يسرق ضوءها، بل يحرسه. وعندما رزقها الله بعد سنوات بطفلة صغيرة، أصر آدم وآسر، وقد كبرا بما يكفي للكلام، أن يسمياها “رحمة”، لأن أمهم جاءت إلى حياتهم من باب الرحمة.
وفي كل ذكرى للمطر، كانت مريم تطلب من ياسين أن يأخذها إلى الطريق القديم. يقفان هناك أمام المخزن المهجور الذي صار مغلقًا بالصدأ. تمسك يده وتقول: هنا بدأت الحكاية. فيرد وهو ينظر إليها: لا، هنا انتهت موتتي. أما الحكاية فبدأت يوم قررتِ ألا تمشي. كانت تبتسم، وتتذكر تلك الطالبة الجائعة صاحبة الحذاء المقطوع، التي ظنت أنها لا تملك شيئًا، فإذا بها تملك قلبًا كان كافيًا لينقذ رجلًا، وطفلين، ونفسها أيضًا. وهكذا لم تصبح مريم غنية لأنها تزوجت ياسين عز الدين، بل لأنها علّمته أن أغلى ثروة في العالم ليست المال ولا القصور ولا الشركات، بل يد صغيرة تمتد في المطر، وقلب فقير لا يعرف كيف يترك إنسانًا يموت وحده.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *