سبوع ابن صديقتي حكايات اسما ×4

الفصل الثامن

 

فضلت باصة للصورة فترة طويلة.

 

إيدي كانت ماسكة الورقة.

 

لكن عقلي كان رافض يستوعب.

 

التاريخ واضح.

 

والصورة واضحة.

 

والرجل واضح.

 

واسمه كان معروف في عالم المال كله.

 

محمود السيوفي.

 

رجل الأعمال اللي مات من أكتر من عشرين سنة.

 

واللي كانت بينه وبين عيلة المنصوري عداوة شهيرة وقتها.

 

رفعت عيني ناحية شريف.

 

قلت بصوت خافت:

 

“إيه معنى الصورة دي؟”

 

شريف سحب نفس طويل.

 

وقال:

 

“المشكلة مش في الصورة.”

 

“المشكلة في اللي معاها.”

 

فتح ظرف قديم كان موجود جوه الملف.

 

وأخرج مجموعة أوراق صفراء من الزمن.

 

تحاليل.

 

خطابات.

 

وصور.

 

وفي آخر الملف كانت رسالة بخط يد شخص متوفى.

 

شخص اسمه الحاج منصور المنصوري.

 

الجد الأكبر للعائلة.

 

بدأت أقرأ.

 

ومع كل سطر كانت الصدمة تكبر.

 

الحاج منصور اكتشف قبل وفاته بسنوات سرًا خطيرًا.

 

سرًا حاول يخفيه عن الجميع.

 

حتى عن ابنه.

 

وحتى عن عمرو نفسه.

 

لأن عمرو…

 

لم يكن ابن الرجل الذي حمل اسمه.

 

اتسعت عيناي.

 

وقرأت السطر مرة ثانية.

 

وثالثة.

 

ورابعة.

 

لكن الكلمات لم تتغير.

 

عمرو ليس ابن المنصوري الحقيقي.

 

كان ابن محمود السيوفي.

 

الرجل الذي ظهر في الصورة.

 

سندت ظهري على الكرسي.

 

وحاولت أتنفس.

 

فجأة فهمت أشياء كثيرة.

 

فهمت ليه الجد كان متمسك بشريف.

 

فهمت ليه كانت فيه توترات قديمة داخل العائلة.

 

فهمت ليه الحاجة فوزية كانت مستعدة تعمل أي شيء.

 

أي شيء.

 

حتى لو دمرت ناس كتير.

 

لأن انكشاف الحقيقة كان معناه سقوط كل شيء.

 

اسم العائلة.

 

الإرث.

 

السلطة.

 

الشركات.

 

كل حاجة.

 

قلت لشريف:

 

“يعني هي كانت بتحارب علشان محدش يعرف؟”

 

هز رأسه.

 

“بالضبط.”

 

“لكن ده مش كل شيء.”

 

وأنا كنت بدأت أكره الجملة دي.

 

كل مرة أسمعها أكتشف كارثة جديدة.

 

سألته:

 

“في إيه تاني؟”

 

فتح درج مكتبه.

 

وأخرج فلاشة صغيرة.

 

وقال:

 

“دي اللي خلتهم يطاردوني.”

 

أخذتها.

 

وسألته:

 

“إيه عليها؟”

 

قال:

 

“الدليل الكامل.”

 

“اختلاسات.”

 

“غسيل أموال.”

 

“حسابات خارجية.”

 

“رشاوى.”

 

“وكل شخص شارك.”

 

قلبي دق بقوة.

 

سألته:

 

“حتى دينا؟”

 

رد بهدوء:

 

“خصوصًا دينا.”

 

سكتت.

 

رغم كل شيء.

 

لسه جزء جوايا كان رافض يصدق.

 

لكن الأدلة كانت واضحة.

 

دينا لم تكن مجرد أخت خائنة.

 

كانت شريكًا كاملًا.

 

من سنوات.

 

قال شريف:

 

“وأظن إن الوقت جه تعرفي الحقيقة الأخيرة.”

 

رفعت عيني.

 

قال:

 

“أختك ما دخلتش اللعبة علشان الفلوس.”

 

“دخلتها علشان عمرو.”

 

شعرت وكأن أحدهم سكب ماءً مثلجًا فوق رأسي.

 

“إيه؟”

 

“دينا كانت بتحبه.”

 

ضحكت.

 

ضحكة قصيرة متوترة.

 

لأن الكلام بدا مستحيلًا.

 

لكن شريف لم يضحك.

 

وقال:

 

“من قبل جوازكم.”

 

“بسنين.”

 

الصمت ملأ المكان.

 

وفجأة بدأت أسترجع مواقف قديمة.

 

نظرات.

 

تصرفات.

 

أسئلة غريبة.

 

غيرة غير مبررة.

 

وجود دائم.

 

كلها كانت موجودة.

 

وأنا لم أرها.

 

أو ربما رفضت رؤيتها.

 

قال شريف:

 

“هي كانت مقتنعة إنك أخدتيه منها.”

 

“ولما ياسمين احتاجت حد يساعدها…”

 

“لقيت دينا.”

 

سكت.

 

ثم أضاف:

 

“ومن يومها بدأ كل شيء.”

 

شعرت بثقل رهيب داخل صدري.

 

ليس بسبب عمرو.

 

ولا بسبب ياسمين.

 

بل بسبب أختي.

 

لأن خيانة الغريب تؤلم.

 

لكن خيانة الدم تجرح مكانًا أعمق.

 

مكانًا لا يلتئم بسهولة.

 

وفي تلك اللحظة بالضبط…

 

رن هاتفي.

 

نظرت للشاشة.

 

وكان الاسم الظاهر:

 

دينا.

 

نهاية الفصل الثامن

 

الفصل التاسع

 

الهاتف استمر في الرنين.

 

مرة.

 

واتنين.

 

وثلاثة.

 

وأنا أنظر للاسم فقط.

 

كأن الشاشة تحولت إلى نافذة للماضي كله.

 

دينا.

 

أختي الصغيرة.

 

الطفلة التي كنت أحملها على كتفي.

 

البنت التي كنت أخاف عليها أكثر من نفسي.

 

البنت التي وعدت أمي قبل وفاتها أن أرعاها.

 

والنهارده نفس البنت دي كانت جزءًا من أكبر خيانة في حياتي.

 

أخيرًا ضغطت زر الرد.

 

صوتها خرج مرتبكًا.

 

“ألو؟”

 

لم أرد.

 

قالت بسرعة:

 

“علياء… إنتِ فين؟”

 

ما زلت صامتة.

 

فأكملت:

 

“أنا محتاجة أشوفك.”

 

الغريب أنها كانت خائفة.

 

خائفة فعلًا.

 

قلت لأول مرة:

 

“ليه؟”

 

سكتت ثواني.

 

ثم قالت:

 

“علشان أنقذك.”

 

ابتسمت بسخرية.

 

أنقذيني؟

 

بعد كل اللي عملتيه؟

 

لكن قبل أن أتكلم قالت جملة قلبت كل شيء.

 

“ياسمين هربت.”

 

اتسعت عيناي.

 

“إيه؟”

 

“اختفت.”

 

“ومعاها آدم.”

 

وقفت من مكاني فورًا.

 

شريف أيضًا اعتدل في جلسته.

 

وسمع جزءًا من الكلام.

 

سألت بسرعة:

 

“إمتى؟”

 

قالت:

 

“من ساعة.”

 

“والحاجة فوزية قلبت الدنيا.”

 

“والشرطة الخاصة بالشركة بتدور عليها.”

 

شعرت أن شيئًا خطيرًا يحدث.

 

شيء خارج الخطة.

 

قلت:

 

“إنتِ عرفتي منين؟”

 

سكتت.

 

ثم قالت:

 

“لأني كنت معاها.”

 

أغمضت عيني.

 

طبعًا.

 

دائمًا.

 

هي موجودة في قلب كل كارثة.

 

لكن صوتها كان مختلفًا.

 

مرعوبًا.

 

وقالت:

 

“اسمعيني كويس.”

 

“في حد أكبر مننا كلنا.”

 

“وأكبر من الحاجة فوزية.”

 

نظرت لشريف.

 

وجدته متجمدًا.

 

كأنه يعرف ما ستقوله.

 

قلت:

 

“مين؟”

 

فجاء الرد:

 

“مجلس الأمناء.”

 

الاسم جعل شريف يشحب فجأة.

 

وأدركت أنني دخلت منطقة أخطر بكثير مما توقعت.

 

لأن كل ما حدث حتى الآن…

 

لم يكن سوى الجزء الظاهر من الجبل.

 

أما ما تحته…

 

فكان شيئًا آخر تمامًا.

 

وفي نفس اللحظة وصلت رسالة على هاتفي من رقم مجهول.

 

فتحتها.

 

وكانت تحتوي على صورة واحدة فقط.

 

صورة حديثة لياسمين.

 

تحمل آدم بين ذراعيها.

 

وخلفها بوابة مطار خاص.

 

أما الرسالة أسفل الصورة فكانت تقول:

 

“إذا كنتِ تريدين الحقيقة كاملة…

 

تعالي وحدك.”

 

نهاية الفصل التاسعالفصل العاشر

 

فضلت أبص للصورة ثواني طويلة.

 

ياسمين واقفة قدام طائرة خاصة.

 

شايلة آدم.

 

وبتبص للكاميرا كأنها متعمدة توصل رسالة معينة.

 

مش رسالة خوف.

 

ولا هروب.

 

لكن رسالة انتظار.

 

كأنها مستنية أوصّل.

 

شريف قام من مكانه فورًا.

 

وقال:

 

“ممنوع تروحي.”

 

رفعت عيني ناحيته.

 

“وليه؟”

 

قال بعصبية واضحة:

 

“لأن دي مصيدة.”

 

“وأعرفهم كويس.”

 

“لو كانوا عايزين يقتلوكي مش هيبعتوا دعوة.”

 

“ولو بعتوا دعوة يبقى عايزين حاجة أخطر.”

 

كلامه كان منطقي.

 

لكن كان متأخر.

 

لأن فضولي بقى أقوى من خوفي.

 

وأقوى من غضبي.

 

وأقوى حتى من رغبتي في الانتقام.

 

أنا كنت عايزة أعرف.

 

بس.

 

عايزة أعرف الحقيقة كاملة.

 

من أول يوم.

 

من أول كذبة.

 

من أول شخص قرر يحول حياتي للعبة شطرنج.

 

وصلتني رسالة ثانية.

 

عنوان.

 

وتوقيت.

 

ومكان.

 

وفي آخر الرسالة جملة واحدة:

 

“تعالي لو عايزة تعرفي ليه اختارك عمرو أصلًا.”

 

الجملة دي هي اللي كسرت آخر تردد عندي.

 

لأنها لمست سؤال عمره أربع سنين.

 

سؤال كنت بهرب منه.

 

هل عمرو حبني فعلًا؟

 

ولا كنت مجرد جزء من خطة؟

 

خرجت من عند شريف بعد ساعة.

 

لكن ما قلتلوش الحقيقة.

 

ما قلتلوش إني قررت أروح.

 

لأنني لو قلت كان هيحاول يمنعني.

 

وفي المساء وصلت للمكان.

 

فيلا قديمة على أطراف القاهرة.

 

بعيدة.

 

هادية.

 

ومقفولة من الخارج.

 

لكن أول ما قربت البوابة فتحت تلقائيًا.

 

كأنهم كانوا مستنيين.

 

دخلت.

 

والحديقة كانت مظلمة.

 

إلا من أنوار خافتة على الممر الحجري.

 

مشيت ببطء.

 

قلبي بيدق بعنف.

 

لحد ما وصلت للفيلا.

 

الباب كان مفتوح.

 

دفعتُه.

 

ودخلت.

 

وفي الصالة الكبيرة كانت ياسمين قاعدة.

 

لوحدها.

 

آدم نايم جنبها.

 

وأول ما شافتني وقفت.

 

لا هربت.

 

ولا ارتبكت.

 

ولا حتى اتفاجئت.

 

قالت بهدوء:

 

“عرفت إنك هتيجي.”

 

وقفت قدامها مباشرة.

 

“إنتِ دمرتي حياتي.”

 

ابتسمت ابتسامة حزينة.

 

وقالت:

 

“وأنتِ فاكرة إن دي كانت حياتك؟”

 

سكتت.

 

فأشارت للكنبة.

 

“اقعدي.”

 

طبعًا ما قعدتش.

 

لكنها كملت.

 

“إنتِ جاية تسمعي الحقيقة.”

 

“فاسمعي.”

 

بصت ناحية آدم.

 

ثم قالت:

 

“أنا عمري ما حبيت عمرو.”

 

الكلام فاجأني.

 

رغم كل شيء.

 

قالت:

 

“ولا مرة.”

 

“ولا يوم.”

 

“ولا حتى ساعة.”

 

سألتها:

 

“يبقى ليه كل ده؟”

 

تنهدت.

 

وقالت:

 

“لأن اللي بدأ اللعبة ماكانش أنا.”

 

“كان أبوه.”

 

اتجمدت مكاني.

 

“أبوه؟”

 

“مين؟”

 

رفعت عينيها ناحيتي.

 

وقالت:

 

“الرجل اللي ربّاه.”

 

“مش الرجل اللي خلّفه.”

 

الصمت ملأ المكان.

 

ثم أكملت:

 

“قبل عشر سنين تقريبًا.”

 

“كان فيه قرار.”

 

“قرار داخل العيلة.”

 

“إن لازم حد معين يمسك المجموعة.”

 

“وإن أي شخص يعطل القرار لازم يختفي.”

 

قلت:

 

“شريف.”

 

هزت رأسها.

 

“شريف كان أول ضحية.”

 

“وأنتِ كنتِ الثانية.”

 

حسيت بقشعريرة تسري في جسدي.

 

“أنا؟”

 

قالت:

 

“أيوة.”

 

“إنتِ اتختارتي من البداية.”

 

“قبل الجواز أصلًا.”

 

الفصل الحادي عشر

 

كل عضلة في جسمي اتشدت.

 

“إيه يعني اتختارت؟”

 

ياسمين بصتلي مباشرة.

 

وقالت:

 

“يعني عمرو ما قابلكيش صدفة.”

 

سكتت.

 

لكنها كملت بسرعة قبل ما أتكلم.

 

“مش معنى كده إنه ماحبكيش.”

 

“بس البداية ما كانتش صدفة.”

 

“أبدًا.”

 

شعرت كأن الهواء اختفى من المكان.

 

أربع سنين كاملة.

 

أربع سنين كنت فاكرة إن لقاءنا طبيعي.

 

إن علاقتنا بدأت عادي.

 

إن الإعجاب كان حقيقي.

 

لكن ياسمين كانت بتحكي حاجة مختلفة.

 

قالت:

 

“أنتِ وقتها كنتِ صاعدة بسرعة.”

 

“عندك شركات.”

 

“استثمارات.”

 

“عقارات.”

 

“وسمعة ممتازة.”

 

“ومافيش وريث مباشر لأصولك.”

 

بدأت أفهم.

 

ببطء.

 

وبرعب.

 

قالت:

 

“وكان مطلوب شخص يدخل حياتك.”

 

“شخص يربط ثروتك بالعيلة.”

 

“وشخص سهل التحكم فيه.”

 

ضحكت بمرارة.

 

“وعمرو كان الشخص ده؟”

 

هزت رأسها.

 

“كان المفروض.”

 

ثم أضافت:

 

“لكن المشكلة إن عمرو وقع في حبك فعلًا.”

 

لأول مرة منذ بداية الحديث ظهر صدق غريب في عينيها.

 

وقالت:

 

“وده اللي خرب الخطة.”

 

“لأنهم كانوا عايزينه ينفذ.”

 

“وهو بدأ يتردد.”

 

افتكرت حاجات كثيرة.

 

مواقف.

 

مشاجرات.

 

قرارات تراجع عنها.

 

ملفات رفض يوقعها.

 

مشاريع أوقفها فجأة.

 

ساعتها بدأت الصورة تتغير.

 

عمرو لم يكن بريئًا.

 

لكن ربما لم يكن الشيطان الأكبر أيضًا.

 

سألتها:

 

“وإنتِ؟”

 

ابتسمت ابتسامة متعبة.

 

وقالت:

 

“أنا كنت ورقة ضغط.”

 

“وبعدها بقيت سجينة.”

 

ثم أشارت لآدم.

 

“وده السبب.”

 

نظرت للطفل.

 

كان نائمًا بسلام.

 

غير مدرك أنه سبب حرب كاملة.

 

قالت:

 

“لما عرفوا إنه ابن شريف.”

 

“خافوا.”

 

“لأن وجوده لوحده كان ممكن يغيّر ترتيب الورث.”

 

“ويعيد شريف للمشهد.”

 

“ويكشف حاجات كتير.”

 

سألتها:

 

“ليه هربتي دلوقتي؟”

 

لأول مرة ظهر الخوف الحقيقي على وجهها.

 

وقالت:

 

“لأنهم قرروا يتخلصوا من آخر شاهد.”

 

اتسعت عيناي.

 

“مين؟”

 

لكن قبل أن تجيب…

 

انطفأت الأنوار فجأة.

 

غرقت الفيلا في الظلام.

 

وفي نفس اللحظة سمعنا صوت سيارة يتوقف خارج البوابة.

 

ثم سيارة ثانية.

 

ثم ثالثة.

 

ياسمين شحبت.

 

وقامت واقفة بسرعة.

 

وقالت بصوت مرتجف:

 

“لحقونا.”

 

“هم وصلوا.”

 

ومن خلف النوافذ المظلمة ظهرت أضواء كشافات قوية تتحرك داخل الحديقة.

 

أما آدم فاستيقظ فجأة وبدأ يبكي.

 

وفي الخارج…

 

دوى صوت طرق عنيف على الباب الرئيسي.

 

مرة.

 

ثم مرة ثانية أقوى.

 

ثم جاء صوت رجل يقول:

 

“افتحوا الباب.”

 

“انتهت اللعبة.”

 

نهاية الفصل الحادي عشر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *